لوت نورا طرف إصبعها وكأنها تلمس شيئاً نجساً، ورمت بحذاء الباليه داخل العلية. وبينما كانت تنفض يديها بضيق، اقترب منها أندرو.
“أمي؟ ماذا تفعلين؟”
نظر أندرو إلى حذاء الباليه الملقى على الأرضية المليئة بالغبار.
“إنه حذاء رقص.”
“نعم. تلك الفتاة من عائلة باردو علقته في منتصف غرفتها. العرق دساس لا يمكن إخفاؤه؛ كيف تجرؤ على جلب مثل هذه الهوايات الوضيعة إلى هذا البيت؟”
دفعت نورا أربطة الحذاء المتدلية بطرف قدمها لتخفيها داخل الغرفة.
كان في عيني نورا مزيج من الازدراء والوهج الغريب؛ نظرة توحي وكأنها هي المالكة الحقيقية لهذا القصر.
بالنسبة لها، كانت عائلة فالهام بمثابة عقيدة مقدسة.
عاشت طوال عمرها تخدم العائلة، وشابت وهي تفعل ذلك. هي من قامت بتربية ليونيل وسيدريك منذ نعومة أظفارهما، وهي من غرس فيهما آداب السلوك والوقار خطوة بخطوة.
كانت تؤمن أن نمو ليونيل ليصبح نابغة لا مثيل له، ونجاحه في إعادة إحياء اسم فالهام المحطم، هما نتاج تربيتها الصارمة له.
كم عانت لتربي ليونيل، الذي كان يتوسل بطفولية لعزف البيانو، ليكون سليل عائلة أرستقراطية مهيب الجانب.
‘لولا وجودي، لما نشأ السيد الشاب الأكبر بهذا الانضباط، أبداً.’
هذا اليقين هو ما كان يسند كيان نورا. لذا، كانت الدوقة الحالية في نظرها مجرد إهانة صارخة.
لم تكتفِ بالتسبب في موت سيدريك، بل تجرأت على احتلال مكانة بجانب ليونيل، الذي تعتبره نورا تحفتها الفنية التي أفنت عمرها في صقلها.
والأدهى أنها ابنة تاجر وضيع يزدريها الإمبراطور بأكمله.
بالنسبة لنورا، كان هذا جريمة، وطموحاً مخزياً وقذراً.
لكنها لم تكن قادرة على إلغاء ما قد قُضي.
“ما كان يجب أن أغادر القصر آنذاك.”
هزت نورا رأسها وهي تضع يدها على جبينها.
كانت تؤمن بشدة أن التحاق ليونيل وسيدريك بالجيش في سن مبكرة ومعاناتهما هناك كان سببه غيابها عن جانبهما.
حينها، أصر الدوق والدوقة الراحلان على ألا يذهب أندرو الصغير للدراسة في القارة البعيدة وحده، فأرسلا نورا معه.
كانت تلك المرة الأولى التي تغادر فيها قصر فالهام؛ لم تكن ترغب في الرحيل، لكنها أطاعت أمر أسيادها مرغمة، متمسكة بوعد عودتها لمنصب كبيرة الخادمات فور انتهاء أندرو من دراسته.
ولكن، عندما عادت أخيراً إلى القصر، صُدمت بالأنباء التي كانت بانتظارها.
سيدريك رقد في تابوت ضيق لا تتجاوز مساحته متراً واحداً، وليونيل عادت عيناه بنظرة مغايرة تماماً وسط حطام الحرب.
“لو كنتُ بجانبهما…… لما عانى السيدان الشابان كل تلك الويلات.”
كانت نورا تردد هذه الكلمات كتمتمة اعتيادية، تحمل في طياتها الندم واليقين المطلق بأنها الوحيدة القادرة على حمايتهما.
“لكن الآن، بما أن نورا قد عادت، لن أسمح بحدوث مثل تلك الأمور مجدداً.”
لم يكن مسموحاً لليونيل، الذي أحيا العائلة من رمادها، أن يشقى ثانية. ولأجل ذلك، كان عليها تطهير الشوائب العالقة بجانبه، تماماً كما فعلت في الماضي.
لذا، اعتزمت نورا تحويل أنيس إلى دوقة مثالية تماماً، لكي لا تجرؤ على عرقلة طريق ليونيل.
“يجب أن أجعلها تليق بالوقوف بجانب السيد الشاب.”
عقدت نورا عزمها على جعل أنيس بلا شائبة لكي لا يجرؤ أحد على خدش سمعة ليونيل.
وفي سبيل تحقيق ذلك، لم تكن آلام أنيس ضمن حساباتها؛ فالكمال دائماً ما يكتمل وسط المعاناة. لهذا السبب يُبجل النبلاء المثاليون.
“فقط الشخص الذي يكتمل بهذا الشكل هو من يستحق الوقوف بجانب السيد الشاب. هذا هو معنى الأرستقراطية يا أندرو.”
ضاقت عينا نورا وهي تتابع:
“أشخاص نبلاء لا يجرؤ أحد حتى على التطلع إليهم. ومكانة الوقوف بجانبهم لا تُمنح إلا لمن يتم اختيارهم بعناية.”
اضطربت عينا أندرو قليلاً، وامتزج في نظرته خليط من المشاعر المعقدة. لقد نشأ منذ صغره على كلمات والدته، التي كانت تزرع في عقله أن كونه ليس نبيلاً هو بمثابة خطيئة.
“مهما بلغت براعتك في الدراسة، فإن الدم لا يكذب.”
“لهذا عليك أن تعيش باستقامة أكثر من غيرك.”
كبر وهو يسمع هذه الكلمات مراراً، والنتيجة كانت شعوراً مزمناً بالذنب لكونه كائناً غير مؤهل.
والآن، يرى امرأة أصبحت دوقة وهي من أصل عامي مثله تماماً.
أطبق أندرو شفتيه بقوة. لقد نال شهرة كطبيب، وكان موهبة واعدة لفتت أنظار الجمعية الطبية الإمبراطورية، وتعيينه طبيباً خاصاً لعائلة فالهام كان بفضل مهارته. ومع ذلك، في نظر والدته، كان أندرو لا يزال كائناً ناقصاً.
“لو أصبحت فارساً وحصلت على لقب لكان أفضل.”
كانت نورا مهووسة بالطبقة والنسب، ومع كل كلمة تنطق بها، كان شيء ما داخل أندرو يتصدع.
ربما لهذا السبب، كان يكره أنيس. لم يحتمل حقيقة أنها من نفس أصله، ومع ذلك تجلس في مكانة أعلى منه بكثير.
واعتراضها على أساليبه العلاجية لم يكن يبدو له مجرد شك، بل إهانة شخصية.
‘تتشككين في علاجي؟ أنتِ أيتها العامية التي لا تفقه شيئاً؟’
قرر أن يجعل تلك المرأة تدرك مدى عبقريته بنفسها.
كان لديه هدف واحد فقط: إصلاح أنيس تماماً، سواء كان ذلك في ساقها أو في عقلها، لا يهم.
في اللحظة التي ينهي فيها علاجها بنجاح، سيثبت قيمته للجميع؛ لتلك المرأة التي نالت لقب النبالة بالحظ، ولوالدته التي لطالما ضغطت عليه طوال حياته.
تغيمت نظرات أندرو، وامتزج فيها النقص، والرغبة في إثبات الذات، وجنون غامض.
كلما طال غياب ليونيل، تغير هواء قصر الدوق تدريجياً.
الأشياء التي كانت تزعج كشوكة تحت الظفر، بدأت تطفو على السطح واحدة تلو الأخرى.
تصرفات الخدم التي بدأت بتجاهل رنين الجرس، تطورت إلى ازدراء علني وصريح.
كان التغيير دقيقاً ومخططاً له وكأنه رُسم بيد واحدة:
يد نورا.
منذ أن بدأت بإدارة الشؤون الداخلية للقصر، بدأ كل شيء ينحرف قليلاً.
في أحد الأيام، تغير ديكور غرفتها؛ والمساحة التي كانت فارغة لتسهيل حركة الكرسي المتحرك لأنيس، غُطيت بسجاد سميك.
“الشتاء يقترب، وليس من اللياقة أن تخلو غرفة الدوقة من السجاد.”
كانت نورا دائماً تبتسم وهي تضع مبرراتها.
لم يكن كلامها خاطئاً من الناحية الظاهرية، لكن النتيجة كانت حرمان أنيس من حرية الحركة داخل غرفتها.
ثم جاء دور مائدة الطعام.
“السيدة النبيلة لا تنهي كل ما في طبقها، فهذا سلوك يخص العامة.”
ومع كلماتها تلك، بدأت كميات الطعام على المائدة تتناقص. لم تكن أنيس تأكل كثيراً بطبعها، ومع ذلك، بدأ الجوع ينهش جسدها لدرجة أنها لم تعد تملك طاقة لرفع الملعقة.
كان الخدم يشيحون بأنظارهم وهم يراقبون هذا التدهور.
كلمة واحدة من نورا كانت كفيلة بشرعنة كل شيء.
كانت تبدأ دائماً بعبارة “من أجل الحفاظ على وقار الدوقة”، فتتحول تلك الجملة إلى أمر مطلق.
لم يجرؤ أحد على إيذاء أنيس بشكل مباشر، بدلاً من ذلك، كانوا ينهشون حياتها اليومية ببطء وبسرية تامة.
بدأت بتقلص كميات الطعام، ثم اختفاء تحايا الخادمات، وصولاً إلى انطفاء نار المدفأة.
أصبحت أيام أنيس غريبة وموحشة بشكل متزايد.
في الأيام التي كان هواء القصر يثقل فيها على صدرها لدرجة الاختناق، كانت تتذكر فجأة القصر القديم لتجارة باردو.
الفرق الوحيد هو أنه هذه المرة لا أحد يوبخها علانية؛ فكل شيء يُفعل “لأجل مصلحتها”.
فرش السجاد، تقليل الوجبات، وتصحيح سلوك الخدم؛ قيل إنها كلها “تربية” لجعل أنيس دوقة حقيقية.
لم ترفع نورا صوتها أبداً، كانت ابتسامتها دائماً مثالية، ومن خلف تلك الابتسامة، كان ينبت رعب أعمق.
وهكذا، بدأ قصر الدوق يضيق الخناق على أنفاس أنيس تدريجياً، وسط تجاهل وصمت مطبق من ليونيل.
التعليقات لهذا الفصل " 44"