ضغط ليونيل على ما بين حاجبيه المتألمين بعد عودته إلى مكتب فرسان الحديد الأسود. كان قد مرّ لتوه بالقصر ليتفقد حالة أنيس المريضة قبل خروجه.
رغم أن الحمى كانت تعصف بها لدرجة غياب وعيها، إلا أن توسلها وبحثها المستمر عنه ظل يطارد مخيلته. وفي الوقت نفسه، كان غضبه الذي لم يهدأ بعد يغلي في صدره.
لماذا هو غاضب إلى هذا الحد؟ هل لمجرد أن ذكرى سيدريك قد أُهينت؟
بالتأكيد هذا سبب كافٍ، لكنه لم يكن كل شيء. لقد كان يشعر بالخيانة.
ومصدر هذا الشعور هو أن الفاعل لم يكن أحداً غير أنيس.
“لم أكن أجهل أنها امرأة من هذا النوع، فتباً، لماذا أشعر بهذا السوء؟”
كل هذا بسبب شهادة مضيف القطار. فمنذ اللحظة التي علم فيها أن أنيس لم تستقل القطار المتجه جنوباً، بدأ لا شعورياً يستبعدها من تهمة التسبب في موت سيدريك. أخبر نفسه أنه مهما كانت أخطاؤها، فهي بريئة من ذلك الدم على الأقل.
وهكذا، لم يعد ليونيل قادراً على كراهيتها بوضوح كما في السابق. فكلما حاول صبّ جام غضبه وكراهيته العمياء فوق وجهها الصافي، داهمه صداع مقيت؛ وكأن غريزته تحذره من فعل ذلك، حتى في هذه اللحظة التي رأى فيها وجهها المزيف القبيح.
فتح ليونيل النافذة على مصراعيها ليطرد هذا الشعور العفن، فاجتاحت الغرفة ريح شتوية باردة. كاد البرد القارس أن يجمد عقله، لكنه شعر أنه بحاجة لذلك ليتعامل مع مشاعره المتداخلة التي تغلي بداخله.
في الخارج، كانت التحضيرات لعشية المهرجان على قدم وساق. وبدلاً من الزهور التي ذبلت، كانت الزهور الورقية تزين الشوارع، والأطفال يركضون بهياج فوق الأرصفة البيضاء. لمح وسط الزحام فتاة صغيرة تحمل باقة من الزهور الورقية بلون سماوي باهت، تشبه تماماً الهالة التي تنبعث من أنيس.
أسند ليونيل جانبه إلى إطار النافذة البارد، وكان يمسك بيده البروش الذي كانت ترتديه أنيس.
“لقد سحرتني حقاً، سحراً عميقاً.”
أطلق ضحكة ساخرة من نفسه وتابع:
“وإلا، لما كنتُ أفعل حماقة كهذه.”
كانت أكمام ليونيل مجعدة بشكل غير معهود، وهو مظهر يناقض هندامه المنضبط دائماً؛ علامة على المجهود المضني الذي بذله طوال الأيام الماضية دون لحظة راحة. حتى زيارته الخاطفة لأنيس النائمة اليوم كانت وقتاً انتزعه بصعوبة من جدول أعماله المزدحم.
منذ يوم ميلاد سيدريك، بدأت جثث كبار الشخصيات في سيركاديا تظهر تباعاً. لم يكن الأمر مصادفة؛ فرغم إعلانها كحوادث قضاء وقدر، إلا أنها كانت حركة لقطع الخيوط وتحذيراً صريحاً من الإمبراطور: لا تنبشوا في حقيقة الحرب أكثر من ذلك.
علاوة على ذلك، يبدو أن جيروم قد شمّ ريحاً ما، فبدأ يضايق عائلة غوتن بإصرار.
“كنتُ أعلم أن هذا الهدوء لن يطول.”
أي شيء آخر قد يُحتمل، إلا علاقة أنيس براؤول؛ فلا يجب أن يعلم جيروم بها أبداً. فلو حدث ذلك، ستكون حياة أنيس في خطر حقيقي، خطر لا يقارن بمكائد جيروم الطفولية لربطها بـريبلت.
لذا، حتى لو لم يكن راؤول والدها الحقيقي، وجب عليه محو أي احتمالية تربطها به قبل أن تصل لمسامع جيروم.
“امسح كل ما يتعلق براؤول هيرفين غوتن. حتى أصغر التفاصيل. أي شيء قد يربطه بأنيس، تخلص منه.”
أصدر ليونيل أمره لـكالت الواقف في زاوية الغرفة وهو يضغط على أسنانه بقوة.
أجل، لقد سُحر بها تماماً. لا بد أن عطلاً ما قد أصاب عقله؛ وإلا، فما كان ليقوم بكل هذا العناء لحماية المرأة التي وطأت مقتنيات شقيقه سيدريك بالأقدام مرة أخرى.
كان قلبه لا ينصاع لإرادته. تتبدل وجوه مشاعره مئات المرات في اليوم الواحد؛ من الكراهية إلى الحب، ومن الحب إلى المقت. لقد تلاشت كل معالم الاتساق التي كان يملكها.
أجل، لقد صار ألعوبة ببراعة.. بين يدي أنيس.
***
“لقد عانيتِ من الحمى لأربعة أيام كاملة.”
قاس أندرو درجة حرارة أنيس بيده الجافة.
سعال.
خرجت سعلة جافة من بين شفتي أنيس المتشققتين. لم يبالِ أندرو بمعاناتها وتابع ببرود:
“لقد انخفضت الحمى الآن. لكنكِ تعانين من أعراض التهاب رئوي طفيف، لذا لا تجهدي نفسكِ لفترة.”
تجاهلته أنيس وحاولت النهوض من سريرها، متمسكة بالحواجز المثبتة على طول الجدار.
“ألم تسمعي ما قلت؟ يجب أن ترتاحي. إذا كنتِ لا تريدين المعاناة من مضاعفات—”
“نادِ رئيسة الخدم، آهغ.”
أوجعها حلقها بمجرد أن بدأت الكلام، لكنها أصرت على الإكمال:
“نادِ رئيسة الخدم الآن.”
أطلق أندرو سعلة مصطنعة تعبيراً عن عدم رضاه، ثم دق الجرس بنبرة آمرة.
انفتح الباب على الفور؛ ذلك الباب الذي لم يكن ينفتح مهما هزت أنيس جرسها، انفتح الآن لمجرد أن صوت سعال أندرو قد اختلط به. شعرت أنيس بمرارة الخيبة تكتسحها.
أغمضت عينيها لبرهة ثم فتحتهما.
“سيد أندرو، هل تحتاج لشيء ما؟”
سألت الخادمة التي دخلت.
“نادِ والدتي. السيدة أنيس تطلبها.”
“آه.. السيدة أنيس.”
رمقت الخادمة أنيس بنظرة سريعة ثم أدت تحية متأخرة وخرجت مسرعة لتبحث عن نورا.
بعد قليل، ظهرت نورا.
“هل طلبتِني، سيدتي أنيس؟”
قبضت أنيس على الحاجز بقوة جعلت يدها تبيضّ من شدة الضغط. كانت تشعر بوهن في ساقيها بالفعل، لكنها صمدت؛ رفعت جسدها باستقامة وأطرقت نظرها نحو نورا.
“أليس لديكِ ما تقولينه لي؟”
“عن ماذا تتحدثين؟”
“عما حدث قبل ستة أيام.”
كانت أنيس تدرك الحقيقة، لكنها أرادت سماعها من فم نورا مباشرة؛ لماذا جعلت منها ذلك الكائن الحقير الذي يهين ذكرى سيدريك؟
“آه.. هل تقصدين ما حدث في يوم ميلاد السيد سيدريك؟ أنا فقط نفذتُ أوامركِ، سيدة أنيس.”
“كفي عن الكذب.”
ارتجف نَفَس أنيس وهي تحاول كبح سعلتها:
“البروش.. المقتنيات.. كل ذلك كان من تدبيركِ.”
“لا أفهم ما تقولين. أنا فقط رتبتُ الموعد لأنكِ أردتِ قياس الفساتين، ونفذتُ أمركِ بتخزين الأغراض في غرفة أخرى.”
وضعت نورا يديها على وجنتيها بتصنع مثير للاشمئزاز وتابعت:
“تدبيري أنا؟ أنا لم أفعل شيئاً.”
عند تلك الكلمات، شعرت أنيس ببرودة تسري في أحشائها، وخارت قواها فجأة.
“يا إلهي! هل أنتِ بخير؟”
اقتربت نورا بحركة مبالغ فيها، واحتضنت كتفي أنيس بود زائف وهمست في أذنها:
“ما بكِ؟ هل تنوين إخبار الدوق أن كل هذا كان من تدبيري؟”
نفضت أنيس يد نورا عنها:
“وإن فعلت؟”
“إذا فعلتِ ذلك، فما الذي يمكن لرئيسة خدم ضعيفة مثلي أن تفعله؟ سأضطر للخضوع لإرادتكِ.”
عادت نورا لتلمس كتف أنيس وكأنها قلقة حقاً وتابعت:
“لكن، هل سيصدق الدوق ما تقولينه؟ أنا، نورا، أخشى أن يُكسر قلبكِ بسبب أمل زائف.”
التعليقات لهذا الفصل " 73"