اختفت تجارة كاستيا بين عشية وضحاها؛ فرغت المستودعات، وتبخرت السجلات. وكأنهم كانوا على أهبة الاستعداد للرحيل في أي لحظة، مُحي اسم كاستيا من الوجود وكأنه لم يكن يوماً.
تسبب ذلك في ضجيج عارم بالعاصمة، خاصة من الزبائن الذين حجزوا شعوراً مستعارة من أجل “احتفالات عشية المهرجان”، لكن هذا الصخب هدأ تدريجياً حين انكشفت الحقيقة المروعة: كانت تجارة كاستيا معقلاً لتنظيم ريبلت الإرهابي.
أصدر القصر الإمبراطوري أوامره ببدء تحقيق فوري، وسرعان ما امتدت شرارته لتطال النبلاء الذين تعاملوا مع كاستيا. وكان اسم إدريان على رأس قائمة المشتبه بهم، بصفته صاحب المركز التجاري الذي امتلك أطول سجل تعاملات معهم.
ولم يفوّت جيروم هذه الفرصة؛ فحاول كما خطط منذ البداية ربط أنيس بـكاستيا كشريكة لهم، لكنه اصطدم بجدار لم يتوقعه.
“لقد فعلت الدوقة أمراً في غاية الدهاء.”
كان جيروم يكز على طرف غليونه بغضب عارم.
وكأن أنيس قد توقعت كل هذا مسبقاً، حيث قدمت وثائق تثبت براءتها تماماً؛ سجلات تجارية تؤكد أن إدريان هو من كان يقود التعاملات مع كاستيا، بل وحصلت على شهادات من صغار التجار الذين طردهم إدريان تعسفياً أو تأخر في دفع أجورهم.
أجمع هؤلاء في شهاداتهم: “كان إدريان باردو مقرباً بشكل مريب من تجارة كاستيا عند كل صفقة، والمثير للريبة أنه بعد أيام من انتهاء تلك الصفقات، كانت تقع انفجارات أو عمليات إرهابية حتماً.”
كانت الأدلة التي قدمتها أنيس مثالية؛ إذ لم توجد أي نقطة تماس بينها وبين كاستيا. وقف جيروم عاجزاً عن الكلام لفترة طويلة والأدلة بين يديه، ورغم أن الغضب خنقه، إلا أن توريط أنيس أصبح مستحيلاً.
“حتى لو فشلتُ هذه المرة، ستكون هناك فرص كافية للتخلص من ذلك الوغد ليونيل.”
كبح جيروم رغبته المحمومة في الانتقام مؤقتاً وهندم ملابسه. كان يقف في رواق القصر الإمبراطوري، وعلى وجهه تعبير ينم عن كراهيته للتواجد هنا، قبل أن يدخل مرغماً إلى قاعة العرش المطلية بالذهب.
كان الإمبراطور يجلس بخمول على عرشه، ممسكاً بكأس فضية من النبيذ.
“إذن، العقيد فالهام رآك وأنت تتواصل مع وزير داخلية سيركاديا؟”
أحنى جيروم رأسه بعمق:
“هذا صحيح يا صاحب الجلالة. ليس لدي ما أقوله اعتذاراً.”
“كفى. لقد كنتُ أحمقاً حين وثقتُ بك.”
هز الإمبراطور رأسه ومسح صدغيه بضجر. تشنجت عضلات وجه جيروم من هذه المعاملة التي تشبه التعامل مع عبء ثقيل.
في الحقيقة، لم تكن الحرب بين الإمبراطورية وسيركاديا سوى مسرحية كُتب نصها مسبقاً.
في ذلك الوقت، كان الإمبراطور بحاجة لتحجيم نفوذ عائلة فالهام المتزايد الذي يهدد سلطته، بينما كان الزعيم الأول لسيركاديا — الذي نادى بالمساواة والحرية لكسب ود الشعب— بحاجة لمحفز يوطد به مكانته. ولم يكن هناك أفضل من الحرب لتحقيق أهداف الطرفين؛ فالعدو الخارجي القوي هو أسهل أداة لتوحيد الجبهة الداخلية.
لقد كان تواطؤاً دقيقاً بين أطماعهما.
ولأن تلك المسرحية كانت بحاجة لمن يجني منها الأرباح عبر توريد الأسلحة، تم استخدام مركز باردو التجاري. كان الإمبراطور يعلم بأمر توريد إدريان للسلاح لكلا الطرفين، لكنه غض الطرف عن ذلك؛ فكلما زاد ربح إدريان، زادت حصة الإمبراطور.
لكن الحرب حين اشتعلت، خرجت عن السيطرة وتحولت إلى وحش كاسر. والنتيجة كانت ما نراه الآن؛ فبعد هزيمة سيركاديا، هددت قيادتها بكشف أسرار الحرب الخفية، فاضطر الإمبراطور للوعد بفتح طريق سري لجوئهم لضمان صمتهم.
“رغم أنك القريب الوحيد لي من دمي، إلا أنك يا أخي الأخرق أفسدت الأمر تماماً.”
ارتجف رأس جيروم من الذل وهو لا يزال يحنيه. وتابع الإمبراطور ببرود:
“يجب أولاً تصفية ملف باردو.”
كان الإمبراطور يتأسف على الأموال التي كان إدريان يضخها للقصر شهرياً، لكن الوقت قد حان لقطع الذيل. ولمنع ليونيل من نبش أسرار حرب سيركاديا، قرر الإمبراطور التضحية بمركز باردو التجاري أولاً.
“اعتقلوا إدريان باردو.”
رفع جيروم رأسه:
“وماذا عن الدوقة؟”
تجهّم وجه الإمبراطور، وغرق في التفكير للحظة قبل أن يلوح بيده بإهمال:
“اتركها الآن.”
***
في اليوم التالي لاعتقال إدريان، تحول مركز باردو التجاري إلى ساحة من الفوضى؛ تناثرت الأوراق في كل مكان، وتجمع التجار أمام الساحة يصرخون بمطالبهم. كان مشهداً كارثياً.
وسط هذا الجنون، وقفت كلوي بصلابة لتأخذ نصيبها:
“بما أن والدي يخضع للتحقيق، سأتولى أنا منصب المدير المؤقت.”
كان الجميع يعلم أن كلوي لا تملك الكفاءة، لكن لم يجرؤ أحد على الاعتراض علانية، واكتفوا بنظرات الاستياء.
وهكذا أصبح المركز كقنبلة موقوتة توشك على الانفجار.
“يا لها من فوضى.”
وصلت أنيس أمام المركز، وأنزلت نافذة العربة نصفياً لتنظر للخارج. لم يعد هناك سبب لبقائها هنا؛ فالهدف من عودتها كان البحث عن أثر ريبلت، وقد تحقق ذلك وزيادة.
‘حان وقت إنهاء كل شيء.’
رغم يقين عقلها، إلا أن قلبها لم يكن مستعداً للرحيل بسهولة. لقد منحها العمل مع لوسيان— الذي كان انسجامهما في العمل مذهلاً— متعة غير متوقعة، كما أن مراقبة المركز وهو يستعيد نظامه بفضلها منحها شعوراً غريباً بالإنجاز.
‘لم أكن أعلم أنني…… أحب هذا العمل لهذه الدرجة.’
في السابق، كان كل همها هو الهروب من قبضة إدريان وكلوي، لذا كان المركز يبدو لها كقيد خانق.
لكن بعد البدء بالعمل مجدداً، رأت أشياء لم تكن تراها؛ ذلك الشعور بالنشوة حين تعود وثيقة لمكانها الصحيح، أو حين تتطابق الأرقام بدقة. لقد أعاد لها العمل جزءاً من ثقتها المفقودة، ولم تكن تظن أنها ستشعر بهذا مجدداً بعيداً عن الرقص.
‘لكن هذا ليس مكاني.’
حاولت أنيس تهدئة قلبها المضطرب؛ فبمجرد إنهاء عقد لوتشيفيتن للمهرجان، لن تعود إلى هنا أبداً.
في تلك اللحظة، شعرت بأصابع طويلة تلامس مؤخرة عنقها.
“هل من الضروري حقاً أن تخرجي لإنهاء الأمور بنفسكِ؟ لقد انتهت مهمتكِ هنا على أي حال.”
كان ليونيل يلف خصلة من شعرها حول إصبعه ببرود، وكأنه يمارس لعبة تافهة. كان تماسه طبيعياً جداً لدرجة أن أنيس لم تلاحظ غرابته.
“يمكنكِ إرسال شخص لينهي هذه الترتيبات.”
“ومع ذلك، أود إنهاء المهمة التي توليتها بيدي.”
“هممم.”
اتكأ ليونيل بجانب النافذة، واضعاً ساقاً فوق أخرى، وحدق في أنيس. تحت ضوء الصباح، رأى في عينيها الشفافتين مسحة من الندم على الرحيل.
رفع حاجبيه ببطء، وحين همت أنيس بالنزول من العربة، شبك أصابعه بأصابعها.
انتابه شعور غريب بالقلق؛ وكأنها لو ذهبت الآن فلن تعود أبداً.
كانت فكرة مضحكة؛ فأين ستذهب أنيس بعيداً عنه؟ مهما فعلت، ستعود لقصر الدوق حتماً، فهو بيتها الآن.
لكن غريزة التملك العمياء أشعلت حواسه.
وفي لحظة تلاقت فيها الأنفاس، اختلطت شفاههما دون سابق إنذار.
على عكس تعبيره الهادئ، كانت قبلة ليونيل عميقة وقوية. وبعد لحظة، ابتعدت شفاه ليونيل ببطء، وهمس في أذنها بصوت منخفض أثار قشعريرة في جسدها:
كانت نبرته أقرب لأمر يصدره لمرؤوس منه إلى كلمات تقال لحبيبة، ومع ذلك، خفق قلب أنيس بعنف رغم كل شيء. أومأت برأسها صامتة، ووجنتاها متوهجتان باللون الأحمر القاني.
في بدايات الشتاء القارس..
تحت السماء الرمادية، انتشر البخار الأبيض على زجاج العربة. لكن المكان الذي لمسته شفاه ليونيل ظل ملتهباً وكأن ناراً قد أحرقته.
التعليقات لهذا الفصل " 65"
احم متى تطورت علاقتهم كل ذا احم 🤭🌚
شكرا على الترجمة 🌸🌷