بمجرد خروج أنيس من مبنى الفرسان، تساقط شيء بارد بلطف على وجنتيها.
توقفت أنيس للحظة عند ملامسة ذلك الملمس الناعم لأطراف أصابعها. ظنتها دموعاً في البداية، لكن ما ذاب بهدوء على راحة يدها كان ندفة ثلج.
كانت ندف الثلج تتطاير في الهواء بخفة كأنها بتلات زهور الكرز.
نزلت ندف الثلج البيضاء برقة فوق الزينة التي ثبتتها بعناية، وفوق شعرها المصفف بدقة، وبين ثنايا فستانها الأزرق الفاتح.
كان المشهد غاية في الجمال، وهذا بالتحديد ما جعل أنيس تشعر بمزيد من البؤس.
طوال الأيام الماضية، لم يظهر ليونيل ولو لمرة واحدة. ومع ذلك، وبمجرد تفكيرها في لقائه، شعرت بالإثارة وتملكتها آمال حمقاء. ظلت تتأمل الزينات التي لا تليق بها وتفكر فيما قد يجعلها تبدو أكثر جمالاً.
صورة نفسها التي اكتملت الآن بدت لها مثيرة للشفقة لدرجة مروعة. كم سخر منها ليونيل وهو يراها هكذا؟
تنفست أنيس بمرارة وهي ترفع رأسها. تسربت موسيقى عشية المهرجان من بعيد؛ صوت الأجراس يقرع من الأبراج المزينة بالذهب، والزينة تتلألأ على كل شجرة، وصيحات ضحك الأطفال تمتزج بقرع طبول الفرق الاستعراضية.
كانت المدينة بأكملها تصطبغ بحرارة الاحتفال. لكن وسط كل تلك الأصوات الدافئة والنابضة بالحياة، شعرت أنيس وكأنها وحيدة في عالم آخر منفصل.
وبينما كان العالم يفيض بالضوء والدفء، لم يمتد تحت قدميها سوى ظلام يبدو بلا نهاية.
وضعت أنيس يدها ببطء على عجلات كرسيها.
لم تكن تدري إلى أين تذهب، لكنها أدركت أنها لن تستطيع الوفاء بوعدها بالانتظار هنا. لم تكن تملك الشجاعة لمواجهة وجه ليونيل والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام.
فوق الثلج الرقيق الذي بدأ يتراكم على الأرض، ارتسم أثر طويل لعجلات كرسي متحرك فقد وجهته.
أطلق ليونيل زفيراً طويلاً من الضيق. لولا جيروم لكان قد ذهب لرؤية أنيس منذ وقت طويل. أزعجه كثيراً إهدار الوقت في جدال عقيم لا معنى له.
في تلك اللحظة، شعر بحركة طفيفة خلف الباب؛ صوت لا يكاد يُبين، أهو احتكاك ثياب أم وقع خطى؟
لكن أذني ليونيل المدربتين استجابتا للأمر فوراً.
“عذراً للحظة.”
وضع ليونيل كأسه وفتح الباب، ليظهر كالت واقفا في الرواق. كان وجه مساعده، الرصين دائماً، يحمل تعبيراً نادراً من الارتباك.
ضيق ليونيل عينيه:
“هل جاء أحد؟”
“في الواقع…… لقد جاءت السيدة أنيس إلى هنا.”
“لماذا تأتي أنيس إلى هنا؟ ألم آمرها بالانتظار في القصر؟”
“يبدو أن هناك خطأً قد حدث في نقل جدول اليوم. يبدو أن أمر الانتظار في القصر لم يصل إليها بشكل صحيح.”
أصبح نَفَس ليونيل ضحلاً فجأة، وكأنه توقع الكلمات التالية من كالت. قبض يده بقوة.
“ويبدو أنها سمعت الحديث الذي دار بينك وبين السيد جيروم.”
“…… ماذا قلت؟”
برزت عروق جبهة ليونيل بوضوح.
تجمد عقله للحظة؛ ماذا كان يهذي قبل قليل؟
“مجرد ابنة تاجر حقيرة… لقد انتهت فائدتها على أية حال…”
أجل، لقد تفوه بمثل هذا الكلام.
‘وهي سمعت ذلك؟ أنيس سمعت هذا؟’
اجتاحت برودة قاسية عموده الفقري بالكامل.
“أين أنيس الآن؟”
“قالت إنها ستنتظر عند مدخل المقر، لكنها… اختفت.”
“اختفت؟”
بعد لحظة من الصمت المطبق، اختطف ليونيل سترته وخرج من الغرفة كرد فعل غريزي.
“العقيد فالهام؟”
جاء صوت جيروم الساخر من خلفه، لكن ليونيل لم يعره انتباهاً. كان يدرك تماماً مدى حماقة ما يفعله الآن؛ فهو ينفي بنفسه تلك البرود التي تظاهر بها قبل قليل، ويعلم أن ثمن هذا الاندفاع لن يكون سهلاً.
منطقياً، كان عليه أن يجلس بهدوء أمام جيروم ويحتسي الخمر، لكن كل تلك الحسابات تبخرت من عقله.
تملكت ليونيل فكرة واحدة فقط: يجب أن أجد أنيس. و..
‘وبعد ذلك ماذا؟’
تجعلك السترة بين يديه من شدة قبضة يده.
هل يريد التوضيح؟
هل سيقول لها إنه كان سوء فهم؟
إنه لم يقصد ذلك؟
إنه كان يحميها من جيروم؟
لا يوجد سبب يدفعه لكل تلك التبريرات الطويلة.
خياره قبل قليل كان صحيحاً، ولا يندم على الكلمات التي نطق بها، ولو تكرر الموقف لقال الشيء نفسه.
كان يكفي أن تكون أنيس داخل السياج الذي صنعه لها، وليس عليه واجب شرح كل تصرفاته.
ومع ذلك، تضاعفت سرعة خطواته. لم يرتب ما سيقوله حين يمسك بها، لكن كان عليه أن يراها فحسب؛ ليرى تعابير وجهها، وليتأكد أنها لا تبكي كما فعلت حين توسلت إليه ألا يتخلى عنها.
كان عليه أن يخبرها، على الأقل، بأن كلمة التخلص منها لم تكن تعنيه بصدق.
“تؤ تؤ.. هكذا إذن، لا يستطيع إخفاء قلبه.”
جلس جيروم بوضعية مسترخية على كرسيه وهو يراقب ليونيل يختفي.
“يقول إنه سيتخلص من زوجته وهو يحمل هذا الوجه؟”
ارتسمت ابتسامة لزجة على شفتي جيروم وهو يجرع الخمر. كانت ابتسامة صياد حصل للتو على طعم فائق الجودة.
“بالتأكيد، سأصدقك.”
***
من جهة أخرى..
كان مقر ريبلت الذي اجتاحه جيروم في حالة فوضى عارمة، كغابة ضربها الإعصار. صناديق خشبية محطمة، أرضية ملطخة بالدماء، وبنادق وسيوف ملقاة هنا وهناك.
“إدريان.. ذلك الجرذ، لقد باعنا في النهاية.”
وقف نيك وسط الرماد وهو يضغط على أسنانه غضباً.
“وإلا فكيف وجدنا جيش الإمبراطور بهذه الدقة؟! كم من الأموال قدمناها لذلك النذل طوال هذه المدة!”
طاخ!
ضرب نيك الحائط بقبضته، فتناثر الغبار من الجدار.
كان راؤول واقفاً بجانبه بوجه متصلب.
“نيك، ليس هذا وقت الغضب. يجب أن نغادر العاصمة فوراً.”
“اللعنة، هل تظن أنني لا أعرف ذلك؟ المشكلة أننا لا نستطيع الخروج الآن!”
بسبب عشية المهرجان، كانت بوابات العاصمة تخضع لرقابة صارمة لمنع الجرائم. ولم تعد تصاريح المرور المؤقتة التي يملكونها تجدي نفعاً. بل في الحقيقة، لم يكن لدى نيك أي نية للهرب بهدوء.
“لا يمكنني الرحيل بسلام وأنا أشعر بهذا الظلم. لا يمكنني ترك ذلك الخائن الذي غدر بنا دون عقاب، أليس كذلك؟”
“إدريان باردو تحت حماية جيش الإمبراطور الآن. لسنا في وضع يسمح لنا بلمسه.”
“ومن قال إنني سألمس إدريان نفسه؟”
تراقصت نيران الغضب في عيني نيك. هناك طرق لا حصر لها لمعاقبة الخائن دون مساسه شخصياً.
“ذلك النذل لديه ابنة، أليس كذلك؟ سمعتُ أنه يعتز بها كثيراً.”
ماذا سيحدث لو أصاب تلك الابنة الغالية مكروه بسببه؟
“ابنة إدريان باردو؟ أي واحدة تقصد؟”
“بالطبع……”
تحرك حاجبا نيك الحادان بخبث:
“تلك التي تملك فدية أغلى. ألم يقل أحدهم إن الابنة الثانية هي زوجة العقيد فالهام؟”
تذكر نيك تلك الجميلة ذات الملامح الرقيقة التي رآها في اجتماع المفاوضات.
أنيس.
إذا أصاب ذلك المرأة مكروه، فلن ينتقم من إدريان فحسب، بل سيذيق ليونيل -الذي أذاقهم مرارة الهزيمة مراراً في الحرب- طعم فقدان لا ينسى.
لقد كانت الهدف المثالي للانتقام.
“التوقيت مثالي.”
كل النبلاء رفيعي المستوى سيحضرون عشية المهرجان، واليوم هو ذلك اليوم. المدينة غارقة في صخب الاحتفال، والشوارع تكتظ بالناس بشكل جنوني. في ليلة يختلط فيها ضجيج الآلاف بالألعاب النارية والموسيقى، لن يلحظ أحد اختفاء شخص واحد.
أصبح صوت راؤول ملحاً بعد أن أدرك ما ينوي نيك فعله:
“لا يا نيك، هذا خطر جداً. وفوق كل شيء، تلك المرأة لا ذنب لها.”
“وهل كان لنا ذنب حين كنا نُقذف في ساحات المعارك كقطع الشطرنج، والآن نحن مشردون بلا وطن؟”
رغم اعتراضات راؤول، لم يخمد غضب نيك أبداً.
“لا تعترض طريقي يا راؤول.”
زمجر نيك وهو يكشر عن أسنانه. في تلك اللحظة، أضاءت الألعاب النارية التي تعلن بدء المهرجان السماء باللون الأحمر.
نظر نيك إلى الضوء، وهمس بنبرة مشؤومة لأعضاء ريبلت الذين عادوا لتوهم من دفن زملائهم الذين قتَلهم جيروم:
التعليقات لهذا الفصل " 77"