لم تتوقف أنيس عن تحريك عجلات كرسيها إلا عندما بدأت أطراف أصابعها تشعر بالخدر. وحين استعادت وعيها بمحيطها، وجدت نفسها قد انجرفت بعيداً وسط الحشود المتجمهرة. كانت المدينة تهتز بابتهاج غريب ترقباً للألعاب النارية؛ الأعلام ترفرف فوق الرؤوس، والفوانيس الملونة تتأرجح عند زوايا الشوارع، بينما تفوح في الأجواء رائحة الفواكه الحلوة والسكر المذاب.
لكن أنيس، ورغم نظرها إلى كل تلك المشاهد، لم تشعر بشيء. الرياح التي تلفح عنقها، واحتكاك ملابس المارة العابرين، والضحك والموسيقى؛ كل تلك الأصوات والأحاسيس بدت بعيدة وضبابية، وكأنها غارقة تحت الماء.
‘لم أكن أعني لليونيل شيئاً، ولو كان يسيراً.’
بمجرد أن طرأت هذه الفكرة على بالها، طفت ذكرياتها مع ليونيل أمام عينيها. كلمات ليونيل بأنه سيصدقها لم تكن سوى صدقات عابرة لتهدئة الموقف، تماماً كمن يضع قطعة حلوى في يد طفل يبكي.
ومع ذلك، كانت هي حمقاء بما يكفي لتمتلئ فرحاً، ظناً منها أنه يثق بها حقاً. أما قبلاته الدافئة، وأنغام البيانو العذبة، فقد أدركت الآن بمرارة أنها لم تكن سوى ألاعيب فارغة.
تحول ذلك الأمل اللحظي إلى إهانة تخترق قلبها.
ثم تذكرت صوتاً آخر، كان حاداً ومبحوحاً كاحتكاك المعدن، يختلف تماماً عن صوت ليونيل:
“كن حذراً إذا كنت لا تريد أن تُجر إلى القاع مع ابنة تاجر حقيرة.”
همست أنيس لنفسها:
“بسببي.. قد يُجر ليونيل إلى القاع……”
لم تكن تعرف ما هو الشيء الذي قد يدفع ليونيل إلى الهاوية لأنها لم تسمع المحادثة من بدايتها، ولكن ما الفائدة من التقصي؟ أصلها، ساقاها العاجزتان، عائلتها التي جنت بالمال وتحالفت مع العدو؛ أي شيء يخصها يمكن أن يصبح نقطة ضعف لليونيل.
حين فكرت بالأمر، وجدت نفسها عديمة الفائدة حقاً.
لم يعد لديها معلومات لتعطيها، ولا يمكنها مساعدته، بل وفوق ذلك، مجرد وجودها على قيد الحياة قد يسحبه إلى الأسفل.
إذن، ما المعنى من بقائها بجانبه؟
أحدقت أنيس بذهول في المصباح المزين على الشجرة أمامها. كان المصباح يرمش وكأنه على وشك الانطفاء. لقد حلمت بحلم يفوق قدرها؛ حلم بأن تصبح سعيدة مع الشخص الذي تحبه.
تيك—.
مع صوت انقطاع التيار، انطفأ ضوء المصباح تماماً.
تحركت شفتا أنيس بذهول وهي تنظر إلى أغصان الشجرة التي صبغها الظلام:
“…… ربما سيكون من الأفضل لو اختفيتُ تماماً.”
أليس هذا أفضل للجميع؟
المصباح الذي فقد ضيائه وانطفأ.. شعرت أنيس أنه يشبه حالها تماماً.
في تلك اللحظة:
“آه!”
سقطت طفلة صغيرة كانت تركض بابتهاج حاملة باقة زهور ورقية أمام كرسي أنيس مباشرة. تناثرت الزهور من يد الطفلة على الطريق، وتطايرت الأوراق الملونة مع الرياح، وسقطت بعض الزهور فوق حجر أنيس.
ظلت أنيس تراقب المشهد بذهول لفترة، ثم انحنت بحذر، والتقطت الزهرة الورقية وقدمتها للطفلة:
“هل أنتِ بخير؟”
وفي تلك اللحظة، امتدت يد فجأة ورفعت الطفلة بقوة.
“ألم تصابي بأذى؟ لقد أخبرتكِ ألا تركضي!”
تلك المرأة التي بدت وكأنها الأخت الكبرى، لاحظت وجود أنيس فجأة وتملكها الرعب:
“ما الذي يأتِ بكِ إلى هنا؟ آه! هل خرجتِ لمشاهدة المهرجان؟ أ.. أنا خرجتُ مع أختي الصغيرة و……”
تحدثت جيسي بتلعثم وارتباك. وخلف جيسي، عاد المصباح الذي ظنت أنيس أنه تعطل للأبد ليضيء فجأة. نظرت أنيس إلى ذلك الضوء بعينين باهتتين، ورسمت تعبيراً لا يمكن تسميته ابتسامة:
“مضى وقت طويل يا جيسي. ظننتُ أنني لن أراكِ مجدداً لأنكِ غادرتِ دون كلمة، لكننا نلتقي هكذا.”
“أنا آسفة لأنني رحلتُ دون وداع. في الحقيقة، أنا……”
تمتمت جيسي وهي عاجزة عن النظر في عيني أنيس. وبجانبها، بدأت أختها الصغيرة بالبكاء وهي تنظر للزهور المجعدة:
“أختي، الزهور تحطمت، اهئ.”
نظرت أنيس للطفلة، ثم اشترت باقة زهور ورقية جديدة من تاجر مارّ وقدمتها لها:
“تفضلي، خذي هذه.”
“هل هذه لي؟”
أخذت الطفلة الباقة بلهفة وابتسامة عريضة بعد أن استأذنت جيسي بنظرة خاطفة:
“شكراً لكِ!”
أمام ضحكات الطفلة، لوحت جيسي بيديها بذعر:
“سيدة أنيس، لا داعي لهذا!”
“فعلتُ هذا لأنني أردتُ ذلك.”
هزت أنيس رأسها بلطف:
“شكراً لأنكِ كنتِ لطيفة معي أثناء بقائكِ في القصر، يا جيسي.”
تصلب وجه جيسي عند سماع تلك الكلمات. كانت تعلم أكثر من أي شخص آخر أنها لا تستحق هذا الشكر. لكن تعبير أنيس كان صادقاً؛ وجه نقي خالٍ من أي ضغينة أو شك، مما جعل جيسي تشعر بالاختناق من الذنب.
“أنا…… أنا……”
عجزت جيسي عن إيجاد الكلمات، فانحنت في النهاية وكأنها تهرب:
“شكراً لكِ. إذن، سنذهب نحن أولاً.”
انطلقت جيسي بخطوات سريعة وهي تشعر بوخز الضمير، لكنها لم تبتعد كثيراً حتى توقفت.
‘لا يمكنني الاستمرار في التظاهر بعدم المعرفة. يجب أن أعتذر لها عن وقوفي متفرجة طوال الوقت، ويجب أن أحذرها من مدى خطورة نورا، وإلا سأعيش بهذا الشعور المخزي طوال حياتي.’
لكن بمجرد أن قررت جيسي الالتفاف والعودة، سحبت يد صغيرة كُم ثوبها.
“أختي!”
“ماذا؟”
التفتت جيسي لتجد أختها تشير بإصبعها نحو المكان الذي كانت فيه أنيس:
“تلك الأخت التي أعطتني الزهور.. هناك رجال غريبون يلحقون بها.”
نظرت جيسي بذعر نحو الاتجاه الذي أشارت إليه أختها.
كانت أنيس تنظر بتأمل لشجرة الزينة، ثم بدأت تحرك كرسيها نحو الساحة. وخلفها، كان هناك رجال يرتدون أغطية رأس سوداء يتتبعونها.
“…… ما هذا؟”
أمسكت جيسي يد أختها بقوة وحاولت العودة نحو أنيس بسرعة عبر الحشود، لكن الزحام كان عائقاً كبيراً.
“عذراً، اسمحوا لي بالمرور!”
عندما تمكنت جيسي أخيراً من الخروج من بين الحشود المكتظة، كانت أنيس قد اختفت من بصرها..
ومعها أولئك الرجال المريبون. شحب وجه جيسي تماماً:
“يا إلهي.. لا……”
تلاشت صرختها الضعيفة وسط ضجيج المهرجان الصاخب.
بقيت أنيس وحيدة أمام الشجرة التي غادرتها جيسي. بدت ضحكات الطفلة وضوء المصباح الذي عاد للعمل وكأنها أحداث وقعت منذ زمن بعيد. امتد ظل طويل عند قدمي أنيس؛ رجلان يقتربان منها بخطوات ثقيلة وسط حشود المهرجان.
في البداية، ظنت أنهما مجرد عابرين، لكن مع كل حركة، كان شعار الأقحوان يظهر من تحت أغطية رؤوسهما.
“…… ريبلت.”
شهقت أنيس وشحب وجهها. شعر جسدها بالخطر فقبضت على عجلات الكرسي بغريزة البقاء، وبدأت تحركه بسرعة للابتعاد عنهم. لكن الأرض غير المستوية كانت تعيق سرعتها وتجعل الكرسي يتعثر.
بهذا المعدل، سيمسكون بها.
وبينما كانت تصارع لإخراج عجلة علقت في فجوة بين الحجارة، داهمها سؤال جوهري:
‘…… حتى لو هربتُ بكل قوتي وعدتُ إلى القصر، مَن الذي سيرحب بي؟’
لن يرحب بها أحد. فهي في النهاية مجرد كائن يمكن لليونيل التخلص منه في أي وقت يشاء.
ضربها هذا الإدراك بقوة. تسلل استسلام بارد إلى أعماق جسدها.
‘أجل…… ربما يكون حدوث هذا أفضل.’
لم تكن تريد أن تُواجه لحظة التخلي عنها. طرقت بقايا رغبتها الأخيرة صدرها بحزن؛ فبدلاً من انتظار اللحظة التي سيطردها فيها ليونيل، ربما يكون اختفاؤها هكذا أقل إيلاماً.
تركت أنيس يديها الممسكتين بالعجلات ترتخيان ببطء، وراقبت الأيدي التي امتدت نحوها دون مقاومة.
التعليقات لهذا الفصل " 78"
خلاص عيوني صارت حمرا من دة شدة البكاء اااع انا اتألم حبيبتي المسكينة 😭😓😓
شكرا على الترجمة 🌸🌷