لطالما تظاهرت جيسي بعدم الملاحظة كلما استخفت السيدة نورا بأنيس أو عاملتها بازدراء علني؛ فقد كان ذلك المسلك هو الطريق الأكثر أماناً لتجنب غضب كبيرة الخدم.
لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً. لم يكن مجرد تنمر خلف الظهر أو مزاح سمج، بل كان أمراً يتجاوز كل الحدود. فلو صمتت عن تصرفات السيدة نورا الآن، لربما تعرضت الدوقة لخطر حقيقي.
‘كان عليّ فعل هذا منذ زمن……’
منذ ذلك اليوم الذي سُكب فيه شاي العسل فوق رأس أنيس، وضمير جيسي يؤلمها كحجر ثقيل يربض على صدرها.
بصراحة، كانت جيسي في البداية تنظر إلى أنيس بنظرة ملؤها التحيز، ظناً منها أنها كما تقول الشائعات؛ امرأة متكبرة، مسرفة، وسيئة الطباع.
لكن أنيس التي رأتها عن قرب كانت النقيض تماماً.
كانت تتجرع المظالم وحدها دون أن ترفع صوتها لمرة واحدة، وبدلاً من الإسراف، كانت تفيض امتناناً لأبسط لفتات اللطف، بل وتعامل الخدم كبشر وتحرص على شكرهم، على عكس النبلاء الآخرين الذين يعاملونهم كأدوات.
‘ما الذي فعلته بحق امرأة كهذه؟’
وبخت جيسي نفسها الجبانة، وحاولت تحريك لسانها المتصلب. ستعترف بكل شيء الآن، بكل ما اقترفته السيدة نورا، أمام الدوق.
لكن في اللحظة التي كانت أوتارها الصوتية على وشك الاهتزاز، سقط شيء أبيض عند قدميها. وقبل أن تدرك ماهيته، انحنت السيدة نورا بسرعة والتقطته، ثم أطلقت صرخة حادة وهي تتصنع الذعر:
“يا إلهي…… جيسي، ما هذا الذي معكِ؟!”
هبط قلب جيسي في قدميها. ما كانت تمسكه نورا هو المذكرة التي كتبها الفارس على ظهر الظرف بالأمس. وبدت الأجواء وكأن جيسي هي من كانت تحاول إخفاء المذكرة سراً.
“سـ.. سيدة نورا، لماذا تنظرين إليّ هكذا؟ هذا ما قمتِ أنتِ بـ—”
“جيسي! كيف تجرئين على إخفاء شيء كهذا؟ ماذا لو حدث مكروه للسيدة أنيس؟!”
“سيدتي……!”
لم تستطع جيسي إكمال كلماتها، لأن ليونيل الذي اقترب بشراسة انتزع المذكرة من يد نورا.
مسحت عيناه المحتوى بسرعة فائقة.
“…… متى استُلمت هذه؟”
“قـ.. قبل ساعة تقريباً. أيها الدوق، أنا حقاً—!”
“سأستمع للأعذار عند عودتي.”
حبست جيسي أنفاسها. شعرت بالاختناق من نظرات ليونيل التي تحمل قلقاً وجنوناً لا يوصف. كانت هيبته تقتل أي ذرة شجاعة للاعتذار. بالإضافة إلى ذلك، كانت السيدة نورا تمسك بذراعها بقوة خلف ظهره.
لم يبالِ ليونيل بكل ذلك؛ حشر المذكرة في جيبه الداخلي واستدار مغادراً بخطوات مضطربة لا تعرف الهدوء. لم يعد يهمه الآن من تلاعب بالمذكرة أو لماذا وصلت يده متأخرة، كان عقله ممتلئاً بشيء واحد فقط:
أنيس.
لم يسبقها أي خاطر آخر. كانت غريزته تسبق منطقه وتقوده بجنون.
“أيها العقيد؟”
ناداه كالت باستغراب وهو يراه يخرج مجدداً فور وصوله.
“اجمع فرقة الفرسان فوراً.”
وقبل أن يستفسر كالت عن السبب، كان ليونيل قد ركض بالفعل خارج الباب، وصدى خطواته يرتطم بالسلالم الحجرية.
‘اللعنة.’
كان عليه أن يحذرها من الابتعاد عن تجارة كاستيا منذ اللحظة التي شك فيها بأمرهم. كيف تندلع كارثة كهذه في غيابه القصير؟
“إذا تعرفتِ على وجوههم، كان عليكِ الهرب!”
تمتم بغضب وهو يركض؛ لماذا حشرت نفسها هناك؟
“طلبتُ منكِ جمع المعلومات فقط، لماذا تفعلين شيئاً لم آمركِ به؟”
برزت العروق في جبهة ليونيل.
هو يعلم.. يعلم أن الخطأ ليس خطأ أنيس. لقد بلغه تقرير كالت بأن إدريان هو من رتب هذا اللقاء، وأن أنيس ذهبت فقط لتأدية عملها بصدق.
لكن ذلك لم يقلل من انزعاجه، أو بعبارة أدق، من رعبه. كان يخشى أن يكون قد أصابها مكروه في هذه الأثناء.
قفز ليونيل عدة درجات دفعة واحدة. كان قلبه يخفق بعنف، وهو شعور يشبه ما أحس به في تفجير المسرح عندما كادت أنيس تصاب، لكنه الآن أعمق وأكثر حدة. خوف لم يدرك تسلله بدأ يزحف من قدميه إلى أعلى جسده. ومع كل خطوة متسارعة، كانت صور أنيس تتوارد إلى ذهنه: شعرها البلاتيني الشفاف، عيناها الكبيرتان، ثم ملامح فمها وهي تبتسم برقة.
وفي النهاية، اخترقت مخيلته فكرة مرعبة: أنيس تغرق في وسط الدماء والدخان.
‘قد أفقد أنيس.’
عندما خطرت له هذه الفكرة، شعر بضيق تنفس مفاجئ. تحول القلق إلى ذعر يكبّل خطاه كطين يلتصق ببسطاره العسكري.
هناك خطأ ما؛ فوفقاً لمنطقه، كان من المفترض أن يشعر فقط بالأسف لخسارة ممتلكات خاصة، فلماذا هو مرعوب إلى هذا الحد؟
لم يكن شعوراً بخيبة الأمل، بل كان شعوراً بأن دماء جسده تنسحب منه بالكامل لمجرد افتراض حدوث سوء لها.
“اللعنة، أنيس……”
تمتم لاإرادياً وهو يزيد من سرعة خطواته الثقيلة.
في هذه الأثناء..
كان لوسيان، الذي أوصل تارت التين بأمان، يتجول ببطء في الأزقة. كان عليه العودة لمقر تجارة باردو، لكن خطواته اتجهت للوجهة المعاكسة تماماً: نحو مقر قوات دفاع العاصمة.
طرق لوسيان مقبض باب مكتب جيروم، فجاءه صوت غير واضح من الداخل:
“ادخل.”
عند دخوله، رأى جيروم جالساً إلى الطاولة ممسكاً بكتفه. كانت الطاولة مبعثرة بزجاجات الرم ونصف فارغة والغليون. التصقت رائحة الكحول ودخان التبغ بجلده، لكن لوسيان لم يرمش له جفن وحافظ على وقفته المستقيمة رغم الرائحة الكريهة.
“هل أصبتَ بجروح؟”
“وما شأنك أنت؟”
كان رد جيروم حاداً. ودون أن ينظر إلى لوسيان، ضرب الطاولة بقوة بيده التي تحمل الغليون:
“اللعنة على ليونيل إدموند فالهام! ذلك اللعين، اللعين، اللعين!”
انفجر جيروم بالشتائم وهو يمسك كتفه بعنف؛ فألم الكتف الذي كاد ليونيل يقتلعه في القطار لا يزال حياً.
“لا بد أنه لم يتعرف عليّ، أليس كذلك؟”
صب جيروم الرم في حلقه.
لمحت نظرات لوسيان كتف جيروم؛ وبدا من عدم توازن كتفيه أن عظمة الكتف قد انزاحت بشكل طفيف.
“إلى ماذا تنظر؟ هل هو عرض ممتع؟”
“أعتذر.”
“كفى. لا تزعجني وأخبرني بمهمتك فقط. بإيجاز!”
“دوقة فالهام تخطط للاتصال بتجارة كاستيا.”
“كاستيا؟”
أمسك جيروم برأسه الذي يدور من أثر الخمر.
“كما أبلغتك سابقاً، تجارة كاستيا هي واجهة أنشأها ريبلت لتمويل العمليات الإرهابية.”
في تلك اللحظة، ومضت عينا جيروم. رفع كأسه في الهواء:
“حقاً؟ ها! يا لها من صدفة مبهجة. لم أشعر بمثل هذا الرضا من قبل.”
ابتسم جيروم ابتسامة مشوهة وقبيحة. وجهه الذي كان محمراً من الغضب استحال فجأة إلى نشوة عارمة. شرب ما تبقى من الكأس ونهض. كان أمراً عجيباً ألا يترنح بعد كل ذلك الكحول.
“يبدو أن فرصة الانتقام من ليونيل ذلك الوغد الذي كسر كتفي قد جاءت أسرع مما توقعت!”
بينما كان يهم بالتوجه لمكان اللقاء، توقف جيروم وأشار بإصبعه، ثم عرض على لوسيان بقايا طعامه على الطاولة:
“بما أنك أتيت إلى هنا، تناول غداءك قبل الذهاب.”
تصلبت عضلات فك لوسيان بشكل طفيف.
“لا تشكرني حقاً، إنها مكافأة لأنك أديت عملك.”
نظر لوسيان إلى الطعام البارد. كانت آثار أسنان جيروم واضحة على فخذ الدجاج، والساندويتش المجاور له ملوث برماد الغليون.
في تلك اللحظة، خطرت ببال لوسيان قطعة الكوكي التي أعطتها له أنيس؛ ذلك التباين الصارخ بين الكوكي النظيف الملفوف بعناية في ورق الزبدة، وبين هذا القرف الموضوع أمامه.
خطرت فكرة في رأس لوسيان لو عرفها جيروم لجن جنونه:
‘كان يجدر بي الذهاب للدوقة مباشرة.’
فلربما كانت لتعطيه قطعة كوكي أخرى كمكافأة على تعبه.
لكن لوسيان حافظ على وجهه الخالي من التعبير، وانحنى بأدب:
التعليقات لهذا الفصل " 61"