كان ليونيل في طريقه إلى تاونهاوس بيلير لمتابعة الإجراءات المتعلقة بحادثة إرهاب المسرح الكبير.
وعلى الرغم من ضوء الشمس الساطع في منتصف النهار، إلا أن العربة بدت مظلمة على نحو غريب.
“أُبلغنا أن السيدة أنيس قد توجهت أيضاً إلى تاونهاوس بيلير.”
“حقاً؟”
أغلق ليونيل الكتاب الذي كان يقرؤه فور سماع تقرير كالت.
‘كان عليها أن ترتاح قليلاً بعد وعكة الأمس.’
لم يدرِ أيصف تصرفها هذا بالجدية أم بالحماقة، واكتفى بهز رأسه يمنة ويسرة ببطء. على أية حال، يبدو أنه سيلتقي بها هناك.
‘إذا حدث ذلك، فلا بأس في تناول العشاء في الخارج قبل العودة، كما في المرة السابقة.’
كانت فكرة اندفاعية. تذكر أن ملامح أنيس كانت تبدو جيدة حين تناولا الطعام في الخارج سابقاً، وظن أنها ستسعد إذا اقترح عليها الأمر اليوم. وبما أنها تحب الزهور، فلا بأس بمطعم ذي زينة فاخرة.
“ابحث عن مطعم جيد في الجوار، سنتناول العشاء هناك اليوم قبل العودة.”
“حاضر. سأحجز لشخص واحد.”
“لا، لشخصين.”
رفع كالت رأسه ببطء، وبعد صمت قصير، مرت على وجهه تعابير تشي بأنه أدرك المغزى.
“سأبحث عن مكان تكون عتباته غير مرتفعة.”
قام ليونيل بتعديل أكمامه بتمهل؛ فوجود تابع سريع البديهة ليس أمراً سيئاً على الإطلاق.
وعندما كادوا يصلون، قرب ليونيل معصمه من أنفه كعادته؛ لا تزال هناك رائحة بارود خافتة عالقة. كانت الرائحة تخدش رئتيه بإزعاج، لكنها لم تكن قوية لدرجة أن تلاحظها أنيس، ما لم تحتضنه.
‘بهذا القدر، لن تكون هناك مشكلة.’
وبمجرد أن نظر خارج العربة، توقفت نظراته لاإرادياً عند نقطة محددة.
“إنها هناك.”
كان شعرها ذو اللون الأشقر البلاتيني الذي يعكس ضوء الشمس يبرز بوضوح مبهج وسط الحشود.
وقبل أن تتوقف العربة تماماً، فتح ليونيل الباب وترجل.
لكن في تلك اللحظة، تصلبت تعابير وجهه. كان كاين بجانب أنيس.
كانا يتبادلان الحديث بمرح، وحين انحنى كاين وجلس القرفصاء وهو يطلق تنهيدة ما، انفجرت أنيس ضاحكة برقة.
شعر ليونيل بضيق يعتصر أحشاءه وهو يراقب المشهد؛ تلك الابتسامة لم تظهر له إلا مرتين، ولم تنلها منه إلا بعد أن قدّم لها باقات الزهور أو مكتباً خاصاً.
أما الآن، فكانت تمنحها لكاين دون مقابل. بينما عندما تراه هو، غالباً ما تتجنب نظراته وكأنها رأت وحشاً مخيفاً.
“هاه.”
اتسعت خطوات ليونيل. وبينما كان يقترب منها من الخلف، شعر فجأة بشعور غريب من ديجافو أمام هذا المشهد المألوف.
ألم يحدث موقف مشابه في المسرح الكبير؟ ماذا قال لها حينها وهي مع كاين؟
‘لم أتوقع أنكِ ستنفذين نصيحتي باتخاذ عشيّق بهذه السرعة.’
هل قال ذلك حقاً؟ كلمات كانت كفيلة بطعن أنيس في مقتلها خطرت بباله الآن بعفوية تامة. مشاعر ملتوية منبثقة من غريزة التملك بدأت تزحف في أعماقه؛ فرؤية أنيس مع كاين لم تكن أمراً يسهل عليه استساغته.
ومع ذلك، كبح ليونيل تلك الكلمات التي كادت تقفز من طرف لسانه، ووقف خلف أنيس مباشرة.
“بالنسبة لشخص كان مريضاً، يبدو وجهكِ مشرقاً للغاية.”
بمجرد نطق تلك الكلمات، شعر بجفاف بارد في حنجرته.
“أوه؟”
التفتت أنيس بذهول، لكنها سرعان ما ابتسمت بإشراق وقوست عينيها كالهلال.
“أيها الدوق…! ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
في تلك اللحظة، اختبر ليونيل تجربة مثيرة للسخرية؛ فكل ذلك الانزعاج الذي كان يغلي في عروقه هدأ فجأة، ولو للحظة عابرة. كانت ملامحها الرقيقة وهي تقوس عينيها بمودة تحت ضوء الشمس المنكسر تبدو جميلة.. جميلة لدرجة لا يمكن إنكارها.
يقولون إن الانجذاب للجمال غريزة بشرية، وهذا ما ينطبق عليه الآن. كانت المشكلة تكمن في ذلك الوجه الجميل. أدرك ليونيل لأول مرة منذ عقود أنه ضعيف أمام الجمال، وهذا ما ولّد لديه شعوراً بالخزي؛ لأنه شعر بأنه شخص تافه للغاية.
لاحظت أنيس غرق نظرات ليونيل في العتمة، فسارعت لتوضيح الموقف قبل أن يساء فهمها:
“جئتُ بخصوص عقد المسرح، وقابلتُ كاين بالصدفة وكنا نتبادل التحية فحسب. كنتُ على وشك المغادرة الآن.”
نهض كاين ووقف بجانب أنيس أومأ برأسه:
“هذا صحيح، أيها الدوق. جدتي هي صاحبة المسرح الكبير.”
لكن ما كان يتردد في أذني ليونيل هو كلمة كاين فقط؛ اسم كان يزعجه من قبل، والآن أصبح يثير استياءه لدرجة لا تُطاق. بدت أنيس وكاين بجانب بعضهما كزوج من العشاق المتناغمين.
‘لو رآهما أحد لظن أنه هو زوجها.’
وعندما خطرت له هذه الفكرة، أمسك ليونيل بمقبض كرسي أنيس المتحرك، وسحبه نحوه بقوة وكأنه يدفع يد كاين بعيداً. وحين التفتت أنيس نحوه بذهول، همس في أذنها بصوت خفيض:
“ليونيل.”
“…… نعم؟”
“نادِني ليونيل. كفّي عن استخدام ذلك اللقب اللعين.”
كانت شفتاه قريبتين جداً لدرجة ملامسة شحمة أذنها. انتفضت أنيس وارتجفت كتفاها من أنفاسه التي لامست بشرتها، وسرعان ما انتشر اللون الوردي فوق بشرتها البيضاء. رؤية ذلك التغير الذي سببه هو منحته شعوراً غريباً بالرضا.
“إذا لم يكن لديكِ عمل عاجل، فسنعود إلى القصر معاً. انتظري في العربة.”
وقبل أن يتمكن كاين من الاقتراب منها مجدداً، سلم ليونيل مقبض الكرسي لكالت.
بعد انتهاء لقائه مع لوتشيفيتن، كان ليونيل يمسك بمنديل مطرز بنقش زهرة الأقحوان. قيل إنه وُجد في المكان الذي بدأ منه الانفجار.
“نقش الأقحوان..”
تذكر أن الشعار الشخصي للبارون الشاب المفقود من عائلة غوتن كان الأقحوان أيضاً. وبينما كان يضيق عينيه تفكيراً، سارع كالت إليه:
“أيها العقيد، وردت معلومات تفيد بأن وزير داخلية سيركاديا يخطط لاستقلال قطار متجه إلى الجنوب الليلة.”
“استعدوا للذهاب إلى المحطة.”
وضع ليونيل المنديل في جيبه الداخلي.
“وماذا عن المطعم؟”
“ألغِ الحجز. سأعيد أنيس إلى القصر وأتوجه فوراً إلى الجنوب.”
كان هذا أفضل؛ فرغم أنه لم يلقِ بكلمات قاسية كالسابق عن العشيق، إلا أن انزعاجه المتصاعد كاد يدفعه لقول كلمات جارحة، فآثر الانسحاب.
بعد أن بدل ملابسه وغادر الغرفة، كان مشهد أنيس مع كاين لا يزال يغلي في صدره.
“يجب أن أسحب كلامي بشأن السماح لها باتخاذ عشيق.”
مجرد تخيل أنيس مع رجل آخر كان يثير غضبه بشدة.
وبمجرد أن أدرك إطار مشاعره، أصبح من السهل العثور على سببها؛ فالشعور الذي يحسه الآن يشبه ذلك الانزعاج المقزز الذي يشعر به المرء عندما يرى بصمات يد غريبة على ممتلكاته الخاصة.
لم يكن هذا غيرة، بل كان مسألة نظام.
إنها زوجته. وحتى لو كان زواجاً بلا حب فُرض بأمر من الإمبراطور، فإن هذه الحقيقة لا تتغير.
وما أهمية الحب في جوهر العلاقة؟
النبلاء الذين يعيشون كأزواج بلا حب كثر. لذا، وبغض النظر عن العواطف، أنيس ملكه قانوناً، وليس لدى ليونيل أي نية لمشاركة ممتلكاته مع أحد.
وفي تلك اللحظة، وقبيل مغادرته القصر، انحنى أندرو الذي كان يقترب منه:
“أيها الدوق، لقد رفعتُ تقريراً بخصوص العلاج الجديد، لكنني لم أتلقَ رداً. هل يمكنني المضي قدماً فيه؟”
علاج جديد؟
تحرك حاجب ليونيل البارز. تذكر أنه سمع شيئاً كهذا في التقرير.
“إنه يختلف قليلاً عن إعادة التأهيل الحركي. وكما ذكرتَ سابقاً بخصوص شدة العلاج، سأحاول ضبطها قدر الإمكان، لكنني لا أعرف كيف ستتقبله السيدة أنيس—”
حاول ليونيل تذكر محتوى التقرير الذي اطلع عليه بإهمال، ثم هز رأسه:
“هل وافقت أنيس على تلقيه؟”
“نعم، لقد انتهى النقاش معها بالفعل.”
“إذن نفذه دون إزعاجي بكل تفصيلة. في حدود المعقول.”
بما أنها وافقت، فلا بأس. وإذا كانت مشغولة بالتكيف مع العلاج لدرجة تمنعها من التسكع في الخارج، فذلك ليس سيئاً؛ فجلوسها بهدوء في غرفتها يعني عدم اختلاطها بأمثال ذلك المدعو كاين.
‘نعم، لن يكون الأمر سيئاً.’
بالتأكيد، لم تكن هذه المشاعر من صنف الحب. طالما أن دماء باردو تجري في عروق أنيس، فقدرهما ألا يرتبطا بمثل تلك العواطف. منعته غريزة الرفض لديه من التعمق في مشاعره أكثر.
ومع ذلك، لم يختفِ ذلك الشعور بوجود جسم غريب في حلقه؛ بل أصبح وجوده أكثر وضوحاً، وكأنه توصل إلى إجابة خاطئة تماماً.
لم يدرك ليونيل أن هذا الحكم المتغطرس، وهذا الجسم الغريب الذي لا يتعدى كونه غصة صغيرة، سيتحول يوماً ما إلى فخ يخنقه.
التعليقات لهذا الفصل " 57"