رمشت أنيس بعينيها وهي لا تزال حبيسة بين ذراعي ليونيل. كان المكان حولهما عبارة عن فوضى عارمة؛ فقد قُبض على نصف أفراد تجارة كاستيا في الموقع، لكن الرؤوس المدبرة لـريبلت، نيك وراؤول، كانوا قد تمكنوا من الفرار بالفعل. ورغم اختلاط قوات ليونيل بفرقة جيروم وتداخل الأوامر، إلا أن التوتر ظل سيد الموقف.
لم ينزل ليونيل أنيس من بين يديه، بل شق طريقه وسط ذلك الصخب بخطوات ثابتة.
“أيها العقيد فالهام.”
اعترض جيروم طريقه وهو تفوح منه رائحة الرم النفاذة:
“إن كنت ستغادر، فاترك الدوقة هنا. يجب أن تخضع للتحقيق بتهمة التواطؤ مع ريبلت.”
توقفت خطوات ليونيل ببطء. أمال رأسه جانباً ليرمق جيروم بنظرة فاحصة، ثم رفع يده التي كانت تسند أنيس ووضعها على كتف جيروم. وبمجرد ضغطة خفيفة من يده، التوى فم جيروم بألم مكتوم.
“العقيد وينتربولت، ألا ترى الحالة التي عليها زوجتي؟ في وضع كهذا، من الطبيعي اعتبارها ضحية.”
كتم جيروم ارتعاشة شفتيه وخرق أنفه بسخرية:
“كان عليها أن تحذر في تصرفاتها إذن. ألم أحذركَ من قبل؟ يبدو أنك واهم؛ زوجتك لم تُبرأ من التهم، بل كانت تحت مراقبتي للتأكد من عدم تواصلها مع ريبلت. وها قد حدث ما حدث اليوم.”
“أعتقد أنني أخبرتكَ سابقاً.”
شدد ليونيل قبضته على كتف جيروم.
“إذا أردت إجراء تحقيق، فاكتب الوثائق حسب الأصول وزر القصر رسمياً.”
“أتدافع عن مشتبه بها؟ هل تريد أن تُعتقل أنت أيضاً بتهمة التواطؤ؟”
أطلق ليونيل ضحكة ساخرة خالية من أي دفء:
“افعلها إن شئت. وعندها سأعتقلك أنا أيضاً بتهمة مساعدة كبار مسؤولي سيركاديا على اللجوء.”
“لا أدري…… عن أي ترهات تتحدث؟”
حاول جيروم التظاهر بالهدوء عبر الضحك، لكن تفاحة آدم في حلقه اهتزت بشكل طفيف، ولم تغب تلك الحركة عن عيني ليونيل.
“العقيد وينتربولت، أين كنتَ مساء أمس؟ لم يكن أي من رجالك يعرف مكانك.”
“لم أكن أعلم أنك مهتم بي إلى هذا الحد! أترغب بشدة في معرفة ما أفعله ليلاً؟”
تلاشى أثر السكر عن جيروم وبدأ يزن كلماته بحذر:
“لا أدري لماذا عليّ تفسير هذا، لكن جلالة الملك استدعاني فدخلت القصر. هل ارتحت الآن؟”
“حقاً؟ هذا غريب جداً، فقد قابلتُ شخصاً يشبهك تماماً خارج القصر الإمبراطوري.”
“ربما أخطأت في الرؤية.”
“ربما.”
مرت نظرات ليونيل على وجه جيروم كالنصل:
“آه، هل أقدم لك نصيحة؟”
رفع ليونيل يده عن كتف جيروم ونفضها بخفة كأنه يزيل غباراً:
“من الأفضل أن تستبدل غليونك بالسيجار؛ فالتبغ الذي تدخنه رائحته نفاذة جداً، لدرجة أنها كفيلة بملء مقصورة قطار كاملة.”
اهتزت عينا جيروم بوضوح، لكنه سرعان ما أجبر شفتيه على الابتسام:
“لا تزال تهذي بأمور غريبة. حسناً، سأطلب التحقيق مع الدوقة رسمياً لاحقاً. يمكنك الذهاب الآن.”
لم يرد ليونيل، بل اكتفى برفع طرف شفته بساخرية وتخطاه وهو يحمل أنيس بين ذراعيه. وفي اللحظة التي مر فيها بجانبه، سرى هواء بارد يشبه عطره الهادئ.
***
“استدعوا أندرو!”
أمر ليونيل فور دخوله القصر، دون أن ينزل أنيس من حضنه.
ركض كالت لتنفيذ الأمر، بينما سُلّمت المعاطف الملطخة برائحة الدم للخادمات.
اتجه ليونيل بأنيس مباشرة إلى غرفته الخاصة.
دخل أندرو الغرفة بارتباك وبدأ يتفحص جروح أنيس على عجل، بينما وقف ليونيل على بُعد خطوة يراقب المشهد بصمت. كانت نظراته حادة لدرجة أن أندرو أخطأ في إمساك الأدوات عدة مرات، مما جعل قطباً عميقاً يظهر بين حاجبي ليونيل.
“هناك جرح في عنقها أيضاً.”
كان أندرو يهم بإنهاء الفحص، لكنه عاد لتفحص عنق أنيس بناءً على أمر ليونيل. كانت هناك علامة حمراء على بشرتها البيضاء، لكنها كانت باهتة جداً وكادت لا تُرى.
“أيها الدوق، هذا الجرح سيشفى وحده قريباً—”
“عالجه.”
خضع أندرو لسطوة ليونيل، فقام بتطهير المكان ووضع الشاش، ولم ينتهِ إلا عندما رضي الدوق.
وبمجرد انسحاب أندرو، أطلق ليونيل تنهيدة عميقة ومرر يده بخشونة عبر شعره.
“أتظنين أنني عرضتُ عليكِ تلك الصور لأنني لا أملك عملاً؟ عندما تشعرين بالخطر عليكِ الهرب! من أنتِ لتقفزي في وسط ذلك الجحيم؟”
بحث ليونيل في جيبه الداخلي عن سيجار كعادته، وتابع بغضب:
“ألا تستطيعين تقدير الموقف؟ هل ذكاؤكِ منخفض إلى هذا الحد؟”
ثقل الهواء في الغرفة بسبب كلماته القاسية.
ابتلع ليونيل شتيمة كادت تخرج من حلقه بعدما نطق بكلمات جارحة كالأشواك مجدداً. لكن أنيس، وكأنها اعتادت على أسلوبه الفظ، ردت بهدوء ودون أن تبدو مجروحة:
“لأن هذا هو دوري. ألم ترسلني إلى مقر التجارة من أجل هذا؟”
اهتزت نظرات ليونيل. لم تكن مخطئة؛ فقد كان السبب الرئيسي لإرسالها لـباردو هو القبض على ريبلت. لذا، فإن لقاءها المباشر مع كاستيا كان بمثابة فرصة ذهبية له. ومع ذلك، لم يطق ليونيل فكرة أنها ألقت بنفسها في خطر محقق.
“هل أنت…… غاضب؟”
“لا.”
لكن أطراف أصابعه كانت لا تزال ترتجف قليلاً. ومع كل نفس، كانت رائحة الدم العالقة بأنفه تثير أعصابه.
تخلى ليونيل عن فكرة التدخين؛ فقرر أن عليه غسل هذه الرائحة أولاً.
“ابقِي هنا ولا تتحركي. لا تتجولي بلا فائدة.”
قال ذلك وتركها على سريره واتجه نحو الحمام.
وبمجرد إغلاق الباب، نزع قميصه ورماه بإهمال.
كانت الدماء قد جفت حول جرح كتفه الذي أعاد جيروم فتحه.
كادت أن تخرج منه صرخة ألم، فأدار صنبور الماء ليملأ ضجيجه المكان.
“آخ—.”
وفجأة، اصطدمت ذراعه بزجاجة زيت عطري كانت بجانب الحوض فسقطت وتحطمت. ومع دوي تحطم الزجاج، سُمع صوت حركة سريعة للكرسي المتحرك في الخارج.
“أيها الدوق؟ هل أنت بخير؟”
جاء صوت أنيس القلق من خلف الباب، لكن ليونيل لم يرد؛ كان يكزّ على أسنانه ليتحمل الألم.
“سأدخل، حسناً؟”
فتحت أنيس الباب بسرعة، وعندما رأت جرحه غطت فمها بيدها بذعر:
“دماء…… سأستدعي أندرو فوراً!”
لكن ليونيل خطى بسرعة وأمسك بباب الحمام ليمنعها من الخروج.
“لم يمر خمس دقائق منذ أن طلبتُ منكِ البقاء هادئة. أنتِ لا تسمعين الكلام حقاً.”
وسط بخار الماء الذي بدأ يتصاعد، تلاقت نظراتهما.
“وأعتقد أنني طلبتُ منكِ تغيير طريقة مناداتي، أليس كذلك؟”
“ليس هذا وقت الجدال في هذه الأمور! الجرح—”
“بل هو الوقت المناسب بالنسبة لي.”
أمام إصرار ليونيل العجيب، تنهدت أنيس تنهيدة صغيرة:
“…… حسناً، ليونيل. تفضل بالعلاج، أرجوك.”
لم يتراجع عناده؛ فجلس على حافة حوض الاستحمام بتعبير لا يخفي انزعاجه وقال:
“إن كان الأمر يزعجكِ إلى هذا الحد، فساعديني في الاغتسال إذن.”
اتسعت عينا أنيس ذهولاً، لكنها أدركت أنه لن يستمع إليها، فبللت منشفة بالماء مكرهة.
“بعد أن تنتهي من الاغتسال، عليكَ أن تتلقى العلاج حتماً.”
“……”
“لماذا…… لماذا لا تهتم بجسدك؟ لقد أصبتَ هنا في المرة السابقة أيضاً.”
‘لا اهتم بجسدي؟’
سخر ليونيل في نفسه؛ من هي لتقول هذا له؟ أطلق ضحكة خافتة وساخرة، وأمام إصرارها، أجاب بجفاف:
“حسناً، فهمت.”
بدأت أنيس تمسح الدم من حول كتفه بالمنشفة المبللة، محاذرة ألا يتسرب الماء إلى الجرح. بدا ليونيل رجلاً اعتاد على مثل هذه الجروح؛ فجسده كان مغطى بالندوب؛ على صدره، جنبه، وحتى أسفل ظهره. كانت هناك آثار طعنات وطلقات نارية واضحة، تحكي سنوات الشقاء التي خاضها.
عضت أنيس على شفتيها بقوة؛ فقد شعرت برغبة في البكاء، لكن ليونيل لمح دموعها المكتومة.
“لماذا تبكين؟”
سأل بصوت أجش ومتحشرج.
“…… أنا لا أبكي.”
لكن على عكس كلماتها، كانت الدموع عالقة بأطراف رموشها. بدت وكأنها تعتصر صبراً لتمنع نفسها من الانهيار.
وعند رؤيتها هكذا، شعر ليونيل بضيق في صدره مجدداً. كان الأمر خانقاً.
‘إن لم يكن مجرد غريزة تملك، فما هو هذا الشعور تجاه أنيس؟’
كان عليه أن يجد الإجابة ليريح قلبه المضطرب.
لذا، أحنى رأسه ببطء شديد؛ فقد خطرت له أبسط وأسرع طريقة للتأكد.
وفي لحظة، اقتربت شفتاه من شفتيها لدرجة أنهما كادتا تتلامسان.
“بلى، أنتِ تبكين.”
أنزل ليونيل نظره ليتأمل شفتيها، ثم رفعه مجدداً.
وعندما تأكد أنها لا تتهرب منه، طبع قبلته عليها.
وفي اللحظة التي تلامست فيها شفاههما، أغمض ليونيل عينيه.
وللمفارقة المضحكة، تلاشت كل تلك الفوضى الثقيلة في داخله بهذه الحركة البسيطة، وحل محلها وهج حار في قلبه وغريزة تشتعل.
التعليقات لهذا الفصل " 63"
اخيراااااا اخيراااااا عرف انو بحبها وييييي (ان شاء الله كذا) 😭😆
عموما شكرا على الترجمة 🌸🌷