“لقد سمعتُ أيضاً أنكِ تعانين من مشاكل نفسية. سنبدأ بعلاج هذا الجانب بمجرد أن تعتادي قليلاً على عملية التأهيل البدني.”
كانت كلمات أندرو مغلّفة بخبثٍ موارب.
‘تعانين من مشاكل.’
بقيت هذه العبارة تتردد في أذنيها بحدّة. إنه تعبيرٌ ما كان ليجرؤ على استخدامه أبداً لو لم تكن أنيس دوقةً بالاسم فقط.
‘لم يكن هواجسي إذن.’
عضّت أنيس على شفتها السفلى بقوة. كان من الطبيعي ألا يشعرا بالود تجاهها، وهما اللذان يمتلكان ولاءً منقطع النظير لعائلة فالهام.
لكن موقف أندرو المخادع لم يكن يهمها؛ فطالما كان هناك احتمال لشفاء ساقها، فلن تشكّل تصرفاته عائقاً. لم تكن في وضع يسمح لها بالتذمر لمجرد أن أحدهم يكرهها.
كانت أنيس مستعدة للتمسك بخيط الأمل ولو كان أوهى من غرزةٍ منسلة؛ ستمسك به مهما كان الثمن.
فتح أندرو حقيبته بهدوء، فبرقت أدوات صغيرة حادة تحت ضوء المصباح.
‘لماذا توجد أدوات كهذه في حقيبة طبيب…؟’
ابتلعت أنيس أنفاسها المتوترة أمام هذه الآلات الغريبة.
“هل تسمحين لي بفحص جرح الساق بنفسي؟”
“تفضل.”
بعد نيل الإذن، ضغط أندرو بيده التي ترتدي قفازاً طبياً بخفة على ربلة ساقها اليمنى، وطرح عدة أسئلة: هل تشعرين بشيء؟ هل يمكنكِ تسليط القوة عليها؟
“تماماً كما توقعت.”
هزّ أندرو رأسه وهو ينزع قفازاته بعد الفحص الأولي.
“الأعصاب ميتة، لكن العضلات لا تزال حيّة. ومع ذلك، إذا استمر الوضع هكذا، سيبدأ الضمور.”
“ضمور؟”
“إذا لم تتحرك العضلات، فإنها تجف وتذبل. لذا، سنزيد من حركتها لتستعيد وظيفتها.”
أمرها أندرو بتحريك ساقها لأكثر من ساعتين يومياً؛ وذلك بالنهوض من الكرسي المتحرك بعد العشاء والمشي مستندةً إلى الدرابزين.
“إضافة إلى ذلك، سأستخدم تحفيزاً قوياً لإيقاظ الأعصاب الميتة.”
مال رأس أنيس ببطء؛ فكلام أندرو يتناقض تماماً مع كل التشخيصات التي سمعتها سابقاً.
كان الجميع يحذّرونها:
‘لا تتجاوزي وقتاً محدداً في التأهيل.’
‘والأهم هو عدم إجهاد الساق طوال حياتك.’
كانت تلك التحذيرات محفورة في أعماق عقلها، لذا كان من الطبيعي أن تعترض بحذر:
“ولكن، ألن يؤدي الإجهاد الزائد إلى الضغط على الساق وإلحاق الضرر بها؟”
تقلّصت ملامح أنف أندرو بضيق عند سماع سؤالها.
“يبدو أن طبيباً آخر قد قال لكِ ذلك.”
ثم هزّ كتفيه بلامبالاة:
“بالطبع، كلامه له وجه من الصحة… هذا إن كنتِ ترغبين في قضاء بقية حياتكِ معتمدة على الكرسي المتحرك.”
أطلق أندرو تنهيدة مصطنعة:
“إذا كانت هذه رغبة السيدة أنيس، فلن أجبركِ على شيء.”
كانت كلمة لكن مخفية ببراعة خلف نبرته، وتسللت سخريته المكتومة إلى أجواء الغرفة.
صمتت أنيس؛ فالطب عالم لا تفقه فيه شيئاً، وبقدر جهلها كان افتقادها لليقين.
لو كان الأمر يتعلق بموازنة حسابية، لكانت حسمت النتيجة بوضوح.
‘…… أي الطرفين على حق؟’
عندما طال صمت أنيس، تغيّرت تعابير وجه أندرو بشكل مريب:
“بما أنكِ لا تثقين في علاجي، فلنعتبر أن الأمر لم يكن.”
حفّت نبرته حدّة مفاجئة، وبدا أن كبرياءه قد جُرح بشدة.
“لقد أوصاني الدوق برعايتكِ كأولوية قصوى رغم انشغاله الشديد…… سيشعر بخيبة أمل كبيرة حين يسمع هذا الخبر.”
“هل يعلم الدوق بهذا الأسلوب العلاجي؟”
“نعم، كما أخبرتكِ قبل قليل.”
طاخ.
أغلق أندرو غطاء حقيبته بغضب وهو ينفض معصمه. رنّ ذلك الصوت الصغير بقوة غير معتادة في أرجاء الغرفة.
“سأخبر الدوق بنفسي أن السيدة أنيس رفضت العلاج.”
هبط قلب أنيس في جوفها عند سماع ذلك. عبارة خيبة أمل ليونيل كانت كفيلة بأن تقبض صدرها قبل أي منطق.
‘لا، ليس هذا……’
ماذا لو ظن ليونيل أنها استخفّت بأول بادرة لطفٍ منه؟
ماذا لو عاد ذلك الرجل المخيف الذي قابلته أول مرة؟
كان مجرد التفكير في ذلك أمراً لا يُطاق.
تصارعت الأفكار في رأسها، وتذكرت قول طبيبها السابق:
“ما لم تظهر طريقة علاجية جديدة، فلا سبيل للشفاء.”
إذا كان ذلك صحيحاً، فربما يكون الخيار الذي أمامها الآن هو الفرصة الأخيرة.
نعم، ألم تقرر التمسك ولو بخيطٍ واهن؟
ليس للغريق ترف الاختيار بين القوارب.
“لا، سأقبل العلاج. لكنني أود معرفة تفاصيل الطريقة… كيف ستقوم بإيقاظ الأعصاب؟”
“آه، هذا ليس صعباً.”
انفرجت أسارير أندرو فوراً.
أشعل المصباح ببطء، وبينما كان الضوء يراقص الظلام، أخرج أداة من حقيبته وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة؛ قضيباً معدنياً طبياً ينتهي بكرة مستديرة.
“الأعصاب تستيقظ بالتحفيز. حتى لو بدت ميتة، فإن الألم الشديد يجعل الجسد يستعيد ذاكرته.”
“الحالات المسجلة قليلة، لكن هناك من استعاد عافيته فعلياً.”
ثم أردف بيقين وثقة:
“وستكون السيدة أنيس إحدى حالات النجاح لهذا العلاج.”
بعدها، قرّب أندرو طرف القضيب من لهب المصباح، وفي لحظات اصطبغ سطح الفولاذ باللون الأحمر المتوهج.
“قد تشعرين ببعض الحرارة، لكنه لن يكون حارقاً جداً.”
تراجعت أنيس للخلف غريزياً:
“انتظر، هذا—”
“فقط ثقي بي واتبعي تعليماتي.”
قاطعها أندرو بنعومة وهو يخفض يده.
انتشر في الغرفة صوت قصير ناتج عن ملامسة المعدن المحمّى للجلد.
لم يكن الأمر حارقاً كما قال، بل لم يكن دافئاً حتى.
التعليقات لهذا الفصل " 42"