“…… أليس من الأفضل أن تصبحي سيدة نبيلة كاملة دون عيوب في أقرب وقت؟ فمن يدري، ربما حينها يلتفت إليكِ سيادة الدوق مجدداً.”
طاخ!
دوى صوت صفعة حادة، فالتفت وجه نورا جانباً بفعل قوة الضرب. رمشت نورا بعينيها بعدم تصديق وهي تتلمس وجنتها، ثم التوت زوايا فمها في ابتسامة مريبة.
“يبدو أن السيدة أنيس حساسة للغاية لأنها استيقظت للتو، لذا فلنتركها لترتاح.”
ومع نهاية جملتها، أمالت نورا رأسها بخفة نحو أندرو الواقف خلفها. كانت الإشارة واضحة.
تشك—.
دون أدنى تردد، قام أندرو بتشغيل جهاز اللاسلكي ووضعه بجانب السرير. دوى رنين آلي حاد في أرجاء الغرفة.
“إذن، نتمنى لكِ راحة هانئة، سيدتي أنيس.”
كانت ابتسامة نورا المهذبة مثالية بشكل مرعب.
بمجرد إغلاق الباب، امتلأت الغرفة بضجيج اللاسلكي وحده. اخترقت أشعة الشمس الدافئة النافذة لترسم ظلالاً هندسية طويلة على الأرض، بدت تلك الظلال كأنها قضبان زنزانة تمتد لتحاصر أنيس من كل جانب.
“…… هـ.. هاه، هاه.”
خرجت منها أنفاس لا يُعرف أهي ضحك أم خيبة أمل مريرة.
هذا المكان.. لم يكن سوى سجن متقن الصنع صُمم خصيصاً لأجلها؛ إهمال تام تحت مسمى الحماية.
كانت عيون إحدى الخادمات، التي كانت تراقب الموقف منذ دخول نورا الغرفة، تتحرك بقلق. كانت هذه الخادمة قد حلت محل جيسي، وهي ممن اختارهم سايمون بنفسه وأوصاها بإبلاغه فوراً إذا حدث أي تجاوز للحدود.
حين زار موظفو المتجر القصر، لم تدرك ما كان يحدث لأن الأوامر كانت تأتيها بشكل غير مباشر، لكن بالنظر إلى الوضع الحالي، بدا جلياً أن ما تفعله نورا يندرج تحت تجاوز الحدود الذي حذر منه سايمون.
راقبت الخادمة نورا بحذر، ثم انطلقت مسرعة نحو المكتب حيث يباشر سايمون أعماله.
“سيدى مدير الخدم، عليك المجيء بسرعة!”
عندما رأى سايمون وجه الخادمة اللاهثة، شعر ببرودة تجتاح ظهره، فانطلق فوراً نحو غرفة أنيس.
وصل سايمون بينما كان نورا وأندرو يهمان بالخروج من الغرفة. حاول فتح الباب دفعة واحدة، لكن نورا اعترضت طريقه.
“تنحي جانباً.”
“السيدة أنيس بحاجة للسكينة، لا تزعجها.”
في تلك اللحظة، تسرب من خلف الباب صوت أنين أنيس المتألم. صعق سايمون ودفع نورا التي كانت تسد الطريق بقوة.
“نورا! ما الذي تفعلينه؟! ما هي المكائد التي تدبرينها هذه المرة؟!”
سخرت نورا منه باستخفاف:
“لماذا هذا الهجوم المفاجئ؟ ألم تكن تعلم بكل شيء وتغمض عينيك عمداً طوال الوقت؟ فقط لأنك لم ترد أن تشغل بالك.”
“عن ماذا تتحدثين أيتها المرأة!”
“هل أنت واثق حقاً من أنك لم تكن تعلم شيئاً؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم تنبس ببنت شفة حين عدت من إجازتك وسمعت عما حدث في يوم ميلاد السيد سيدريك؟”
لُجم لسان سايمون. وبدلاً من مجادلتها، طرق الباب بلهفة:
“سيدة أنيس؟ هل أنتِ بخير؟”
لم يأته رد، سوى صوت اللاسلكي الذي كان يتسرب بشكل متقطع.
فتح الباب بسرعة ليجد أنيس منكمشة تحت السرير، جسدها يرتجف بوهن. كان وجهها شاحباً كالموتى، وحدقتاها تهتزان بلا تركيز.
انهار قلب سايمون لرؤيتها.
“…… سيدة أنيس.”
ارتجفت يداه وهو يسارع لإطفاء جهاز اللاسلكي. في تلك اللحظة، انتفض كتف أنيس بانتفاضة صغيرة.
كم من الوقت قضت وهي معرضة لهذا الضجيج؟
ولماذا لم يلاحظ أحد حالتها، ولا حتى هو نفسه؟
لم يتوقع أبداً أن تنهار حالة أنيس إلى هذا الحد.
لكن في الوقت ذاته، كانت كلمات نورا حقيقة مرة؛ فقد كان يعلم أن أنيس لا تُعامل بتقدير، لكنه اعتبر ذلك شأناً يخصها، وطالما أن تصرفات الخدم لم تتجاوز خطاً معيناً، لم يتدخل. حتى سايمون نفسه كان متأثراً بالإشاعات المحيطة بها في أعماقه.
لذا، ظن أن فشلها في كسب ثقة الخدم هو مشكلتها الخاصة.. واعتقد أن الصخب الذي حدث أثناء غيابه هو مجرد تجسيد لـشرور أنيس التي سمع عنها في الإشاعات.
رغم أنه رأى بعينيه مراراً أن طباع أنيس ليست كذلك، إلا أنه نظر إليها بمنظار مسبق الصنع.
اخترقت كلمات نورا عظامه: ألم تكن تغمض عينيك عمداً لأنك لم ترد أن تشغل بالك؟.
تراكم الذنب في أعماق سايمون؛ لقد ظن أنه أدى مسؤوليته تجاهها، لكن تلك المسؤولية كانت مجرد الحرص على ألا تموت. وهذا التغاضي هو ما أدى لهذه النتيجة.
“يا إلهي…… ما هذا…… سيدة أنيس……!”
لم تستجب أنيس لصوته، بل اكتفت بأنفاس ضعيفة.
رُغم انقطاع ضجيج اللاسلكي، إلا أن الغرفة ظلت غارقة في صمت مهتز. لم يعد هذا مجرد خلاف بين الخدم، بل كان انهياراً لنظام إدارة القصر بأكمله.
وبصفته مدير الخدم، كان عليه تحمل المسؤولية.
كتم سايمون أنفاسه المرتجفة؛ عليه أن يخبر الدوق.
الأمر الآن تجاوز قدرته على الحل بمفرده.
***
في القصر الإمبراطوري، كانت غرفة الاجتماعات غارقة في السكون، لا يقطعه سوى طقطقة نيران الموقد.
لكن ذلك السكون تحطم بصرخة الإمبراطور الغاضبة:
“لقد أمرتكَ بالتعتيم على الأمر بهدوء…… من طلب منكَ تضخيمه هكذا؟!”
تحطم!
قذف الإمبراطور كأسه لتصطدم بدقة بصدغ جيروم.
تناثر النبيذ الأحمر كالدماء المتفجرة، وسال على طول شعره الأحمر وعنقه. ارتجفت رقبة جيروم المشدودة من شدة الاحتقان، واشتعلت عيناه الذهبيتان بتمرد وازدراء مكبوت.
“…… لم يكن هناك خيار آخر يا صاحب الجلالة.”
مسح جيروم النبيذ العالق بذقنه وهو يحاول كبح غضبه:
“لقد هدد مسؤولو سيركاديا بفضح حقيقة الحرب إذا لم نفتح لهم طريق المنفى فوراً. وكان إسكاتهم بتلك الطريقة هو الحل الأسرع والأسهل—”
“الحل الأسهل؟”
ضحك الإمبراطور بمرارة كمن سمع نكتة سخيفة، ثم توقف فجأة.
“ولهذا السبب أنت لا تصلح لشيء!”
طاخ—!
ضرب الإمبراطور الطاولة وانحنى للأمام. كانت نظراته مسمومة، وينظر إلى جيروم كأنه حشرة مقززة.
“كان عليك استخدام حل لا يترك أثراً، وليس حلاً سهلاً! وإلا فمن سيتلقى السهام في النهاية؟ أنا! ألا تفهم؟”
لوح الإمبراطور بيده بغضب:
“ارفع يدك عن كل شيء، وعن التحقيق في أمر ريبلت أيضاً!”
“يا صاحب الجلالة!”
جحظت عينا جيروم الذي كان يتظاهر بالطاعة:
“لا يمكنني قبول ذلك في شأن ريبلت. أنا أحقق جيداً—”
“أيها الغبي، اصمت!”
استدار الإمبراطور بظهره كأن جيروم لا يستحق الاستماع إليه:
“يجب أن نرمي بـطعم آخر لليونيل حتى لا ينبش في أماكن لا تعنينا! ذلك الرجل مهووس بريبلت، لذا أعد له سلطة التحقيق ليصرف نظره عن غيرها!”
بأمر طرد رعدي، دُفع جيروم للخارج دون أن يتمكن من قول المزيد. وبمجرد إغلاق الباب، لفحت الرياح الباردة وجهه. في نهاية ممر الرخام، كان بعض الخدم يتهامسون وهم يختلسون النظر إلى رأسه الملطخ بالنبيذ، مما زاد من اشتعال حنقه.
خرج جيروم من القصر بخطوات غاضبة، ولم يستطع تمالك نفسه فركل جدار القصر وأطلق وابلاً من الشتائم:
“اللعنة!”
اختلط الغضب بالذل حتى برزت عروقه.
هل كونه الإمبراطور يعطيه الحق في كل شيء؟
هو أيضاً من العائلة الإمبراطورية، ولا يستحق هذه المعاملة.
“لو كان ذلك العرش لي فقط……!”
وبينما كان يتفوه بهذه الكلمات الخطيرة التي قد تطيح برأسه لو سمعها أحد، ناداه صوت مألوف:
التعليقات لهذا الفصل " 74"
😓😓😓😭😫
شكرا على الترجمة 🌸🌷