لم يكن سؤال كاين الحذر خفيف الوطأة؛ بل سقط على قلب أنيس كحجر ثقيل جعل روحها تهوي. كانت نظرات كاين مزيجاً من القلق الصادق عليها، ولومٍ خفي موجه نحو ليونيل.
عجزت أنيس عن الإجابة فوراً.
‘ليس بعد..’
لا يجب أن يعلم بهذه الطريقة.
لقد فقد ليونيل الكثير في تلك الحرب، ولا يزال عالقاً في خضم معاركها؛ جسده الذي اعتاد إهمال الجراح، لياليه التي يجافيها النوم العميق، وعادته في الإمساك بسلاحه انعكاسياً عند سماع أي صوت عالٍ.. كل تصرفاته كانت تصرخ بالحقيقة: الحرب انتهت وعاد الجميع لحياتهم، إلا ليونيل، الذي لم يجد طريق العودة بعد.
لم تكن تريد لنظرات اللوم أن تطاله. كانت تتمنى بضراعة ألا يصبح وجودها مصدراً لشعوره بالذنب؛ فالذنب كفيل بتحطيم هذه العاطفة الهشة وغير المستقرة التي تربطهما الآن في لمح البصر. كانت تريد حمايته، وألا يقترن اسمها في ذهنه بمثل هذه المشاعر الثقيلة.
لذا، استجمعت أنفاسها ورفعت رأسها بثبات:
“لا. صحيح أنني كنتُ متوجهة إلى الشمال، لكن الدوق لا علاقة له بإصابتي. لذا، أرجو ألا تتحدث في هذا الأمر بلا داعٍ.”
عض كاين على شفتيه بقوة:
“ولكن أيتها الدوقة—”
“كاين، لا أريد التحدث في هذا الموضوع أكثر من ذلك.”
في تلك اللحظة، لمح كاين ظلاً يمتد خلف كتف أنيس، ورأى حذاءً عسكرياً يبرز من زاوية الرواق. إنه ليونيل.
منذ متى كان هناك؟ وكم سمع من حديثهما؟
تحركت تفاحة آدم في حلق كاين بتوتر وهو يقول:
“…… يبدو أنني توهمتُ شيئاً ما.”
كان كاين يدرك أن استنتاجه ليس وهماً؛ فرد فعل أنيس المصطنع كان يشير بوضوح إلى أن ليونيل هو السبب في دمار ساقيها.
لكن بمجرد شعوره بوجود ليونيل، تحرك لسانه بغريزة دفاعية. لقد كان تصرفاً يشوبه لؤم طفيف وتفكير أناني؛ فلو علم ليونيل بهذه الحقيقة، لربما تغيرت نظرته لأنيس تماماً.
في الواقع، كان كاين يحمل مشاعر لأنيس منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها على خشبة المسرح.
لكنه لم يملك الشجاعة للاعتراف، وبسبب تردده، أصبحت زوجة لرجل آخر. ومع ذلك، لم يستطع التخلي عن مشاعره بسهولة، مفترضاً أن زواج دوق فالهام لن يدوم.
لكن في يوم ما، رأى كاين ما يختبئ خلف نظرات الكراهية في عيني ليونيل: هوس وعاطفة كثيفة لدرجة الاختناق.
حينها فقط، أدرك كاين أنه مضطر للتخلي عن أمله؛ فذلك العمق في المشاعر كان شيئاً لا يمكنه الوصول إليه. والأهم من ذلك، أن نظرات أنيس له كانت جافة تماماً؛ فلا مكان له بينهما. ومع ذلك، بقيت رواسب مشاعره تخرج أحياناً على شكل لؤم عابر، كما حدث الآن.
لكن سرعان ما عاد إليه رشده، وشعر بالخجل من تصرفه الدنيء. فرغم تخليه عن مشاعره الرومانسية، إلا أنه لا يزال يكنّ لها تقديراً إنسانياً كبيراً.
“أيتها الدوقة، إذا كان هناك أي شيء يمكنني المساعدة فيه، فأخبريني في أي وقت.”
“شكراً لك، هذا يكفيني.”
ومحاولة منه لتلطيف الجو المتوتر، تحقق كاين من الوقت بحركة واسعة، ثم التفت نحو غرفة الاستقبال قائلاً:
“بالمناسبة، ذكرتُ لكِ أن هناك أطفالاً في الملجأ، أليس كذلك؟ بعضهم يظهر موهبة في الرقص مؤخراً، ونحن نبحث عن معلمة رقص.”
“فهمت. أتمنى أن تجدوا شخصاً مناسباً.”
“لهذا السبب أردتُ سؤالكِ.. هل تودين تعليم الأطفال بنفسكِ؟”
توقفت عجلات الكرسي المتحرك فجأة أمام الزاوية، ونظرت أنيس إلى كاين بذهول:
“أنا……؟”
“نعم، ما رأيكِ؟”
تعليم الرقص؟ لمعت عينا أنيس ببريق غريب.
لقد كان هدفها الوحيد دائماً هو الوقوف على المسرح، ولم تفكر يوماً في تعليم الآخرين. لكن عرض كاين جعل قلبها يرفرف فجأة.
‘إذا علّمتُ الآخرين، فربما لن أضطر للتخلي عن الرقص تماماً حتى لو لم أعد قادرة على الوقوف على المسرح..؟’
دبت الحياة في وجه أنيس بعد طول غياب:
“هل يمكنني التفكير في الأمر قليلاً؟”
في تلك اللحظة، جاء صوت جهوري منخفض للغاية من خلف الزاوية، ليحطم ذلك الأمل الوليد:
“أود أن أعرف أيضاً فيمَ تفكرين.”
خرج ليونيل ببطء، ثم انحنى ليصبح في مستوى عيني أنيس:
“هاه؟ أنيس. عن ماذا كنتما تتحدثان بكل هذا الحماس؟”
أمال ليونيل رأسه وهو يمسك بسيجاره بين أسنانه بطريقة مائلة.
عند دخوله غرفة الاستقبال، أعطته لوتشيفيتن معلومات إضافية حول نقش الأقحوان الذي كان محفوراً على العلم:
“بصفتي عجوزاً لم تعد ترى جيداً، لا يمكنني الجزم، لكن الشعار الذي كان يستخدمه الوريث السابق لعائلة ماركيز غوتن كان أيضاً نقش الأقحوان.”
الوريث الذي اختفى في ظروف غامضة أثناء نزاعه مع إخوته على اللقب.. حقيقة أن شعاره مرتبط بتنظيم ريبلت كانت صيداً ثميناً جعل مزاج ليونيل جيداً.
لكن هذا الموقف الذي وجد نفسه فيه الآن لم يكن متوقعاً.
لم يكن يقصد التجسس؛ لكن عندما لم تلحق به أنيس إلى الغرفة، خرج للبحث عنها ليسمع حديثهما بالصدفة.
“……”
كزّ ليونيل بقوة على السيجار غير المشتعل، فانساب طعم التبغ المر والحاد في جوفه. حدق في أنيس دون أن يرمش وأمال رأسه:
‘إذن، كنتِ في طريقكِ إلى الشمال حقاً.’
كلام أنيس كان متسقاً منذ البداية، منذ اللحظة الأولى التي صرخت فيها ببراءتها، وصولاً إلى شهادة موظف القطار. حتى الآن، كل شيء جيد.
ولكن لماذا؟ لماذا ذُكر اسمه في حادثة إصابة أنيس؟
شعر ليونيل بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري، وكأنه يقف أمام صندوق باندورا الذي لا يجب فتحه.
وتردد في أذنيه مجدداً ذلك الصراخ الذي سمعه عبر اللاسلكي لحظة انهيار الجسر.
رأى كتفي أنيس متصلبين من الخوف. لم يكن قد سألها شيئاً بعد، لكن وجهها كان مذعوراً وكأنها سجينة تنتظر حكم الإعدام.
‘هل أستجوبها الآن؟’
لو ضغط عليها الآن، لربما حصل على الإجابة بسهولة.
ليونيل “السابق” كان سيفعل ذلك دون تردد. لكنه لم يشعر بالرغبة في ذلك الآن. فرغم أنه كان ينوي كشف الحقيقة منها منذ سماعه كلام الموظف، إلا أن رؤية وجهها الذي يبدو على وشك البكاء أطفأت رغبته في إجبارها على الكلام.
لم يرد أن يراها تبكي.
في النهاية، أخرج ليونيل السيجار من فمه وكسره إلى نصفين ببرود.
‘لا ضرورة لأن يكون الآن.’
لقد عاودته مزاجيته اللعينة مرة أخرى. منذ أن ارتبط اسمه بأنيس، ألقى بالمنطق والاتساق بعيداً.
ما المشكلة في إضافة تقلبٍ جديدٍ لمزاجه من أجلها؟
“لـ.. ليونيل. متى خرجت؟ هل انتهى الحديث؟”
كان تمثيل أنيس وهي ترحب به بتظاهر الهدوء فاشلاً تماماً.
‘حسناً، مراقبة هذه الكذبة الخرقاء قد تكون ممتعة أيضاً.’
فكر ليونيل ثم لوى طرف شفته بساخرية:
“أجل. لكنني جئتُ لأخذكِ لأن الدوقة التي وعدت بانتظاري أمام الغرفة لم تكن هناك.”
“في الواقع، عرض كاين أن يريني القصر، فكنتُ أتجول قليلاً وهممتُ بالعودة.”
حاولت أنيس مغادرة المكان بسرعة قبل أن ينطق كاين بشيء آخر مشابه لما قاله قبل قليل.
“إذن.. ألن تخبريني عن الموضوع الذي كنتما تتحدثان عنه بكل سرور؟”
“آه.. ذكر كاين أنه يبحث عن معلمة رقص للأطفال في الملجأ الذي يرعاه، وكنا نتحدث عن ذلك.”
“آها.. فهمت.”
عندما لم يستجوبها أكثر، تهللت أسارير أنيس بوضوح من شدة الراحة. وعندما لمس شحمة أذنها بشكل عابر وهو يمسك بمقابض الكرسي المتحرك، احمرت وجنتاها خجلاً. أمام ذلك الخفقان الصادق في قلبها، أسدل ليونيل رموشه السوداء الكثيفة.
من المؤكد أن هذا السلام الغريب الذي تشكل بينهما في الأيام الماضية كان جيداً جداً. لذا، لا بأس بالاستمتاع به قليلاً. أما الحقيقة، فيمكنه تقصيها لاحقاً على مهل.
رغم انزعاجه الشديد من وجود سر لا يعرفه إلا كاين وأنيس، إلا أن الوقت كان في صفه. هو من سيقضي وقتاً أطول مع أنيس، لذا لا بأس بمنحها مهلة قصيرة.. حتى تبوح هي بالحقيقة من تلقاء نفسها.
التعليقات لهذا الفصل " 67"