لم تخرج أنيس من الحمام إلا بعد أن برد الماء تماماً؛ اغتسلت بصعوبة وخرجت لتجد سايمون والسيدة نورا واقفين بانتظارها.
“ما حدث اليوم هو خطئي بالكامل، فأنا لم أُحسن إدارة الخدم.”
تحدثت السيدة نورا بنبرة مصطنعة من الأسى، وهي تخفض حاجبيها بشدة:
“لقد طردتُ جميع من تجرأ وأهمل في رعاية السيدة أنيس من القصر، ولن أعطيهم خطابات توصية تمنعهم من العمل في أي قصر آخر.”
أومأ سايمون برأسه وتعبيرات الحزن تكسو وجهه:
“لن يتكرر مثل هذا الأمر أبداً.”
هل حقاً لن يتكرر؟
نظرت أنيس إلى وجهيهما بذهول. كانت البرودة لا تزال تسكن جسدها، برودة تغلغلت في عظامها حتى جمدت حرارة مشاعرها.
“حسناً.”
أومأت أنيس برأسها بجفاف. لم يكن إيماء قبول، بل شعرت بوهن شديد جعلها تدرك أن الاستمرار في الحديث لن يغير من الواقع شيئاً، ففقدت الرغبة في خوض أي حوار بحماس.
“سيدة أنيس—.”
ناداها سايمون بحذر، لكنها أشاحت بنظرها عنه.
“حان وقت الذهاب إلى مقر التجارة. عليّ الاستعداد، لذا انصرفوا الآن.”
كان صوتها هادئاً، لكنه يحمل فراغاً موحشاً. وفي المرآة، بدا وجهها أكثر شحوباً من اليوم السابق.
‘سأتحسن عندما أبدأ بالعمل.’
طمت أنيس نفسها بهذه الكلمات، كما كانت تفعل دائماً، متظاهرة بأن شيئاً لم يحدث. لكن مع كل دورة لعجلات كرسيها في الرواق، كان صدى ذلك التشويش اللاسلكي المشؤوم يعود للحياة في أعماق أذنيها.
“لوسيان، أرسل هذا إلى تاونهاوس بيلير فوراً، عبر أسرع بريد متاح.”
سلمت أنيس صندوقاً تنبعث منه رائحة التارت العطرة والذكية إلى لوسيان. كانت أصابعها البيضاء مغطاة بضمادات وبثور صغيرة؛ فقد عثرت بسهولة على وصفة تارت التين التي كان يبحث عنها كاين في مذكرات إلينا باردو، مؤسسة التجارة وعمتها.
بمجرد عثورها على الوصفة صباحاً، حبست نفسها في مطبخ التجارة لتبدأ بصنع التارت. كان عليها أن تشغل جسدها؛ فلو توقفت، لشعرت أن القلق سيهجم عليها مجدداً. لذا أمضت وقتها في عجن العجين ووزن السكر حتى كلت أناملها. واستعانت ببعض الموظفين القدامى الذين تذكروا طعم التارت الأصلي للتأكد من المذاق.
وهكذا، انتهى الأمر بصندوق التارت في يد لوسيان، ومعه رسالة اعتذار عن وقاحة كلوي.
“أرجوك احرص على ألا يتلف شكله.”
“حاضر، أيتها الدوقة.”
بعد رحيل لوسيان، أرخت أنيس جسدها واستندت بظهرها إلى الكرسي المتحرك. أمامها، كانت أكوام الوثائق التي تتطلب عادةً أياماً لإنجازها، مرتبة ومنتهية بالكامل.
“الآن أشعر أنني حية.”
كان لعملها الدؤوب ثمرة؛ فقد اختفى ضجيج اللاسلكي من رأسها تماماً. بسطت يدها تحت الضوء؛ يداها اللتان كانتا ترتجفان صباحاً استقرتا الآن في سكون. الخوف الذي كان يعصر صدرها والقلق الذي تغلغل في أناملها، كلاهما تلاشى.
بدا العالم أخيراً وكأنه استعاد توازنه. لكن مع جلوسها صامتة، بدأ قلبها يضطرب مجدداً. شعرت بضرورة القيام بشيء؛ فلو توقفت هكذا، ستُسحب فوراً إلى كابوس الليلة الماضية.
استنشقت أنيس نفساً قصيراً ونهضت من مكانها.
“…… عليّ المغادرة الآن.”
كان هناك موعد واحد متبقٍ لم تنتهِ منه: المفاوضات مع تجارة كاستيا التي رتبها إدريان بشكل تعسفي. لم يكن بوسعها تجنب الموعد رغم كونه مفروضاً عليها.
لم يكن مكان اللقاء بعيداً، فالمسافة لا تستغرق عشر دقائق بالعربة. رافقها اليوم فارس من قصر الدوق بدلاً من كالت.
صعدت أنيس العربة وهي تضم معطفها حولها.
وعندما وصلت للوجهة، كانت عربة تجارة كاستيا قد وصلت للتو أيضاً.
وبينما كانت تراقب وفد كاستيا وهم يترجلون واحداً تلو الآخر، ارتجفت رموشها بشدة. تسمرت نظراتها على وجه شخص واحد وسط الوفد؛ إنه الشخص نفسه الذي ظهر في الصورة التي عرضها عليها ليونيل قبل أيام.
أمسكت أنيس بذراع فارس الدوق الواقف بجانبها بهدوء مشوب بالتوتر:
“أيها الفارس…… اذهب إلى الدوق فوراً.”
“عفواً؟”
“ريبلت.”
قطعت تلك الكلمة القصيرة الهواء. كان صوت أنيس أقرب للهسيس، لكنه يحمل توتراً عميقاً.
“ريبلت موجود هنا. اذهب بسرعة.”
تصلب وجه الفارس وأومأ برأسه، وومض الحذر في عينيه:
“سأعود قريباً. إذا شعرتِ بأي خطر في هذه الأثناء، عليكِ الهرب فوراً.”
“…… فهمت.”
وقبل أن تنهي كلمتها، استدار الفارس مسرعاً، محدثاً صوتاً معدنياً باحتكاك درعه. امتطى حصانه وانطلق بسرعة البرق.
راقبت أنيس الفارس وهو يبتعد، ثم حولت نظرها نحو رجال كاستيا الذين تعرفوا عليها وبدأوا يسيرون نحوها. ابتلعت ريقها بصعوبة؛ فقد همس لها حدسها بأن هذا اللقاء ليس مجرد مفاوضات تجارية عادية.
على الجانب الآخر..
وصل الفارس إلى القصر وهو يلهث، واقتحم الباب بقوة. لمحته السيدة نورا وجيسي وهما تمران بالرواق.
“ما الخطب أيها الفارس؟ لم يحن موعد عودة السيدة أنيس بعد.”
سأل الفارس وهو يتنفس بصعوبة:
“أين الدوق؟”
“لم يعد بعد، لكننا تلقينا خبراً للتو بأنه في طريقه للقصر، لماذا؟”
“يجب أن أنقل له أمراً عاجلاً.”
“إذن أخبرني أنا، وسأبلغه فور وصوله.”
تردد الفارس أمام اقتراح نورا؛ فالآذان التي تستمع كانت كثيرة. ورغم أنها كبيرة الخدم، إلا أنه لا يستطيع إفشاء أمور عسكرية ببساطة. انتزع الفارس ظرف بريد من يد خادم كان يمر بجانبه وبدأ يكتب بسرعة على ظهره أن “ريبلت ظهر في مكان مفاوضات أنيس وكاستيا”.
طوى الفارس الظرف لضمان عدم تسرب المحتوى وسلمه لنورا.
“سلميه للدوق فور وصوله. المحتوى هو—”
“لا تقلق، لن أقرأه.”
“حسناً، سأعود الآن للدوقة، فقد تكون في خطر.”
تنفس الفارس الصعداء وغادر الرواق. وبمجرد اختفائه، فتحت نورا الظرف بلا تردد وقرأت محتواه، ثم وجهت نظرة تهديد لجيسي التي كانت تختلس النظر معها.
“أنتِ، انسِي ما رأيتِه الآن. نحن لم نستلم شيئاً من ذلك الفارس.”
“ماذا؟ لكن السيدة أنيس قد تكون في خطر—”
“اصمتي! إذا كنتِ لا تريدين أن تُطردي كبقية الخدم، فأغلقي فمكِ جيداً!”
في وقت متأخر من بعد الظهر، انزلق القطار نحو المحطة ببطء. صبغ ضوء الغروب أرضية العربة باللون الأحمر. نزل ليونيل إلى الرصيف وهو يرتدي معطفه، وكان النسيم بارداً.
في النهاية، أفلت منه الرجل الذي قتل وزير الداخلية. لكنه حصل على شيء مؤكد؛ كرمش ليونيل ورق الفيلوم الملطخ بالدماء في يده.
“علينا التحرك بحذر أكبر من الآن فصاعداً.”
“سأتابع ملاحقة شخصيات سيركاديا بسرية تامة.”
أجاب كالت.
“أجل، ولا تنسَ وضع مراقبة على جيروم وينتربولت.”
توجه ليونيل نحو القصر. كان ينوي الاطمئنان على أنيس ثم الخروج مجدداً. لكن بمجرد وصوله، وقع بصره على نافذة غرفة أنيس المظلمة.
“أين أنيس؟”
سأل ليونيل وهو يسلم سترته للسيدة نورا التي تبعته، ونظر لساعة يده؛ فقد مر وقت طويل على موعد عودة أنيس المعتاد.
“هل لا تزال في مقر التجارة؟”
“يبدو ذلك، يبدو أن لديها الكثير من العمل اليوم.”
أجابت نورا بهدوء.
لكن في تلك اللحظة، توقفت نظرات ليونيل عند شخص واحد: جيسي.
كانت تلك الخادمة الصغيرة تقف خلف نورا، وأطراف أصابعها ترتجف بوضوح، وعيناها تلمعان بقلق مضطرب. شعر ليونيل بغريزته بوجود شيء مريب، فاتجه بنظره نحوها مباشرة.
“أنتِ.”
تردد صوته المنخفض والبارد في الرواق.
“أجيبي. لماذا لم تعد أنيس حتى الآن؟”
حبست جيسي أنفاسها وارتجفت شفتاها، واتجهت نظرتها لاإرادياً نحو نورا. رمقتها نورا بنظرة بطيئة ومحذرة؛ “إذا أردتِ البقاء في هذا القصر، فاصمتي”.
فهمت جيسي الرسالة دون كلام، لكن ضميرها كان يطعنها، ولم تستطع التظاهر بعدم المعرفة.
لم تكن تعرف كل التفاصيل، لكنها رأت بوضوح ما كتبه الفارس على الظرف: أن ريبلت ظهر في مكان مفاوضات أنيس.
وريبلت هو ذلك التنظيم الإرهابي المروع الذي تتحدث عنه الصحف يومياً.
ارتفعت يدا جيسي المرتجفتان نحو صدرها:
“أيها الدوق، ف.. في الحقيقة.. السيدة أنيس الآن……”
“ماذا بها أنيس؟”
بمجرد أن استجمعت جيسي شجاعتها للحديث، تغير جو ليونيل في لمح البصر. تلاشت آثار التعب والاسترخاء التي كانت عليه قبل قليل، وانفجر منه قلق وحشي غير مهذب، لمجرد ذكر اسم أنيس.
التعليقات لهذا الفصل " 60"