رفعت أنيس رأسها وتأملت السماء؛ كان شفقٌ أحمر كالنيران يصبغ الغيوم بلون برتقالي قانٍ. لم يكن الفارس الذي أرسلته إلى قصر الدوق قد عاد بعد.
كان سايمون قد أخبرها قبل خروجها صباحاً أن ليونيل سيعود قبل وقت العشاء، فهل يا ترى لم يصل إلى القصر بعد؟
‘إذا كان الأمر كذلك، فربما لن يتمكن ليونيل من المجيء إلى هنا.’
تظاهرت أنيس بالإمساك بكأس الماء بينما كانت تمسح وجوه الجالسين قبالتها بنظرات سريعة.
وبفضل الطاولة المستديرة، كانت المسافة بينها وبين وفد تجارة كاستيا قريبة جداً، لدرجة أن أنفاسهم كادت تلامسها. وبالإضافة إلى الشخص الذي لفت انتباهها عند الدخول، كان هناك وجوه أخرى تجلس على الطاولة تطابق الصور التي عرضها عليها ليونيل.
كما أن الأردية التي يرتدونها كانت تحمل تطريزاً لنقش زهرة الأقحوان.
‘لقد رأيتُ هذا النقش في مكان ما..’
حاولت تذكر مكان رؤيتها لهذا الشعار المحفور على قاعدة خزانة ما، لكن الذكرى ظلت تداعب مؤخرة رأسها ثم تلاشت. ومع ذلك، تأكد حدسها؛ تجارة كاستيا مرتبطة بـريبلت بلا شك.
بما أنها حصلت على هذه المعلومة المهمة، فسيكون ذلك كافياً لليوم، حتى لو لم يتمكن ليونيل من مداهمة المكان. خبأت أنيس يديها المرتجفتين من التوتر تحت الطاولة؛ فلكي تضمن سلامتها لاحقاً، يجب ألا تثير أي شكوك الآن. وكان أفضل ما يمكنها فعله هو إتمام المفاوضات بهدوء.
لكن هذا القرار سرعان ما تبدد.
“ماذا؟ هذا ليس إدريان باردو!”
انفجر صوت مليء بالاستياء من جانب كاستيا؛ يبدو أنهم كانوا يتوقعون حضور إدريان شخصياً. وما زاد الطين بلة هو سماع أصوات أقدام كثيرة وخشخشة دروع معدنية تقترب من الخارج.
تصلب كتفا أنيس الصغيران. هل وصل ليونيل؟
شعر أحد رجال كاستيا باضطراب غير عادي في الأجواء، فرفع الستارة ونظر للخارج، ثم عاد بوجه متجهم وخطى خطوات واسعة نحو رجل يقف بعيداً قليلاً وهمس له بسرعة:
“سيدي القائد، الجيش الإمبراطوري يحاصر المبنى.”
كان همساً خافتاً جداً، لكن أنيس سمعته بوضوح، وسمعت لقب القائد.
في تلك اللحظة، أشار أحدهم نحو أنيس وصرخ:
“مهلاً، هذه المرأة هي زوجة الدوق فالهام. لقد رأيتها في الصحف!”
تجمد الهواء في الغرفة فوراً. وتردد صدى صوت مبحوح لرجل لُقّب بالقائد:
“يبدو أن ذلك الجرذ إدريان قد وشى بنا، أو ربما هي فعلة دوقاتنا العزيزة؟”
كان صوتاً يشبه صرير الأظافر على الزجاج، صوتاً تعرفه أنيس جيداً. وعندما أزاح الرجل غطاء الرأس، كشف عن وجه لا يمكن نسيانه؛ إنه قائد عمليات اللواء الخامس الذي فُقد وسط ألسنة اللهب، وهو نفسه زعيم تنظيم ريبلت.
تشنجت عضلات وجه القائد عندما عرف أنيس، وقال بسخرية:
“ألسنا وجهين مألوفين؟ من العجيب أنكِ نجوتِ بعد سقوطكِ من ذلك الارتفاع.”
وقبل أن تختفي ابتسامته الحادة، زمجر بأسنان كشرت عن أنيابها:
“رغم سعادتي بهذا اللقاء بعد طول غياب، إلا أننا لسنا من النوع الذي يتسامح مع الخونة.”
أومأ برأسه لرجاله:
“تخلصوا منها.”
انتشرت هالة من القتل في المكان وكأنهم على وشك خنق أنيس في لحظتها.
“لا يهم إن كان إدريان باردو هو من استدعى الجيش أم الدوقة؛ أحتاج لشخص أفرغ فيه غضبي من هذا الموقف القذر.”
لكن شخصاً ما اعترض طريقه:
“نيك، اهدأ. ليس هذا وقت قتل هذه المرأة. علينا الهرب أولاً.”
أدركت أنيس حينها أن اسم قائد العمليات هو نيك.
والرجل الذي اعترضه كان رجلاً في منتصف العمر، والوحيد الذي لا يزال يخفي وجهه. كان ضئيل البنية لكن حضوره يمتلك ثباتاً غريباً.
حدق نيك فيه بغضب:
“ابتعد يا راؤول!”
“نحن لسنا قتلة. نحن نتحرك من أجل معتقداتنا، ولسنا جماعة تقتل أي شخص بريء.”
“هل بدأت دروس المواعظ مجدداً؟ هل يختلف النبلاء حقاً في طباعهم؟”
“نيك!”
“حسناً، حسناً! لن نقتلها، لكن لا بأس باستخدامها كرهينة، أليس كذلك؟ نحتاج لشيء يشتت انتباههم لنتمكن من الخروج.”
بمجرد انتهاء كلمات نيك، أمسك أحدهم بأنيس بخشونة وأنهضها.
“آه—!”
في تلك اللحظة، اندلعت فوضى عارمة مع اقتحام قوات جيروم وفرقة ليونيل للمكان معاً. تحولت الغرفة إلى ساحة حرب؛ تداخلت طلقات الرصاص مع الصرخات واصطدام الدروع.
“من هنا! بهذا الطريق!”
قاد راؤول نيك وبقية الرفاق بسرعة نحو الباب الخلفي، وكانت أنيس تُجرّ معهم كرهينة.
“ابقِي هادئة إذا كنتِ تريدين العيش.”
وُضع نصل خنجر فجأة على عنق أنيس من الخلف.
شعرت ببرودة المعدن تخترق بشرتها، فأصبح تنفسها ضحلاً بغريزة الخوف. ومع ذلك، أبقت عينيها مفتوحتين وراقبت المحيط بهدوء.
وقبل الوصول للباب الخلفي، لاحظت أن قطعة من بلاط الأرضية كانت بارزة وغير مستوية. لو تعثر الرجل الذي خلفها هناك، فقد تحصل على فجوة زمنية بسيطة.
حبست أنيس أنفاسها منتظرة اقتراب الرجل من العتبة. وعندما تعثر كعبه بالبروز، حاولت دفع الخنجر المصوب نحو عنقها.
لكن في تلك اللحظة، سحبها شخص ما من الجانب الآخر، وغطت يد كبيرة عينيها.
ثم شعرت بشيء دافئ يتطاير على وجنتها، ولامست أنفها رائحة معدنية قوية.. رائحة دماء.
“للغباء حدود يا هذه.”
رغم أن عينيها كانتا مغطاتين ولا ترى شيئاً، إلا أنها عرفت صاحب اليد فوراً.
إنه ليونيل.
نظر ليونيل ببرود تام إلى الرجل الذي كان يمسك عنقه ويتخبط أمامه. كان الخنجر الذي كان يهدد أنيس قد صار الآن في يد ليونيل. رمى ليونيل الخنجر الملطخ بالدماء بإهمال وهو يراقب الرجل يسقط صريعاً، ثم أحاط أنيس بكلتا ذراعيه واحتضنها بقوة. كانت قبضته قوية لدرجة أن كتفي أنيس آلمتاها.
“أيها الدوق……؟ أنت الدوق، أليس كذلك؟”
“أتملكين عقلاً في رأسكِ أم لا؟ كيف تدخلين مكاناً كهذا بلا خوف وأنتِ لا تستطيعين حتى المشي وحدكِ؟”
“كنتُ أريد فقط المساعدة في القبض على ريبلت……”
“اللعنة! حتى لو كان الأمر كذلك—!”
رفع ليونيل صوته ثم كزّ على أسنانه.
كانت أصابعه تضغط بقوة حتى ابيضت مفاصلها، وكأنه يخشى أن تتلاشى أنيس إذا أفلت يده.
شعرت أنيس باضطراب ليونيل، فمدت يدها تتحسسه:
“هل كنتَ قلقاً……؟ أنا آسفة.”
بمجرد أن لمست أصابعها خط فكه، تصلب فكه أكثر.
لا، لم يكن هذا الاعتذار التافه هو ما يريد سماعه منها الآن. بل كان شيئاً آخر……
أمال ليونيل رأسه وألصق وجهه بيدها الصغيرة أكثر.
ومع شعوره بدفء جسدها، بدأ القلق يتلاشى تدريجياً ليحل محله هدوء غريب. كان شعور وجودها سالمة بين ذراعيه يمنحه سعادة لا توصف.
كانت مشاعره تتلاطم؛ سكون وغضب يمتزجان بلا حدود داخل صدره المضطرب.
‘هل هذا حقاً مجرد غريزة تملك بسيطة؟’
ما هو هذا الشيء الذي يقلب كيانه رأساً على عقب بمجرد أن يرتبط بأنيس؟
من رأسه حتى أخمص قدميه، ذاب القلق المتجمد في لحظة، واكتسحت جسده موجة عارمة من الراحة كانت قوية لدرجة الدوار وضيق التنفس.
كان صدر ليونيل العريض يرتفع ويهبط بعنف.
أنزل رأسه وأسند جبينه على جبهتها الصغيرة المستديرة.
التعليقات لهذا الفصل " 62"