انزلقت أطراف أصابع ليونيل بشكل طبيعي لتحتضن وجه أنيس الصغير.
أمام هذا التلامس العفوي، لم تستطع أنيس حتى التقاط أنفاسها، وظلت ترمش بعينيها بذهول.
وفي تلك اللحظة، اخترق الهدوء صوت حاد من الخلف:
“أيها الدوق! ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
انتصبت كلوي في وقفتها وهي ترحب بليونيل، لكن ما تلقته منه لم يكن سوى ازدراء علني.
“وقت الشاي، ها؟ يبدو أن السلام يروق للبعض؛ حتى أن عامة الشعب باتوا يقلدون النبلاء في كل شيء.”
تفرست كلوي في المحيطين بها للحظة، للتأكد من أن العمال لم يسمعوا كلمات ليونيل المهينة، ثم عادت لتغلق عينيها بابتسامة متملقة وكأن شيئاً لم يكن:
“لا تتحدث هكذا وتجرح مشاعري. إذا كانت شقيقتي دوقة، فأنا أيضاً—”
“يبدو أن ذكاءكِ محدود للغاية، ولا تتعلمين من تجاربكِ أبداً.”
انخفض صوت ليونيل درجة أخرى من الغلظة:
“ألم أقل لكِ سابقاً؟ كون أنيس زوجتي لا يعني أن حثالة عائلة باردو قد أصبحوا نبلاء.”
عادت الإهانة التي تلقتها في المسرح لتشتعل في ذهن كلوي، فاحمرت أذناها بشدة وأخذت تعض شفتيها بغلظة.
بدا وجهها وكأنها على وشك الانفجار بالصراخ، لكنها لم تجرؤ على ذلك، فصبت جام غضبها على العمال المساكين:
“أيها الحمقى! إلامَ تنظرون؟ أسرعوا في العمل!”
ارتبك العمال وأشاحوا بأنظارهم عن هيئة ليونيل الطاغية، وعادوا للإمساك بمطارقهم متظاهرين بالانشغال.
“يا للسخرية. يبدو أنني بالغتُ في تقدير عائلة باردو فمن شدة غبائكم، من الطبيعي ألا تتذكروا كلاماً قيل قبل أسابيع فقط.”
أمام سخرية ليونيل المتتالية، رفعت كلوي وجنتيها بابتسامة قسرية:
“آه، مهما كانت مكانتك أيها الدوق، ألا تظن أن كلماتك قاسية جداً؟ هذا يجرح مشاعري.”
سخر ليونيل منها:
“وهل عليّ أن أمتدح ذكاء شخص يعبث بأرض غيره دون إذن؟”
“أرض غيري؟”
صرخت كلوي بشكل لا إرادي.
“من هنا،” رسم ليونيل خطاً في الهواء بأصبعه الطويل، مشيراً من المبنى المهدوم وحتى نهاية الفناء الخلفي الذي تلامسه أشعة الشمس: “وحتى هناك. كل هذا ملك لزوجتي.”
بحثت كلوي عن الكلمات وهي تلتفت يمنى ويسرى بعدم استيعاب، ثم صفقت بيديها قائلة:
“أوه، لا بد أن هناك سوء تفاهم أيها الدوق. لقد تقرر أن أرث كل أملاك هذه التجارة، وهذا المكان من ضمنها طبعاً.”
رفعت أنفها بغرور:
“لذا، صاحب المكان حالياً هو والدي، وفي المستقبل سأكون أنا. أليس كذلك؟”
“لا أظن ذلك.”
قطب ليونيل ما بين حاجبيه دون أن يخفي ملله:
“استديري الآن واركضي نحو أدريان باردو واسأليه فهو من وقع على أوراق نقل ملكية هذا المكان لأنيس.”
حبست كلوي وأنيس أنفاسهما معاً عند سماع ذلك.
صحيح أن أنيس كان لديها وعد بامتلاك المكان، لكن أدريان كان يماطل دائماً بحجة ‘عندما تحقق التجارة أرباحاً’. لم تكن تعلم أن الأوراق قد نُقلت بالفعل، وبمبادرة من ليونيل.
‘كنتُ أظنه لا يكترث……’
أحكمت أنيس قبضتها على الشال الذي وضعه ليونيل عليها. وفوق شعور الانكسار الذي كانت تحاول كبته، سقطت قطرة من خفقان يشبه الامتنان.
“هذا غير قانوني!”
رفعت كلوي صوتها:
“كل ما في تجارة باردو لي! يمكنني فعل ما يحلو لي!”
“القانون، ها؟”
ضحك ليونيل بسخرية وخطا خطوة واحدة نحو كلوي، فخيم ظله الأسود الطويل فوق رأسها بتهديد مرعب بسبب فارق الطول الشاسع:
“تـ… توقفوا! أنتم، كفوا عن العمل! أنا أيضاً عليّ الذهاب، فوالدي يحتاجني!”
استدارت هاربة، وأذيال تنورتها الطويلة تجر خلفها على الأرض.
وبقي العمال يراقبون أثرها بذهول قبل أن ينسحبوا هم أيضاً مسرعين.
في الفناء الذي تحول إلى خراب في لحظة، لم يبقَ سوى أنيس وليونيل.
كانت الرياح تثير غبار الأتربة في حلقات لولبية قبل أن تتبدد.
كان ليونيل يمقت استخدام اسم النبالة لسحق الآخرين، لكنه في الوقت ذاته يعرف كيف يشهر اسم عائلته ببرود كالسيف إذا لزم الأمر.
حقيقة أن فعله قبل قليل لا يختلف عما يفعله باردو بالمال لسحق الناس جعلت مزاجه في الحضيض.
تحسس جيبه الداخلي بحثاً عن سيجار بدافع العادة، ثم تراجع عن ذلك.
كانت أنيس تحدق بذهول في الجدار المهدوم. كانت شفتيها مطبقتين بقوة، وبدت وكأنها على وشك البكاء في أي لحظة.
“شكراً لمساعدتك.”
انطلق صوت أنيس كالمعتاد:
“لم أكن أعلم أنك حصلت على الأوراق لأجلي.”
“كنتُ أظنكِ قادرة على حماية نفسكِ، لكن يبدو أنني أخطأت التقدير.”
ارتجفت جفون أنيس:
“…… حتى في نظرك، أنا مثيرة للشفقة، أليس كذلك؟”
“لماذا يخرج هذا الكلام من فمكِ الآن؟”
كانت تعلم أن عليها ألا تفعل، لكن لسانها خرج عن سيطرتها. الغصة التي ظنت أنها كبتتها انفجرت في وجه ليونيل بسبب تلك الجملة الواحدة:
“أعلم أنني أبدو بلا فائدة لأنني لا أستطيع حتى حماية هذا الفناء الصغير.”
حاولت أنيس الابتسام، لكن ابتسامتها انكسرت بسرعة.
قطب ليونيل حاجبيه بانزعاج، فأكملت هي بضحكة جافة:
“لقد نسيتُ وضعي للحظة. ظننتُ أنني أصبحتُ شخصاً مفيداً…… لقد توهمت. هذه هي حقيقتي.”
زفر ليونيل أنفاسه بضيق وهو يتحسس مؤخرة عنقه بسبب ذلك الشعور المزعج الذي عاوده. لم يكن ينوي توبيخها، بل خرجت كلماته هكذا لأنه تساءل كم من الإهانات تلقت في غيابه.
“أنيس.”
“……”
“أنيس فالهام، ارفعي رأسكِ.”
عند سماع ذلك الاسم، اضطرب بؤبؤ عين أنيس.
ليونيل لم يقل ‘باردو’، بل قال ‘فالهيم’.
لماذا……؟
لم تجرؤ حتى على تخمين مشاعره وهو يمنحها اسم عائلته.
عندما لم ترفع أنيس رأسها بسبب ذهولها، أمسك ليونيل بمقبض الكرسي المتحرك وانحنى بجسده.
تلاقت نظراتهما في نفس المستوى.
“من قال إنكِ بلا فائدة؟ أنتِ مفيدة جداً، بل وبشكل كبير. أنتِ الأكثر كفاءة بعد كالت.”
أكمل ليونيل ببروده المعتاد:
“لو لم تكوني مفيدة، لما أهدرتُ وقتي في محاولة التكيف معكِ كما أفعل الآن.”
كان تقييماً بارداً مبنياً على الحقائق لا على المواساة، لكن تلك الجملة جعلت قلب أنيس يخفق بعنف وأسى.
أحنت رأسها محاولة قتل ذلك الخفقان الذي بدأ ينتشر بداخلها. لكن ليونيل تحدث مجدداً:
“وأيضاً، لقد أعطيتُ أمراً لأندرو بتعديل شدة العلاج، لذا سيكون الأمر محتملاً أكثر من ذي قبل.”
رفعت أنيس عينيها بدهشة؛ لم تتخيل أبداً أن ليونيل سيتحدث لأندرو بنفسه.
ها هو يفعلها مجدداً؛ دون سابق إنذار، يتجاوز الخط الذي رسمته بصعوبة، ويمنحها دفئاً لم تطلبه.
أو ربما لم يكن دفئاً، بل هي فقط، بجوعها العاطفي، من تتوهم كلماته العابرة دفئاً.
أحكم ليونيل ربط الشال حول كتفيها:
“لذا، كفّي عن رثاء نفسكِ وادخلي، قبل أن تصابي بنزلة برد حقيقية.”
رغم نبرته الفظة، إلا أن أطراف أصابعه كانت رقيقة بشكل مفرط.
واهتزت أنيس مجدداً، بلا حول ولا قوة.
أدركت أنيس فجأة أن التوقعات التي كانت تحملها لم تكن سوى حب. عندما أراد ليونيل النهوض، أمسكت أنيس بياقة قميصه دون وعي.
خفض ليونيل رأسه ونظر إلى يدها لبرهة، ثم رفع جفنيه ببطء:
“ماذا؟ هل تريدين شيئاً؟”
حبست أنيس أنفاسها واستجمعت شجاعتها.
أرادت التأكد من الاستنتاج الذي وصلت إليه بشأن مشاعرها تجاهه.
“مرة واحدة فقط…… ألا يمكنكَ احتضاني؟”
تحرك حاجب ليونيل قليلاً.
“…… لأنني أشعر بالبرد.”
عذر أخرق.
لوى ليونيل طرف فمه بابتسامة خفيفة جداً، مع صوت يشبه التنهيدة أو السخرية، لا تدري أيهما.
ومع ذلك، مد ذراعه وضم كتفيها إليه.
فعل ذلك بلا مشاعر، كأنه ينجز تقريباً إدارياً، مجرد واجب.
ومع ذلك، كان حضنه دافئاً جداً، لدرجة أنها اضطرت لابتلاع دموعها التي كادت تفر منها؛ لأن ليونيل أخبرها ذات مرة أنها لا تملك الحق في البكاء.
‘آه، ماذا أفعل؟’
رغم أنها عاهدت نفسها مراراً ألا تطمع في شيء، وألا تمنح أفعاله أي معنى.
إلا أن حبها لليونيل كان أكبر بكثير من ألمها بسبب جفائه. لم تعد قادرة على الإنكار.
لقد كانت……
تحب ليونيل.
بلا خجل، وبلا كبرياء.
كحمى الخريف المتأخرة، كان إدراكاً حلواً بمرارة، وفاجعاً في آن واحد.
التعليقات لهذا الفصل " 48"