بعد عودتها من تاونهاوس بيلير، شعرت أنيس وكأنها أغفت عينيها للحظة فقط، لكن الظلام كان قد بدأ يحل بالفعل. ورغم حلول وقت العشاء، لم يوقظها أحد، وكادت تفوتها الوجبة.
عادة ما كان ليونيل يسبقها إلى غرفة الطعام؛ لذا كان عليها الإسراع حتى لا تجعله ينتظر. ارتسمت ابتسامة على شفتي أنيس وهي تحرك عجلات كرسيها بسرعة.
‘لقد سمح لي رايل بمناداته باسمه.’
لا تدري لماذا يجعلها هذا الأمر تشعر بكل هذا الحماس، لكن ضحكة خافتة ظلت تفلت منها رغماً عنها. شعرت أنها أصبحت أقرب إلى ليونيل بكثير.
ورغم أنه بدا محبطاً قليلاً عند عودتهما للقصر، إلا أنها لم تستطع كبح بهجتها. كانت تتوق لرؤية وجهه ومناداته باسمه لأول مرة منذ زمن طويل.
لكن أنيس لم تجد ليونيل في غرفة الطعام.
“لقد غادر الدوق القصر لأمر عجل.”
سقط صوت الخادم الهادئ في الفراغ. الكرسي الفارغ والأدوات التي لم تبرد بعد كانت تجسد غيابه بوضوح.
“هل تعرف متى سيعود؟”
“لا أدري، لم يذكر ذلك. ربما سيعود قريباً.”
“فهمت.”
تسربت خيبة أمل لم تستطع إخفاءها. وفقدت شهيتها تماماً، فاكتفت بلقمة أو لقمتين قبل أن تغادر الطاولة.
وبمجرد عودتها للغرفة، جاء أندرو. لقد حان وقت العلاج الذي نسيته تماماً وسط حماسها لرؤية ليونيل.
“كما أخبرتُكِ، سنبدأ من اليوم بدمج علاج الصدمة النفسية.”
دخل أندرو الغرفة حاملاً حقيبته الطبية. استمر علاج إعادة التأهيل كالمعتاد، لكن المشكلة بدأت بعد ذلك.
“شرحتُ لكِ في الصباح؛ التعرض المتكرر لمحفز الخوف يقلل من الحساسية تجاهه. إنه مبدأ التغلب الطبيعي عبر التعود.”
ومع تلك الكلمات، أشعل أندرو ناراً في علبة معدنية صغيرة. وفي لحظة، اكتسحت رائحة البارود النفاذة أرجاء الغرفة.
“ألم أقل لكِ إنه يجب عليكِ مواجهة المشكلة لا الهروب منها؟”
ارتجفت أنامل أنيس بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
‘ليس هكذا.. ليس بهذه الطريقة.’
لكن قبل أن تمنعه، ضغط على زر الإرسال الأسود، وانبعث ضجيج ملعون ومألوف في الغرفة.
تشششش—.
بمجرد انتشار صوت التشويش اللاسلكي، تشنج جسدها بالكامل. شعرت بضيق خانق يعتصر رئتيها، فأغلقت أذنيها بيديها.
“انتظر.. انتظر لحظة، أطفئه من فضلك.”
كان صوتها يرتجف، لكن أندرو لم يبالِ، بل رفع مستوى الصوت أكثر.
“عليكِ التكيف. يمكنكِ تحمل هذا القدر.”
“على الأقل افتح النافذة—!”
“اصبري على هذا أيضاً، ستصبحين بخير قريباً.”
كانت شظايا الصوت المنبعثة من اللاسلكي تبدو في أذنيها وكأنها أصوات انفجارات حقيقية. وفجأة، ومضت أمام عينيها صور من ساحة المعركة؛ الأرض الترابية، القذائف، والجسر الذي كان ينهار.
بدأ قلبها يخفق بجنون.
“توقف.. أطفئه، أرجوك……!”
انكمشت أنيس على نفسها وهي تغلق أذنيها. شعرت بغصة في حلقها تمنع الهواء من الدخول، وتسارعت أنفاسها بشكل حاد.
ظل صوت أندرو هادئاً، وكان يراقبها وهي تتلوى باهتمام وكأنها فأر تجارب، يدوّن ملاحظاته باستمرار.
“إذا شعرتِ بفرط التنفس، ضعي يدكِ على فمكِ. شهيق، زفير. لا بأس، ستهدأين قريباً.”
لم تكن بخير أبداً. ضاق بصرها، وبدأ العالم يلمض أمامها باللونين الأبيض والأسود.
“…… توقف، أتوسل إليك…… أرجوك……!”
“قليلاً بعد، لقد أوشكنا على الانتهاء.”
اغرورقت عيناها بالدموع، ووصل جسدها إلى حده الأقصى. حاولت التشبث بمسند الكرسي، لكن ذراعيها لم تطيعاها. انقلب الكرسي المتحرك للخلف محدثاً ضجيجاً مدوياً.
“آه!”
سقط جسد أنيس على الأرض. وبإدراك شله الخوف، دفعت أندرو بعيداً وتشبثت بالحافة. لم تستطع التحمل؛ لم تكن قادرة على هزيمة هذا العلاج. كان عليها الذهاب إلى ليونيل فوراً وإخباره بأنها لن تكمل.
بين زحف ومشي وتعثر، تحركت بجسد لا تعرف كيف يقودها نحو باب الغرفة. وعندما أدارت المقبض..
طاخ!
اندفع جسدها وسقطت بوضاعة خارج الغرفة.
نظر إليها الخادم الواقف في الرواق بذهول، لكن أحداً لم يمد يد العون.
استنشقت هواء الرواق بجوع، وحين خفت رائحة البارود شعرت أنها استعادت أنفاسها قليلاً. وتشبثت بالحاجز المثبت في الرواق متجهة بذكعر نحو المكتب.. مكتب ليونيل.
أمسكت بمقبض الباب وحاولت فتحه، لكن تلك كانت النهاية.
“أيها الدوق!”
لم يفتح الباب. كان المقبض يدور في فراغ. ليونيل لم يكن هناك.
تذكرت حينها كلمات الخادم بأنه غادر، لكن عقلها المشلول من الخوف لم يكن يعمل بشكل صحيح.
بدأت تطرق الباب الثقيل بهستيريا.
“ليونيل……!”
ازدادت قوة طرقاتها:
“ليونيل، لا أريد تلقي العلاج. أريد التوقف. أخبره أن يتوقف……!”
لكن باب المكتب الخالي لم يفتح، ولم يتردد في الرواق سوى صدى طرقاتها الممزوج بالبكاء.
انهارت أنيس أخيراً أمام الباب، واحتضنت ركبتيها وهي تغلق أذنيها. كان صدى اللاسلكي لا يزال يضرب طبلة أذنها.
‘أين ذهبت؟ كنتَ هنا دائماً. أنت من طلبت مني المجيء إليك كل ليلة. لماذا لستَ هنا عندما أحتاجك حقاً؟’
خرج صوتها مخنوقاً بالنشيج:
“رايل، أرجوك ساعدني. رايل، أرجوك……”
***
تشششش—.
عندما أشار عقرب الساعات إلى التاسعة تماماً، انزلق القطار المتجه جنوباً نحو الرصيف. امتزج صوت البخار مع هواء الليل. توقف ليونيل قبل ركوب القطار والتفت للخلف.
“أيها العقيد، هل هناك مشكلة؟”
“لا، لا شيء.”
قطب ليونيل جبينه وهو ينظر باتجاه القصر. كان صوتاً واهماً بالتأكيد، لكنه تخيل أنه سمع صوت أنيس وهي تناديه.
‘صحيح، لم أخبر أنيس ألا تأتي إلى المكتب الليلة.’
لكنه ظن أن الأمر لا يهم، فهو سيعود قبل مرور يوم واحد. صعد القطار، وأغلق الباب بعد أن أدى له الكمساري التحية، وبدأت العجلات تخدش القضبان الحديدية.
تحرك ليونيل من العربة الأخيرة نحو الأمام، وعيناه الزرقاوات الباردتان تمسحان وجوه الركاب بدقة. مرّ عبر عربة الطعام بين الدرجة العادية والأولى، لكنه لم يجد أثراً لوزير داخلية سيركاديا.
وبينما كان يهم بدخول عربة الطعام قبل الانتقال للدرجة الأولى.. كركررر—، اهتز القطار بعنف مما جعل العربات تتمايل. وفي تلك اللحظة، ومن خلال زجاج العربة المتجهة نحو الدرجة الأولى، لمح رجلاً ببنية تشبه بنية الوزير.
“أيها العقيد.”
“أعلم.”
يبدو أن كالت رأى الشيء نفسه.
وبينما كانا يتجهان نحو الدرجة الأولى، استوقفهما حديث بين اثنين من أطقم القطار.
“جورج، أليس عودتك للعمل مبكرة جداً؟ سمعتُ أنك أصبتَ بجروح بليغة في حادث القطار السابق.”
“جسدي بخير الآن، لكن قلبي لا يزال يخفق بشدة كلما تذكرتُ ذلك اليوم. لا أزال أسمع ذلك الصوت حتى في أحلامي.”
“حقاً، لا بد أن الصدمة كانت كبيرة. قيل إن الأضرار في الدرجة الأولى كانت الأسوأ، أليس كذلك؟”
“بالطبع، ففي ذلك اليوم كانت الدرجة الأولى مليئة بالكامل بالمسنين والأطفال فقط.”
توقف ليونيل عن المشي فجأة. أشار لكالت برأسه ليكمل طريقه:
“تأكد منه، سألحق بك قريباً.”
ثم استدار ليونيل فوراً نحو زاوية طاقم الخدم حيث كانا يتحدثان. سحب الستارة الفاصلة بعنف، فنظر إليه العاملان بذهول وسط روائح الطعام.
“أريد سماع ما قلتموه للتو مرة أخرى.”
نظر العاملان إليه بارتباك، وعندما عرفا هويته حبسا أنفاسهما:
“أ.. أيها الدوق…!”
“هل قلتَ إن ركاب الدرجة الأولى في القطار الذي تعرض للحادث كانوا من المسنين والأطفال فقط؟”
تبادل العاملان النظرات بقلق أمام هذا السؤال المفاجئ، لكن العامل الذي يحمل اسم جورج أجاب بصدق:
“نعم، يا صاحب السعادة. هذا صحيح.”
“هل أنت متأكد؟ ألم تكن هناك امرأة شابة؟”
“نعم، أنا متأكد تماماً لأنني كنت المسؤول عن الدرجة الأولى في ذلك اليوم.”
هز جورج رأسه بتأكيد قاطع:
“في ذلك القطار المتجه جنوباً والذي تعرض للحادث، لم تكن هناك مسافرة واحدة من الشابات في الدرجة الأولى.”
التعليقات لهذا الفصل " 58"