كان ليونيل راضياً تماماً عن نمط حياته الجديد؛ فإمكانية العثور على أنيس في أي وقت يشاء منحت قلبه استقراراً غريباً. لم يعد مضطراً للبحث عنها، ولا للقلق من تضارب المواعيد؛ فحتى لو تأخرت اجتماعاته أو طالت جولاته الخارجية، كان يعلم أنها بانتظاره دائماً في مكان ما داخل القصر.
كانت هذه الرفاهية أحلى مما تخيل، لكن أمراً واحداً ظل يؤرقه.
“لقد أصبح واسعاً مرة أخرى.”
تغلغلت أصابع ليونيل الطويلة في كمّ ثوب أنيس.
رغم أنه صُمم ليكون ملتصقاً بجسدها، إلا أن القماش كان فضفاضاً حول معصمها؛ فجسد أنيس كان يذبل ويهزل بسرعة تفوق سرعة خياطة الأثواب الجديدة.
قطب ليونيل جبينه وقال:
“سمعتُ أن فستان عشية المهرجان قد شارف على الانتهاء، لكنه لن يناسبكِ على الأرجح بهذا الحال. من الأفضل حياكة ثوب جديد.”
“لا داعي لذلك. إعادة ضبط القياسات ستكون كافية.”
“يا له من عناء.. ارتدي ثوباً جديداً وحسب.”
“لديّ من الثياب ما يفيض عن حاجتي بالفعل.”
هزت أنيس رأسها بإصرار:
“كما أن الاستمرار في تلقي الهدايا يشعرني بعدم الارتياح. أنا لم أعد أفعل شيئاً مفيداً يستحق أن أحصل في مقابله على ثمن منكَ.”
توقف ليونيل ونظر إليها بذهول، وكأنه لم يفهم ما قالت.
‘ثمن؟’
هل كانت تعتبر هداياه مجرد أثمان؟ لم يكن يقصد ذلك أبداً حين أعطاها إياها، لكن يبدو أن أنيس لا يهدأ لها بال إلا إذا صنفت عطاءه كـمقابل لشيء ما.
حسناً، إذن سيمجاريها في منطقها.
اقترب ليونيل ببطء، وأحاط عنقها بيده ثم انحنى نحوها، وعض على شفتها السفلية بخفة قبل أن يتركها. وقبلها.
“إذن، اعتبريها ثمناً لهذه القبلة.”
في تلك اللحظة، شعرت أنيس وكأن الدماء قد انسحبت من عروقها؛ وكأنها تحولت إلى بضعة تحمل بطاقة سعر داخل واجهة عرض. وبسخرية القدر، تذكرت تلك الكلمات التي صرخت بها في وجهه بمرارة خلال مأدبة النصر: ‘لا تعاملني كعاهرة رخيصة، فأنا لم أبع ضحكتي لأحد يوماً.’
‘بماذا…… بماذا يصفني الآن؟’
أرادت تجاهل الحقيقة، لكن مع تراكم الهدايا عديمة المعنى، لم يعد بإمكانها الهروب من الواقع: مشاعر ليونيل لم تكن تشبه مشاعرها تجاهه أبداً.
ومع ذلك، لم تستطع التخلي عن هذا الدفء المشوه؛ فقد أرادت البقاء بجانبه بأي ثمن.
أغمضت عينيها ثم فتحتهما ببطء، وبرز اضطراب واضح في حدقتيها الشفافتين.
“إذا كان ثمناً للقبلات، فأنا أريد شيئاً آخر غير الأشياء المادية.”
أمال ليونيل رأسه:
“……؟ وماذا تريدين؟ قولي ما تشائين.”
استجمعت أنيس شجاعتها:
“أريد الخروج من القصر.”
“هذا غير ممكن.”
جاء الرفض حاداً كالنصل، ولم يترك أي مساحة للنقاش.
“…… إذن، أريد التنزه في الحديقة على الأقل.”
“ألم تفعلي ذلك بالفعل؟”
“ليس من السهل تحريك الكرسي المتحرك بمفردي في الحديقة. أريدك أن ترافقني.”
ارتفع حاجب ليونيل تعجباً. ظن أن الخادمات يقمن بكل شيء، فما الصعب في ذلك؟
‘هل هي متطلبة أكثر مما تبدو؟’
فكر أن لمسات الخادمات قد لا تعجبها.
“لقد ذبلت الزهور على أية حال.”
“لا بأس حتى بدون زهور. هذه المرة…… أريد حقاً أن أتنزه معك.”
“إذا اعتنيتِ بصحتكِ جيداً، فالتنزه أمر يسير يمكننا القيام به في أي وقت.”
تذكرت أنيس أنها كانت السبب في إخلاف الوعد الثاني بينهما، فقالت بنبرة قوية:
“لن يتكرر ما حدث سابقاً.”
“حسناً إذن. سأنتهي من أعمالي العاجلة بعد خمسة أيام، وسنتنزه حينها.”
رغم موافقته، إلا أنه سخر بداخله من تفكيرها؛ فما أهمية نزهة لا تجلب مالاً وتضيع الوقت؟
كان يرى الأمر غير فعال وعبثياً. لقد ظن أن أنيس بارعة في الحسابات، لكن يبدو أن مهاراتها تلك تقتصر فقط على ميزانيات المركز التجاري.
في غضون ذلك، بدأت إشاعة غريبة تسري في العاصمة؛ مفادها أن دوق فالهام قد أفرط في تدليل زوجته لدرجة أنه يشتري لها كل قطعة فاخرة تقع عليها عيناه.
“في النهاية، حتى بطل البلاد لم يستطع الصمود أمام سحرها.”
“رغم أصلها الوضيع، إلا أنها تمتلك جمالاً أخاذاً. يبدو أن الدوق قد وقع في شباك وجهها الجميل.”
“يقولون إن العربات لا تتوقف عن دخول قصر الدوق وخروجه، وكلها محملة بأدوات تجميل وزينة للدوقة.”
انتشرت الهمسات كالنار في الهشيم، وتحول وقار بطل الحرب ونبل عائلة فالهام إلى مادة للسخرية في لحظة.
وكانت نورا هي الأكثر غضباً من هذه الأقاويل.
دخلت المطبخ بينما كان الجميع يحضرون الطعام، وجرعت الماء البارد بحدة.
طاخ!
وضعت الكأس بقوة جعلت الخادمة التي تقشر البطاطس تجفل وترقب رد فعلها بخوف.
“كيف يجرؤ هؤلاء الحثالة على ذكر اسم فالهام باستهزاء؟”
كانت الإشاعات التي سمعتها لا تنتهي، وأكثر ما أثار حفيظتها هو:
*يُقال إن الدوق عاد لعزف البيانو فقط ليرفه عن الدوقة -.
كانت تلك الإشاعة تغلي في صدر نورا. قبضت على خاتمها بقوة كادت تسحقه.
“البيانو؟ كيف تجرأ على لمسه بعد كل ما فعلتُه لأجعله يتوقف؟”
بالنسبة لنورا، لم يكن البيانو فناً راقياً، بل كان مجرد مهارة رخيصة يستخدمها المهرجون والشعراء الجوالون للتودد للنساء. وكان قيام وريث عائلة فالهام بذلك عاراً لا يغتفر في نظرها.
لذا، حين كان ليونيل الصغير متعلقاً بالبيانو، قامت نورا بخبث بوأد تلك الموهبة؛ أخبرت الدوق السابق أن ذلك يحط من قدر النبلاء، فانتهى الأمر بتحطيم البيانو إلى أشلاء. ومنذ ذلك الحين، لم يلمس ليونيل المفاتيح مجدداً.. أو هكذا ظنت.
لكن مؤخراً، كانت تسمع أصوات بيانو خافتة من الملحق. تغاضت عن الأمر طالما أن الصوت لا يتجاوز أسوار القصر، فليونيل لم يعد طفلاً يمكنها التحكم فيه.
لكن الآن، تسرب الصوت إلى الشوارع واقترن باسم أنيس.
مسحت نورا جبينها وهي تترنح من الغضب.
لقد ضحت بنفسها لتعليم أنيس الإتيكيت واللباقة لتجعل منها سيدة مجتمع راقي، لكن الأصل الدنيء لا يمكن تغييره.
ها هي النتائج؛ جلب الضجيج والعار للعائلة.
“يجب أن أصحح هذا المسار قبل أن يتمرد أكثر.”
في تلك اللحظة، اتخذت مسؤولية نورا الملتوية شكلاً كاملاً. وبما أن أنيس هي السبب في كل هذا، فإن إطفاء اهتمام ليونيل بها سيخمد الإشاعات تلقائياً.
خطرت ببالها فكرة ذكية لقطع حبال الود بينهما.
لوت نورا شفتيها في ابتسامة غريبة وأشارت للخادمة الواقفة بجانبها:
“هل تواصل معكِ متجر الأزياء الذي يجهز فستان المهرجان؟”
“نعم، لقد سألوا عن موعد لزيارة القصر من أجل قياس الفستان قبل اللمسات الأخيرة.”
“حقاً؟ هذا جيد. أخبريهم أن يأتوا بعد أربعة أيام.”
“بعد أربعة أيام؟”
ترددت الخادمة التي عملت في القصر لفترة طويلة؛ فذلك اليوم لم يكن يوماً عادياً. لقد كان ذكرى ميلاد سيدريك الراحل.
“هل ستدعين الناس في ذلك اليوم حقاً؟”
“أجل. لقد قالت السيدة أنيس إن ذلك اليوم يناسبها.”
***
بعد بضعة أيام.
فتحت أنيس عينيها بدهشة وهي ترى سيل الفساتين والأحذية الذي غمر غرفتها فجأة. كانت الصناديق تصطف حتى نهاية الرواق، والخادمات يتحركن بنشاط لترتيب الأشرطة وفتح التغليفات الحريرية.
“ما كل هذا؟”
سألت أنيس، فتبادلت الخادمات النظرات بارتباك:
“لقد جاءوا من متجر الأزياء. إنه من أجل قياس الفساتين الأخرى التي طلبتِها، وفستان عشية المهرجان.”
“هل الموعد هو اليوم؟”
تذكرت أنها أخبرت ليونيل قبل أيام بأن إعادة القياس تكفي، ويبدو أنه هو من رتب الأمر.
“إذن، هل نبدأ بفستان المهرجان أولاً، سيدة أنيس؟”
كان صوت نورا عذباً بشكل مبالغ فيه.
شعرت أنيس بانقباض مريب في صدرها، لكنها أومأت برأسها في النهاية. لم يذكر لها أحد أن اليوم هو ذكرى ميلاد سيدريك، وفي ظل الصمت المحيط بها، كان من المستحيل أن تدرك أنيس فخ نورا المنصوب لها بعناية.
وهكذا، اكتفت أنيس بمراقبة أكوام الثياب القادمة بنظرات خالية من أي شغف، كعادتها.
التعليقات لهذا الفصل " 70"
احم ممكن اعرف وين تسكن ذي نورا ها؟ مو عشان شي طبعا بس نسيت سكيني هنيك 🙂🔪
شكرا على الترجمة الرائعة الفصول شيقة جدا 🌸🌷