حاول وزير المالية تفتيش جيوبه، لكنه أصيب بنوبة ذعر حين انغرزت فوهة المسدس في ثنايا ذقنه الممتلئ بقوة أكبر.
“هـ.. هاك! في الجيب الخلفي.. يوجد في الجيب الخلفي رسالة جاءت من الإمبراطورية!”
بإشارة من عين ليونيل، أخرج كالت الرسالة التي كانت مجعدة تحت وطأة جسد الوزير. كُتبت الرسالة بخط يد سريع ومشتت، تتضمن تفاصيل مقتضبة عن السفينة التي ستساعده في اللجوء، وموقع المرفأ، ووقت المغادرة.
“أيها العقيد، هذه الورقة هي—،”
قطب كالت جبينه وتراجع خطوة رافعاً الورقة للأعلى. وحين عكسها الضوء، ظهر بريق خافت بين ألياف الورقة. رائحة زيتية دقيقة تفوح منها حتى دون اقتراب، وقوام شبه شفاف.. لم تكن هذه مجرد ورقة رسائل عادية.
“إنه فيلم.”
تمتم ليونيل بصوت خفيض كأنه زفير.
إنه ورق الرق الفاخر المصنوع من جلد العجول المصفى؛ مادة لا يُسمح باستخدامها إلا في المراسلات الإمبراطورية أو المراسيم الملكية.
ساد الصمت لبرهة. أمسك ليونيل بطرف الرسالة، فشعر بملمسها الانسيابي كأنها قطعة من الجلد.
“هاه.”
أطلق ليونيل ضحكة ساخرة. يبدو أن الحرب بين الإمبراطورية وسيركاديا كانت تخفي خلفها أموراً تتجاوز بكثير ما ظهر للعلن.
ترك ليونيل وزير المالية الذي كان يرتجف رعباً، ورفع شعره المنسدل بيد لا تزال تمسك بالسلاح. وفي عتمة الليل الغائمة، لمعت عيناه الحادتان مثل وحش يتربص بفريسته.
“كالت.”
“نعم، أيها العقيد.”
“يبدو أن ريبلت ليس الشيء الوحيد الذي يجب علينا ملاحقته.”
انخفض صوت ليونيل إلى أقصى درجات العمق، حاملاً بين طياته غضباً دفيناً:
“ابحث عن كل من تبقى من مسؤولي سيركاديا في هذه القارة، واجلبهم إليّ جميعاً.”
ليونيل، الذي كان يبدو مشغولاً بالفعل، أصبح أكثر انشغالاً في الآونة الأخيرة. ورغم جدوله المزدحم الذي يختلط فيه الليل بالنهار، إلا أنه كان يحرص دائماً على العودة إلى القصر كل ليلة.
يتناول عشاءً سريعاً ثم يتجه إلى المكتب، ليغادر مجدداً قبل انقشاع ظلام الفجر، ويعود قبيل غروب الشمس. وتكرر هذا النمط من الحياة، وبشكل غريب، كانت أنيس تشاركه دائماً الأوقات التي يقضيها في القصر.
كان من المفترض أن تكون وجبات الطعام المشتركة مرة واحدة في الأسبوع، لكن ليونيل، في لحظة ما، أصبح يتناول العشاء مع أنيس كل يوم، ويصطحبها معه إلى المكتب بعد ذلك. واليوم لم يكن استثناءً.
كانت رائحة التوابل الدافئة تملأ مائدة الطعام. قطعت أنيس قطعة من الباذنجان المشوي بفركتها وهمت بوضعها في فمها، ثم التفتت بجانبها قليلاً؛ لأنها شعرت بنظرات ليونيل تراقبها من طرف عينه.
“…… هل تريد قول شيء ما؟”
سألت أنيس بحذر.
لكن ليونيل رد بصمت غامض. في الآونة الأخيرة، اعتاد ليونيل النظر إليها بهذه الطريقة؛ سواء أثناء الطعام أو مراجعة الوثائق، كان يرفع رأسه فجأة ويراقبها، وكأن عيناه تحاولان التأكد من شيء ما. وعندما ينتهي من تأكده، كان يقطب جبينه دون محالة.
بسبب ذلك، كانت أنيس تشعر بالانكماش على نفسها رغم أنها لم ترتكب أي خطأ.
‘…… هل فعلتُ شيئاً خاطئاً مجدداً؟’
بدأ الخوف يتسلل إليها من أن يكون مجرد وجودها يسبب له الإزعاج، فتراجعت كتفاها قليلاً. ورغم أنها ظنت أن علاقتهما أصبحت أفضل قليلاً، إلا أنه يبدو أن ذلك كان مجرد وهم من صنع خيالها.
لذا، أعادت أنيس إمساك أدوات الطعام بانضباط، محاولةً ألا تفعل أي شيء يثير ضيقه.
“أراكِ ترتدين ذلك الوشاح كثيراً.”
فجأة، أشار ليونيل إلى قطعة القماش التي تلفها حول كتفيها.
“..نعم، لأنه دافئ.”
عبثت أنيس بالوشاح بحرج. كان وشاحاً حريرياً باللون الرمادي الفاتح يشبه لون عينيها تماماً، وهو نفسه الذي غطاها به ليونيل في الفناء الخلفي لتجارة باردو.
كلما ارتدت هذا الوشاح، كانت ذكرى احتضانه لها تعود للحياة. لذا، كانت تحرص على ارتدائه دائماً.
ولكن حين سألها ليونيل عنه مباشرة، شعرت وكأن قلبها سقط بين قدميها؛ خشيت أن يكون قد كشف مشاعرها السرية.
حاولت الحفاظ على هدوء وجهها وهي تمضغ قطعة الباذنجان بصمت. كانت تخشى أنها لو انكشفت، فقد يضيع منها هذا الوشاح أيضاً تماماً كما ضاع حذاء الرقص؛ فكل ما تعتز به ينتهي به المطاف محطماً بشكل أو بآخر.
لذا، قررت أن تخبئ كل ما هو ثمين في أعماق قلبها حتى لا يلاحظه أحد؛ بعيداً عن أعين نورا، وكلوي، والجميع.
لكن نظرات ليونيل بدت وكأنها تطول في تأمل الوشاح. قبضت أنيس على القماش بقوة دون وعي، فما كان من ليونيل إلا أن أطلق ضحكة خافتة.
“هل سيخطفه منكِ أحد؟”
وعاد ليونيل إلى بروده المعتاد وكأنه لم يضحك قط، وبدأ يقطع قطعة الباذنجان لديه. وبما أن ملمسها اللزج لم يكن يروق له، قطب جبينه قليلاً ومسح فمه بالمنديل.
“كما أخبرتكِ سابقاً، سنخرج للتنزه في الحديقة بعد العشاء.”
تذكرت أنيس أن اليوم هو الموعد الموعود. رفعت رأسها؛ وبسبب قصر النهار، كان الظلام يحل قبل قدوم المساء. كانت رائحة الشتاء تتسلل من الحديقة، وكان صوت اصطدام الأغصان الرفيعة ببعضها يتردد مع كل هبة ريح.
“نعم. سأستعد بسرعة.”
حركت أنيس فكها الصغير بنشاط لتبتلع ما تبقى من طعامها على عجل، رغبةً منها في إطالة وقت تنزهها مع ليونيل ولو للحظة.
“تقولين إنكِ لن تستطيعي تلقي العلاج اليوم؟”
توقفت يد أنيس وهي تستعد بنشاط للخروج إلى الحديقة. كان من المفترض تأجيل جلسة إعادة التأهيل اليوم بسبب نزهتها مع ليونيل، خاصة وأن بقاءها في المكتب قد يمتد إلى ما بعد منتصف الليل.
لكن أندرو كان ينتظرها بالفعل في الغرفة. وعندما سمع عن نزهة الحديقة، ابتسم وكأنه خطرت له فكرة رائعة:
“هذا رائع. إذن، ما رأيكِ أن يكون علاج اليوم هو المشي في الحديقة باستخدام العكازات؟”
“…… العكازات؟”
وضعت أنيس المنديل الذي كانت تمسكه ببطء.
“أندرو، هذا مستحيل.”
كانت نبرة صوتها أقوى من المعتاد:
“استخدام العكازات يكاد يكفيني للوقوف فحسب. لا يمكنني تحمل وزني بالكامل للمشي بها.”
أمام موقفها الحازم، حبس الخدم في الغرفة أنفاسهم وهم يراقبون الموقف بحذر.
“إذا لم أستطع التحرك بشكل صحيح، سيتسبب ذلك في إزعاج الدوق. هل هذا مقبول؟”
خيم الصمت على الغرفة بعد سؤالها المختصر.
في تلك اللحظة، رسمت السيدة نورا، التي كانت تراقب الوضع من الزاوية، ابتسامة باهتة على شفتيها:
“لا داعي للقلق بشأن ذلك. يمكننا مساعدتكِ في الاستناد علينا.”
كانت نبرتها ناعمة، لكنها حملت ضغطاً مبطناً:
“تخيلي كم سيفرح الدوق إذا رآكِ تنهضين من الكرسي المتحرك وتمشين؟”
جالت نظرات نورا ببطء بين الخادمات:
“جيسي.”
ارتجفت الخادمة ذات الشعر القصير التي نادتها نورا ورفعت رأسها؛ كانت هي نفسها الخادمة التي نظفت شظايا كوب الماء المحطم سابقاً.
“لماذا تقفين هكذا؟ أسرعي وساعديها. ألا تدركين أنكِ ترتكبين وقاحة بجعل السيدة أنيس تنتظر؟”
“أ.. أنا آسفة. سيدة أنيس، اعذريني للحظة.”
بسبب إلحاح نورا، اضطرت جيسي لرفع أنيس من الكرسي. وبسبب تلك الحركة المفاجئة، تمايلت ساقا أنيس بقوة. وعندما مال جسدها الذي فقد توازنه للأمام، أغمضت جيسي عينيها بقوة وأرخت يدها.
كانت لحظة خاطفة.
حاولت أنيس الاستناد إلى حافة الطاولة كي لا تسقط، فــانسكب سائل دافئ فوق جسدها مع صوت تدفق الماء.
لقد كان شاياً محلى بالكثير من العسل كان موضوعاً على الطاولة. لحسن الحظ، كان الشاي قد برد قليلاً فلم تُصب بحروق، لكنها لم تستطع الهروب من لزوجته.
بدأ الماء اللزج والحلو يقطر من خصلات شعرها المنسدلة.
وفي تلك اللحظة، انفجرت ضحكة ساخرة من مكان ما، وأخفى أحدهم فمه بيده وهو يقهقه.
“أنا.. أنا آسفة.. سيدة أنيس. أنا حقاً آسفة……”
سارعت جيسي لمساعدة أنيس مجدداً، ومع ذلك، كانت نظراتها تتجه باستمرار نحو السيدة نورا.
“سـ.. سأجهزكِ بسرعة لتعودي لهيئتكِ.”
“…… كفى.”
لم يكن بإمكانها مواجهة ليونيل وهي في هذه الحالة المزرية. كما لم تكن تستطيع إخباره بأنها أصبحت هكذا لأنها كانت تحت رحمة الخدم؛ فمن المؤكد أنه سيراها مثيرة للشفقة مرة أخرى.
“أشعر بوعكة مفاجئة، لذا لن أتمكن من الخروج للتنزه. أبلغوا الدوق بذلك.”
على أية حال، لم يكن هناك متسع من الوقت للاستحمام وتجهيز نفسها مجدداً، وليونيل ليس من النوع الذي سينتظر.
قالت أنيس ذلك بهدوء وهي تمسح قطرات الشاي التي تسيل على وجهها. شعرت أن الشاي الذي يلتصق بجلدها يشبه تماماً كرامتها التي دُفست في الوحل.
التعليقات لهذا الفصل " 53"