لم تتوقف أصوات الأحذية العسكرية التي كانت تمزق سكون قنوات الصرف الصحي إلا عندما رفع ليونيل يده فجأة.
“…… توقفوا.”
كانت كلمة واحدة قصيرة، لكن الفرسان الذين كانوا يفتشون المكان تجمدوا في مواقعهم كالأصنام.
تراقص ضوء المشاعل على الجدران الرطبة، ملقيًا بظلال طويلة بدت وكأنها كائنات حية تتمايل.
ووسط ذلك، وقع بصر ليونيل على شيء لا يتناسب أبدًا مع قذارة هذا المكان.
قطعة قماش ناعمة ترفرف بخفة. كانت معلقة عند مدخل ممر ضيق يمتد للداخل؛ لقد كان شريط فستان. أدرك ليونيل من النظرة الأولى أنه من زينة الفستان الذي كانت ترتديه أنيس ليلة المهرجان. ورغم تلطخه بالتراب والقاذورات، إلا أن ملمسه ونقوشه الدقيقة لم تتغير.
لم يكن ليخطئ ذلك اللون الأزرق السماوي أبدًا، لأنه هو من اختاره بنفسه، ظنًا منه أنه سيناسب أنيس تمامًا.
تحولت نظرة ليونيل فجأة لتصبح حادة وقاسية:
“…… أنيس.”
خرج اسمها من بين شفتيه الجافتين المتشققتين.
اندفع ليونيل نحو عمق الممر وكأنه يلقي بجسده، دون أن ينتظر حتى حمل مشعل. ذعر الفرسان خلفه من تصرفه المفاجئ وبدأوا يلحقون به بارتباك.
“سيادة العقيد! هذا خطر!”
“الطريق زلق! دعنا نتقدم نحن!”
لكن ليونيل لم يتوقف لالتقاط أنفاسه، بل ركض بسرعة حتى لاح طرف الممر. كان الطين يتطاير حتى كاحليه والأرض زلقة، لكن خطواته لم تهتز مرة واحدة.
وعند نهاية الطريق، في مساحة تشبه الغرفة الضيقة، كان هناك مصباح صغير تركه راؤول قبل رحيله يتأرجح بضوء خافت. وتحت ذلك الضوء البرتقالي الشاحب، ظهر جسد صغير منكمش على الأرضية الحجرية.
كانت أنيس.
وجهها الشاحب، الذي يبدو وكأن الدماء قد سُحبت منه تمامًا، كان مغطى بقطعة قماش سوداء تخفي عينيها. ومعصماها النحيلان اللذان لا يكادان يُريان كانا مقيدين بحبل غليظ.
عند رؤية ذلك المشهد، تملك ليونيل إحساس بارد وكأن كل دماء جسده قد جفت دفعة واحدة.
استيقظت أنيس، التي فقدت وعيها لفترة بسبب حماتها الغالية، على وقع الضجيج. بالطبع، لم يكن بوسعها رؤية شيء سوى القماش الأسود الذي يغطي عينيها، لكن المختلف هذه المرة هو رؤيتها لوميض برتقالي كثيف يلوح من وراء القماش.
“……!”
حاولت أنيس المذعورة النهوض بسرعة، لكن الأمر لم يكن سهلاً ويداها مقيدتان خلف ظهرها. ارتطم جسدها بالأرض عدة مرات قبل أن تتمكن بصعوبة من رفع الجزء العلوي من جسدها، وبدأت تتلفت حولها بذعر. وبسبب الحمى، لم تستطع استيعاب الموقف بسرعة.
ومع ذلك، أدركت أن هؤلاء ليسوا من جماعة ريبلت؛ فأعضاء ريبلت كانوا دائمًا يشغلون الراديو بصوت عالٍ وسط الظلام الرطب، وتفوح منهم رائحة البارود ويتحدثون بفظاظة. لم يشعلوا الضوء بهذا السطوع أبدًا.
كان هناك خطب ما.
“سيادة العقيد! يجب أن تأتي معنا!”
في تلك اللحظة، اخترق ذلك النداء وعيها المشوش.
سيادة العقيد؟ هل هم من جيش الإمبراطورية؟
لكن أنيس لم تظن أبدًا أن هؤلاء قد يكونون من فرقة ليونيل. لم يكن من الممكن أن يأتي إلى هنا؛ هو الذي شك بها ودفعها بعيدًا وتجاهلها في النهاية، لا يمكن أن يأتي للبحث عنها في مكان قذر كهذا. لذا، فإن أول شخص تبادر إلى ذهنها عند سماع لقب العقيد كان جيروم، وليس ليونيل.
‘لماذا……؟ هل وجودي هنا يضر بليونيل؟’
تذكرت صوت جيروم وهو يقول إنها ستكون العائق الذي يسحب ليونيل للقاع، فتجمد جسدها رعبًا.
هل يعقل أنهم يريدون محاسبتها لمجرد وجودها في نفس المكان مع ريبلت؟
مهما كان الموقف يظهرها كضحية وليست شريكة، إلا أن الحقيقة يمكن قلبها دائمًا؛ وقد اختبرت ذلك مرارًا.
لذا، تملكها ذعر مفاجئ:
‘لا…… لا يجب أن يمسكوني.’
لم تعد تريد أن تكون عبئًا على ليونيل.
شعرت أنها لن تتحمل المزيد من الكراهية إذا زادت عما هي عليه الآن.
دفعت جسدها للخلف بصعوبة وهي تحاول الزحف نحو الزاوية الأكثر ظُلمة للاختباء، رغم أن قيودها منعتها من التوازن. تحت القماش الأسود، كانت عيناها تتحركان باضطراب وقلق.
رأى ليونيل ذلك، وتحركت تفاحة آدم في حلقه ببطء وكأنه متصلب.
“أنيس، لماذا……”
‘لماذا تهربين مني؟’
التوى السؤال داخل حلقه دون أن يخرج. ابتلع كلماته واقترب منها بسرعة، وشعر بقشعريرة باردة تسري في قفاه. كان من الطبيعي أن يشعر بالراحة لأنه وجدها، لكن العكس هو ما حدث؛ لقد شعر بالاختناق.
مع كل خطوة يخطوها ليونيل، كانت أنيس تلتصق بالحائط أكثر فأكثر.
كان كتفاها النحيلان يرتجفان بقوة، ليس من البرد، بل من الرعب.
شعر ليونيل أن ذلك الارتجاف هو رفض صريح له، فاصبحت خطواته مضطربة ومتعجلة.
في تلك اللحظة..
تشششش—.
انتشر صوت تشويش معدني حاد فجأة في مساحة الأنفاق الضيقة؛ إنه صوت جهاز لاسلكي.
“هاااه……!”
تزامنًا مع ذلك، خرجت صرخة ممزقة من فم أنيس. أدرك ليونيل ما يعنيه ذلك، فصرخ بأعلى صوته:
“أغلقوا اللاسلكي فورًا!”
“آه، نعم! نعم سيادة العقيد!”
ارتبك الجندي الذي كان يتبعه وحاول إغلاق الجهاز فسقط منه على الأرض:
“أنا.. أنا آسف!”
أغلقوا اللاسلكي أخيرًا، لكن تنفس أنيس كان قد فقد انتظامه منذ زمن. كان جسدها الهزيل ينتفض بقوة تحت وطأة الذعر. توالت أنفاسها اللاهثة التي يضيق الصدر لسماعها. وعلاوة على ذلك، رغم إغلاق اللاسلكي، كان صوت تشويش آخر لا يزال ينبعث من مكان ما.
جالت عيناه الزرقاوان بحدة في المكان، ليدرك ليونيل أخيرًا سبب عدم هدوء أنيس؛ كان هناك راديو ملقى في مكان قريب منها. التوى وجهه غضبًا، ورفع قدمه ليحطم الراديو القديم بكل قوته.
بوم—!
تحطم الراديو وتناثرت قطعه، وانقطع صوت التشويش تمامًا. في تلك الأثناء، مد كالت يده نحو أنيس بحذر:
“دوقة فالهام، تعالي إلى هنا من فضلكِ.”
لكن أنيس انكمشت أكثر، وبدأت شفتاها الصغيرتان تتحولان للون الأزرق بسبب نقص الأكسجين.
“لا.. هاه.. لا أريد……”
خرجت كلمات توسل متقطعة وسط أنفاسها المحطمة. كان صوتًا يائسًا كأنه بكاء أو صراخ استغاثة:
“لا أريد…… هئ…… أن أكون عبئًا…… على رايل……”
شعر ليونيل في تلك اللحظة وكأن شخصًا ما قد دفعه من حافة هاوية، وانخسفت الأرض من تحت قدميه.
‘لا تريد أن تكون عبئًا؟’
هل يعقل أنها سمعت كلمات جيروم؟
هل لهذا السبب استسلمت واقتيدت بسهولة؟
شعر وكأن يداً ضخمة تطبق على فمه وأنفه؛ ضاق نَفَسُه. لكن الأولوية الآن كانت لتهدئة أنيس.
تجاهل اختناقه وجثا على ركبته على الأرض الحجرية.
“أنيس.”
نادى اسمها ببطء شديد حتى تستطيع استيعابه وسط حالة الذعر التي تعيشها، فتوقفت حركة أنيس قليلاً. فك ليونيل القماش الذي يغطي عينيها ببطء:
“لا بأس. كل شيء بخير الآن، اهدئي.”
ولكن، على عكس ما توقعه..
بمجرد أن سقط الضوء الساطع من المشاعل على عينيها، تصلب جسدها تمامًا. وفي بؤبؤي عينيها المتسعين، انعكست ظلال عشرات المشاعل والبزات العسكرية السوداء.
“……!”
اتسعت عينا أنيس بشدة، واهتزت عيناها برعب وفقدت القدرة على التركيز.
“أنيس؟”
شعر ليونيل أن الأمر ليس طبيعيًا وحاول تهدئتها، لكن بلا جدوى. بمجرد أن حاولت يده لمسها، انتفض جسدها وكأنها لمست قطعة حديد ملتهبة.
“لا……!”
خرج صوتها مشروخًا كزجاج محطم. شعر ليونيل ببرودة تسري في كامل جسده لسماع تلك الكلمة.
تلا ذلك نوبات سعال متلاحقة من أنيس التي ضاق نَفَسُها، حتى احمر وجهها الشاحب بشدة. هرع ليونيل ليسندها، لكن بقعة حمراء سقطت على ظهر يده.
…… كان دمًا.
رغم أنها كانت بقعة صغيرة كحبة أرز، إلا أنها كانت دمًا بلا شك. وقبل أن يستوعب ذلك، سقط جسد أنيس للأمام.
التقف ليونيل جسدها غريزيًا، وشحب وجهه في لحظة. كان جسد أنيس كقطعة من نار. لمست يده وجنتها، وكانت أصابعه الطويلة ترتجف بشكل مخزٍ.
“…… أنيس……؟”
هز ليونيل وجنتها برقة شديدة، كأنه يحاول إيقاظ طفل نائم. لكن جسد أنيس كان يزداد ارتخاءً بين يديه.
التعليقات لهذا الفصل " 87"