“سيدة أنيس.. هل أنتِ واثقة حقاً…… من قدرتكِ على الخروج اليوم؟”
وضع سايمون المعطف الذي كان يحمله جانباً، ورمق أنيس بنظرة ملؤها القلق. كانت نوبات السعال الجاف تتوالى من صدر أنيس النحيل، وقد ارتفعت حرارتها قليلاً هذا الصباح قبل أن تستقر بصعوبة. كان جلدها لا يزال متورداً بأثر الحمى، وأنفاسها مضطربة بعض الشيء.
مر الوقت بسرعة غريبة، وها هي ليلة المهرجان قد حلت. المسرحية الراقصة التي كان من المفترض أن يشرف عليها مركز باردو التجاري أتمت استعداداتها دون أي مشاكل، بعد أن استُبعدت أنيس منها تماماً.
راقب سايمون ظهر أنيس وهي تتجه نحو بوابة القصر بعينين غارقتين في الحزن؛ فمنذ أن صفعت أنيسُ نورا، أصبحت المعاملة الباردة المحيطة بها أكثر خبثاً ودهاءً. ورغم محاولات سايمون المتأخرة للتحقيق، إلا أن الخدم كانوا يخشون سطوة نورا ولم يجرؤوا على التحدث بسهولة.
ومع ذلك، وُجد قلة شجعان؛ ومن خلالهم جمع سايمون حقائق حاول إيصالها لليونيل مراراً، لكن بلاغاته كانت تُؤجل دائماً بحجة انشغال الدوق.
وحتى حين كان يقابله مصادفة في الطريق، لم يكن يتلقى سوى جملة واحدة: لاحقاً.
طبق سايمون شفتيه بقوة وتمتم:
“…… أتمنى ألا يكون ذلك الـلاحقاً متأخراً جداً.”
في ذات الوقت الذي غادرت فيه أنيس القصر متجهة نحو مقر الفرسان..
كان جيروم يجلس في مكتب ليونيل بمنتهى الغطرسة، خالعاً حذاءه كأنه في بيته، وهو يعيد ملء كأسه. خلف حركاته المسترخية، كانت تكمن حرارة مطاردة لم تبرد بعد؛ فقد عاد للتو من غارة على مقر ريبلت الذي دلته عليه كلوي. ورغم أنه لم يقتل سوى بعض الأتباع، إلا أن الصيد لم يكن بلا فائدة؛ فوجه راؤول الذي رآه هناك، والذي يشبه أنيس بشدة، ظل يراوده مما جعله يطلق ضحكات مكتومة.
رفع جيروم كأسه ليغطي فمه؛ لقد كان يتتبع أثر سليل عائلة غوتن الذي اختفى منذ زمن بعيد، وشعر بالحنق لأن أحدهم كان يمحو آثار راؤول بدقة مؤخراً، لكنه الآن اصطاد صيداً ثميناً.
مال جيروم بجسده للأمام وقال بنبرة مفترس يراقب فريسته:
“بالمناسبة، لدي خبر جيد. لقد أمر الإمبراطور بإعادة سلطة التحقيق في أمر ريبلت إليك مجدداً.”
اهتزت حدقتا ليونيل بشكل طفيف جداً، ولم يفت ذلك على جيروم الذي كان يحلل تعبيرات وجهه بدقة وهو يرتشف من كأسه.
“هل هذا كل ما لديك؟” سأل ليونيل ببرود.
“بالطبع لا. جئتُ لأخبرك بقصة مثيرة للاهتمام سمعتها عن زوجتك.”
غارت نظرات ليونيل ببرود قارس، بينما أعاد جيروم ملء كأسه وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة:
“هل سمعت يوماً أن الوالد الحقيقي للدوقة ليس إدريان باردو؟”
“يقولون إن والدها الحقيقي هو أحد أعضاء ريبلت.. مجرد هراء، أليس كذلك؟”
قهقه جيروم وكأنه يلقي نكتة عابرة، ثم انحنى فجأة بجسده نحو ليونيل:
“لكن، ماذا لو كان ذلك حقيقة؟ أليس أمراً خطيراً؟ ستكون قد تزوجت ابنة إرهابي، وقد تُتهم بالخيانة العظمى معها.”
“أراك تفكر بجدية في ترهات لا أساس لها.”
“أنا قلق عليك فقط. فالإشاعات تقول إن دوق فالهام غارق في حب زوجته، وأخشى أن ترتكب حماقة لتغطية جرائمها.”
أمال ليونيل رأسه وهو يضع قدماً فوق أخرى ببرود، وقد مسح أي أثر للاضطراب من وجهه. نظر إليه جيروم وهو يدير كأسه ببطء:
“على أية حال، لستَ غبياً لدرجة أن تفقد مكانتك التي استعدتها بصعوبة من أجل امرأة بلا أصل، صح؟”
لم ينطق ليونيل بالنفي فوراً. ذلك الصمت القصير منح جيروم يقيناً بأن أنيس ليست مجرد عابرة في حياة ليونيل.
ضحك جيروم وهو ينفث أنفاساً مثقلة برائحة الخمر:
“يا إلهي.. هل وقعتَ في حبها حقاً—”
“مستحيل.”
أخيراً، نطق ليونيل.
“لقد كانت مفيدة لي في عدة أمور، فدفعتُ ثمن خدمتها، ويبدو أن الإشاعات قد فُهمت خطأ.”
أسند ليونيل رأسه على يده، وكانت نبرته باردة وخالية من أي عاطفة:
“هل اعتقدتَ حقاً أنني قد أقع في الحب؟ ومع من؟ مع ابنة تاجر حقيرة؟”
التوت زوايا فمه بسخرية، بينما تحركت تفاحة آدم في حلقه بارتعاشة خفية.
رغم ظنه أنه محا كل الأثر، إلا أن جيروم اكتشف هوية والد أنيس. كان هدف جيروم هو ليونيل نفسه، وكان يريد معرفة إلى أي مدى يمكنه استخدام أنيس كطعم.
في اللحظة التي يظهر فيها أن ليونيل يكنّ مشاعر لأنيس، سيسحبها جيروم إلى هاوية لا قاع لها.
لذا، عاملها ليونيل كأنها لا شيء، ليوجه اهتمام جيروم إليه هو فقط.
ضيق جيروم عينيه بشك:
“…… هل هذا صحيح؟”
لكن شكه لم يدم طويلاً، فتابع وهو يوجه نصيحة كأنها نصل سكين:
“إذن هذا جيد. كن حذراً إذا كنت لا تريد أن تُجر إلى القاع مع ابنة تاجر حقيرة. هذه نصيحة من صديق قديم.”
‘صديق؟’
يا له من كلام مضحك. ومع ذلك تابع جيروم بوقاحة:
“أو ربما من الأفضل أن تتخلص من زوجتك قبل أن تزداد الفضيحة سوءاً.”
“سأفعل ذلك إن لزم الأمر.”
هذه المرة، لم يتردد ليونيل. سحب زجاجة الخمر وملأ كأسه:
“لقد انتهت فائدتها على أية حال.”
بينما لمعت عينا جيروم الذهبيتان ببريق مظلم عند سماع ذلك الرد، كان هناك شخص آخر غارقت نظراته في السكون التام. خلف شق الباب المغلق بإحكام، تسرب نَفَس مرتجف وضئيل.
“هل اعتقدتَ حقاً أنني قد أقع في الحب؟ ومع من؟ مع ابنة تاجر حقيرة؟”
ضرب ذلك الصوت المنخفض والمنضبط أذني أنيس كالصاعقة عبر شق الباب. شعرت وكأن الدماء تنسحب من جسدها ببطء.
بجانبها، كان كالت يطبق شفتيه بارتباك، وقد تشنج وجهه من التوتر لعلمه أن أنيس قد سمعت كل كلمة بوضوح.
ضغطت أنيس على صوتها المرتجف ونظرت إلى كالت وكأنها لم تسمع شيئاً:
“كان يجب أن أحضر المهرجان مع الدوق…… تلقيتُ رسالة تفيد بأنه سينتظرني هنا، فجئت.”
“آه…… يبدو أن هناك خطأ ما.”
تذكر كالت أن ليونيل أمر قبل أيام بأن تأتي أنيس للمقر لضيق وقته، لكنه غير أمره هذا الصباح وقرر الذهاب للقصر بنفسه. يبدو أن تداخل الأمرين تسبب في هذا الخلط.
وقف كالت أمام الباب ليحجب رؤية أنيس وقال:
“هناك زائر في الداخل الآن. إذا سمحتِ لي، سآخذكِ لغرفة أخرى.”
“…… لا، سأنتظر أمام البوابة الرئيسية للمقر.”
رسمت أنيس ابتسامة قسرية بشفتين مرتجفتين.
شعرت أنها لا يجب أن تبقى في هذا المكان للحظة أخرى.
لكن، وبشكل قاسم، تناهى إلى مسامعها بقية الحديث بينما كانت تحاول الهرب بعجلاتها:
“أو ربما من الأفضل أن تتخلص من زوجتك قبل أن تزداد الفضيحة سوءاً.”
“سأفعل ذلك إن لزم الأمر. لقد انتهت فائدتها على أية حال.”
انزلاق—.
انزلقت يد أنيس من على العجلات. تغلغلت كلمات ليونيل في جلدها كشظايا معدنية حادة، ثم غاصت من رأسها إلى صدرها، وعبر عمودها الفقري حتى أسفل بطنها، لتجمد جسدها بالكامل.
وفي النهاية، حطمت تلك الكلمات بوحشية لوح الجليد الرقيق الذي كانت تقف عليه بتذلل؛ ذلك الجليد الذي كان يحمل اسم عاطفة غير مستقرة.
انتشرت التصدعات في رؤية أنيس، من الأرض إلى صدرها، وصولاً إلى أعماق حلقها. ومن خلال تلك الشقوق، تسرب كل أمل صغير، وكل دفء وضياء متبقٍ كانت تكنه لليونيل، بسرعة لا يمكن استردادها، كرمال ساعة محطمة.
ألم تكن نورا هي من قالت لها أن تعرف قدر نفسها ومكانتها؟
الآن فقط، أدركت أنيس مكانتها بوضوح تام.
بالنسبة لليونيل، لم تكن سوى قيد..
عبء..
خطيئة قد تدمره في النهاية..
و……
مجرد ورقة إضافية تافهة، يمكن التخلص منها بمجرد أن يمل منها.
تشوشت رؤية أنيس بالدموع.
‘آه……’
لم تستطع استنشاق الهواء بشكل صحيح. انحنت بجسدها للأمام وغطت فمها بيدها. كان قلبها يؤلمها وكأن أحداً يعتصره بقبضته.
انهارت الركيزة الوحيدة المتبقية في حياتها التي تعيشها بساقين محطمتين.
التعليقات لهذا الفصل " 76"
لا خلاص كرهت ام البطل ذا بكيت على أنيس خلاص دموعي جفت امي حسبت ان في حدا مات وقاعدة ابكي عليه 😭😫😓😢
شكرا على الترجمة 🌸🌷