بانتهاء لقائها مع لوتشيفيتن، لم يعد بإمكان أنيس الخروج إلى المركز التجاري مجدداً.
“أنتِ بحاجة إلى الراحة.”
“عليكِ التركيز على إعادة التأهيل.”
تحت هذه الذرائع، بدأ عالم أنيس الخارجي يضيق شيئاً فشيئاً.
“…… لم أتمكن حتى من توديع لوسيان.”
تمتمت أنيس وهي جالسة أمام النافذة الكبيرة.
لم يكن لوسيان وحده من يشغل بالها، بل إن عدم قدرتها على لقاء كاين كان يؤرقها بشكل خاص؛ فمع غيابه، انقطعت سبل تتبع أثر فارس المركز الذي تحدث عنه.
وحتى أخبار تجارة كاستيا تلاشت؛ فلا يزال إدريان قيد التحقيق والعالم الخارجي يضج بالأحداث، لكن لم يصل إلى مسامع أنيس أي خبر.
مررت أنيس أناملها ببطء على زجاج النافذة.
كان الهواء في الخارج بارداً، بينما الهواء داخل الغرفة ساكناً جداً، وكأن الزمن قد توقف عندها وحدها.
كان أمراً غريباً؛ فرغم كبر حجم النافذة، لماذا تشعر بكل هذا الاختناق؟
بينما كانت غارقة في أفكارها، سمعت صوتاً حذراً من خلفها:
“أين أضع المجوهرات التي أرسلها سيادة الدوق؟”
التفتت لتجد خادمة بوجه غريب عليها. تأملت وجهها للحظة؛ فقد ازداد عدد الغرباء في القصر مؤخراً. حتى جيسي التي كانت لطيفة معها اختفت يوماً دون أثر، وحل محلها خادمات جديدات واحدة تلو الأخرى.
لم يُشرح لأنيس سبب اختفاء جيسي المفاجئ. بدا وكأن القصر لا يطلب منها شيئاً سوى الجلوس بهدوء داخل هذه الغرفة.
حاولت أنيس تجاهل نظرات الخادمة التي بدت وكأنها تراقبها. كان هناك عقد فاخر يتلألأ داخل العلبة التي تحملها. منذ أن بدأت ملازمة القصر، أغدق عليها ليونيل بمثل هذه الأشياء؛ حليّ دقيقة الصنع، فساتين حريرية، دبابيس شعر فضية مرصعة بالجواهر.
لكن أنيس لم تكن تريد ذلك؛ كانت تتمنى فقط أن يقضي ليونيل وقتاً أطول بجانبها، أن يتبادلا ولو كلمة إضافية، أن يراقب يومها ولو للحظة.
لكن لمسات ليونيل كانت تأتي دائماً في اللحظات الخاطفة التي يسمح بها وقته، وبعد دفء عابر، يختفي مجدداً وكأن شيئاً لم يكن. كطفل يلهو بلعبته المفضلة ثم يتركها دون ندم.
كان ليونيل مشغولاً كالعادة، وعالمه يفيض بأشياء أهم من أنيس بكثير.
وعلى عكس ليونيل، كان يوم أنيس يزداد انحصاراً داخل غرفتها الصغيرة؛ حيث يقيدها أندرو ونورا تحت مسمى العلاج والدروس. وبسبب رتابة أيامها، ولدت لديها عادة جديدة؛ فبمجرد انتهاء العلاج، كانت تغطي نفسها باللحاف وتسد أذنيها وتبدأ بالعدّ لتكتم أنفاسها المتسارعة.
وفي الأيام التي لا تستطيع فيها الهدوء، كانت تدخل الحمام وتفتح صنبور الماء البارد بقوة، ليغطي صوت خريره على خفقان قلبها المضطرب.
بعد قضاء يوم طويل ومضنٍ، كانت لا تراه إلا في أواخر المساء.
هذا هو يوم أنيس: ترتدي فساتين فاخرة وتجلس بهدوء أمام نافذة لا يحدث خلفها شيء. ومع مرور الوقت، بدأت تشعر بأنها تتحول تدريجياً إلى كائن عديم الفائدة.
ظنت أن العاطفة غير المستقرة ستكون كافية، لكن..
هل هي بخير حقاً؟ وإلى متى ستتحمل هذه الحياة؟
أطبقت هذه الأفكار على صدرها.
“سيدة أنيس؟ أين أضع العقد؟”
سألت الخادمة مجدداً حين لم تتلقَ رداً. أجابت أنيس بجفاف دون أن تكلف نفسها عناء تجربة العقد:
“فقط…… ضعيه في أي مكان مناسب.”
كان الأمر غريباً حقاً؛ فكلما تراكمت هدايا ليونيل في الغرفة، ازداد الفراغ في زاوية من قلبها.
“ماذا فعلتِ اليوم؟”
سأل ليونيل وهو يخلع سترته بعد عودته، ثم اقترب ببطء ومسح على وجنة أنيس. كانت لمسته مزيجاً غريباً من الدفء والبرود.
أسدلت أنيس عينيها وأسندت وجهها أكثر على كف يده:
“لم أفعل الكثير. تلقيتُ العلاج وقرأتُ قليلاً.”
“كتاباً؟”
ضيق ليونيل ما بين حاجبيه، ثم تذكر أنه أرسل لها ضمن الهدايا رواية رائجة مؤخراً، فابتسم بطرف شفته:
“يبدو أن الكتاب قد نال إعجابكِ.”
مرر إبهامه ببطء تحت عينيها، حيث لاحظ ظلالاً من التعب؛ فقد طالت لياليها الأرق بسب صعوبة علاج أندرو.
“أخبرني سايمون أنكِ لا تنامين جيداً في المساء مؤخراً.”
“إنه مجرد تقلب بسيط في السرير.”
“تحدثي مع أندرو على أي حال، فالأرق ليس جيداً.”
حبست أنيس أنفاسها. فكرت في التذرع بالتعب، لكنها خشيت أن يأمرها ليونيل بتلقي علاج إضافي من أندرو لهذا الأرق، فهزت رأسها بسرعة:
“لا أحتاج لمساعدة أندرو في هذا.”
“هممم. إذن ابحثي عن شيء يساعدكِ على النوم. هل يوجد شيء كهذا؟”
“يوجد بالفعل، ولكن……”
خطر ببالها شيء؛ إنه عزف البيانو الذي كانت تسمعه أحياناً من الملحق في الليالي التي يجافيها النوم. لكن هل يصح لها ذكره؟
“ما هو؟”
“صوت البيانو.”
توقفت يد ليونيل التي كانت تداعب بشرتها فجأة.
“أحياناً أسمع صوت بيانو من جهة الملحق في المساء، وحينها يشعر قلبي بالراحة وأنام. ذلك… أنت من يعزف، أليس كذلك؟”
ساد صمت طويل وثقيل.
“هل يمكنكَ…… أن تسمعني عزفك؟ أظن أنني سأنام جيداً اليوم إذا فعلت.”
عند سماع طلبها، هبطت زوايا فم ليونيل.
‘هل كان طلباً مبالغاً فيه؟’
تذكرت قوله لها في ليلة زفافهما حين سألته إن كان لا يزال يعزف:
‘هل تظنينني أعيش في حكاية خرافية مثلكِ؟’ لذا لم تتوقع منه أن يرغب في العزف لها.
لكن توقعاتها خابت تماماً.
“عزفي لن يكون شيئاً يستحق الاستماع إليه.”
قالها ليونيل وهو يفك أزرار أكمامه بهدوء ويشمر عنها:
“لكن إذا كان لا بأس لديكِ، فاستمعي.”
ترددت أنيس عند عتبة الملحق؛ فقد تذكرت غضب ليونيل حين دخلت إلى هنا دون إذن سابقاً.
“لماذا لا تدخلين؟”
دفع ليونيل كرسيها المتردد إلى الداخل وأوقفه بجانب البيانو. ثم جلس على المقعد ورفع غطاء المفاتيح.
انزلقت أصابعه الطويلة فوق المفاتيح البيضاء، وبدأت ألحان هادئة تتراكم في أرجاء المكان. كانت نغمات عميقة ومرهفة، لا تليق أبداً برجل ذو ملامح حادة وقاسية مثله.
ورغم أنها تسمع المقطوعة لأول مرة، شعرت أنيس بألفة غريبة؛ ومع كل نغمة تهز الهواء، بدا وكأنها تعود للحظات طفولتها حين كانت تضحك وتمرح مع ليونيل دون هموم.
وسط ذلك الأمان الناعس، تباطأت أنفاس أنيس تدريجياً، ومال رأسها بهدوء إلى الجانب.
حين خفتت حركتها، توقف ليونيل عن العزف والتفت نحوها. رؤية أنيس نائمة بوجه مستسلم تماماً، وكأنها في أكثر مكان آمن في العالم، منحه شعوراً غريباً بالنشوة.
أغلق ليونيل غطاء البيانو بهدوء واتكأ عليه.
لم يتخيل أبداً أنه سيعزف أمامها مجدداً، وظن أن ذلك لن يحدث حتى يوم وفاته. ولكن، بمجرد سماعه عبارة أظنني سأنام جيداً، وجد نفسه يعزف كصندوق موسيقى مسلوب الإرادة.
“لا أدري إن كنتِ أنتِ العظيمة، أم أنني أنا من جُننت.”
أطلق ضحكة خافتة، وبدأ ينقر بأصابعه الطويلة بهدوء فوق غطاء البيانو. ترددت كلمات سايمون في أذنيه:
“يبدو أن السيدة أنيس تشعر بالاختناق لملازمتها القصر طوال الوقت مؤخراً.”
‘تشعر بالاختناق……’
لم يكن ينوي حبسها في القصر لكل هذه المدة؛ كان يخطط للسماح لها بالخروج بمجرد زوال الخطر. لكن استجواب إدريان طال أكثر من المتوقع، ورجال جيروم يجوبون أنحاء العاصمة بحثاً عن أي خيط.
حسناً، لن يطول الأمر أكثر من ذلك.
“على الأرجح، ستنتهي الأمور قبل عشية المهرجان.”
لقد اتخذ التدابير لضمان ألا ينقص أنيس شيء في القصر. ومع أنها قد تشعر ببعض الضيق من الحبس، إلا أنه آمن بقدرتها على التحمل.
بكل غطرسة، آمن بذلك.
دفن ليونيل جانباً من وجهه بين ذراعيه وأغمض عينيه على إيقاع أنفاس أنيس النائمة. كان يعلم أن عليه مواجهتها بالحقيقة بشأن قطار الجنوب، لكنه سمح لنفسه اليوم أيضاً بتركها تغرق في سبات عميق.
“يوماً واحداً فقط بعد.”
همس بها، دون أن يدرك ما الذي سيغيره ذلك اليوم الواحد.
التعليقات لهذا الفصل " 69"
بديت اخاف يااخوان 🙂👌
عموما شكرا على الترجمة 🌸🌷