الفصل 49
ليلةٌ مُظلمة.
كانَ الكونت كلو جالساً على أريكةِ مَكتبِهِ وهو في حالةِ سُكْرٍ شديد.
كانت تفوحُ من جَسدِهِ رائحةُ خَمْرٍ أشدُّ نفاذاً من تلكَ التي انسكبت من الزجاجةِ الملقاةِ بجانبِه.
‘يا لَهُ من متطاول.’
مَهما استرجعَ الموقف، شَعَرَ بالظلمِ والغليانِ في صَدْرِه.
كانت صورةُ ذلكَ الغِرِّ وهو يَسلبُ ممتلكاتِهِ ويَنظرُ إليهِ باحتقارٍ تترددُ في ذِهنِهِ باستمرار.
ذلكَ الصبيُّ الذي لم يَجِفَّ بَعْدُ مآقيه، كيفَ يَتجرأُ عليَّ؟
“هذا… آخ!”
بينما كانَ يَصطكُّ بأسنانِهِ من شِدَّةِ القَهْر، أطلقَ صرخةً دونَ وَعْي.
لقد آلمَهُ أنفُهُ المكسورُ إثرَ ضَرْبِ إيثان له.
حتَّى لو أغمضَ عينَيْه، أو حَرَّكَ جَسدَهُ قليلاً، كانَ وجهُهُ يؤلمُه.
كانت تِلكَ الندبةُ القابعةُ في مُنتصفِ وجهِهِ تَرْمِزُ لِلإهانةِ التي تَلَقَّاها على يَدَيْه، ممَّا زادَ من سَعيرِ غَضَبِه.
تحطُّم!
لم يستطعِ الكونت كلو كَبْتَ غَيْظِهِ فدَفَعَ الطاولةَ بعنف.
سَقَطت زجاجةُ الخَمْرِ أسفلَ الطاولةِ وتَحطَّمت مُصدرةً ضجيجاً عالياً.
“يَحْبِسُني في إقليمي؟! أولئك الأوغاد!”
تجاوزَ صُراخُهُ بابَ المَكتب، لكنَّهُ لم يَهتم.
بدأَ يَقذفُ الأمتعةَ ويَقلبُ أثاثَ المَكتب.
وبَعْدَ نَوْبةِ غَضَبٍ طالت لِفترة، لم يهدأْ رَوْعُهُ إلا بَعْدَ أن حَوَّلَ المَكتبَ إلى فَوْضى عارمة، فوقفَ يَلتقطُ أنفاسَهُ الوعرة.
لَقَد أُغْلِقَ الإقليم، وسُلِبَ منهُ مَشروعُ المناجمِ الذي كانَ عَصَبَ حياةِ عائلةِ الكونت.
حتَّى إنَّ بعضَ الخدمِ قد هَرَبوا قائلينَ إنَّ عائلةَ الكونت كلو قد انتهت.
“سَنرى. لن أتراجعَ هكذا أبداً.”
في تِلكَ اللحظة، طَرَقَ أَحَدُهُم الباب.
“سيدي، هناكَ شَخصٌ يُدعى شيفر بورين جاءَ لِرؤيتِك.”
“اطرُدْه! ألا تَرى أنني لستُ في حالةٍ تَسمحُ لي بمقابلةِ أَحَد!”
“آه، نعم، امرك.”
وبينما كانَ الخادمُ يَهُمُّ بالخروجِ مُسرعاً، تذكَّرَ الكونتُ شيئاً فسأل:
“انتظر، مَنْ قُلْتَ إنَّهُ جاء؟”
“قالَ إنَّكَ ستعرفُ بمجردِ ذِكْرِ اسمِ بورين.”
“… بورين؟”
غَرِقَ في التفكيرِ عِندَ سَماعِ كلماتِ الخادم.
“بورين، بورين…”
أليسَ هذا لَقَبَ تِلكَ المرأة؟ المرأةُ التي حاولت تدميرَ عائلةِ هيسبيلت.
“أحقاً؟”
أثارَ الاسمُ الذي ظَهَرَ في هذا الظَّرْفِ غيرِ المتوقَّعِ فُضولَه.
بَدَا أنَّ ظهورَ هذا الاسمِ الآنَ ليسَ مَحضَ صُدفة.
“أَحْضِرْهُ إلى غرفةِ الاستقبال.”
عَدَّلَ الكونت كلو رَبْطةَ عُنقِهِ وهندمَ شَعْرَهُ بيدَيْنِ مُرتجفتَيْن.
رَاودَهُ شُعورٌ بأنَّ هذا الزائرَ قد يَحملُ لَه نفعاً.
بَلْ كادَ يوقنُ بذلك، فقد كانَ دائماً يثقُ بحدسِهِ في مِثلِ هذهِ الأمور.
ارتسمت ابتسامةٌ ملتويةٌ على شَفَتَيِ الكونت لِأولِ مَرَّةٍ منذُ مُدَّة، وأسرعَ بخُطواتِهِ نَحوَ غرفةِ الاستقبال.
“جلالةُ الكونت.”
بمجردِ ظهورِ الكونت، انحنى الرَّجُلُ بعمقٍ للتحية.
كانَ يرتدي ثياباً رَثَّةً ومظهرهُ يَنُمُّ عَنِ القذارة.
كانَ شَعْرُهُ البنيُّ مُتلبداً بلونٍ يَميلُ لِلرماديِّ وكأنَّهُ لم يُغسلْ لِأيام، وملابُسُهُ التي كانت فاخرةً يوماً ما كانت مُمزقةَ الأطراف.
كانَ منظرُهُ يَعكسُ مدى قَسوةِ الحياةِ التي يَعيشُها.
قَطَبَ الكونتُ حاجبَيْهِ من الرائحةِ المنبعثةِ من الرَّجُل.
“ماذا تريد؟”
رُغمَ انتظارِهِ لِلقاءِ الرَّجُلِ بلهفة، إلا أنَّهُ شَعَرَ بالاشمئزاز.
“أرى أنَّكَ قد أُصِبْت.”
قالَ الرَّجُلُ وهو يَنظرُ بإمعانٍ إلى وجهِ الكونت، ممَّا زادَ من سُوءِ مِزاجِ الأخير.
فجأةً، عاودَهُ الألمُ في وجهِه.
كانَ وجهُهُ مُنتفخاً ومَليئاً بالكدماتِ لِدَرَجةٍ يَصعبُ مَعَها التعرفُ عليه.
كانَ يَفخرُ يوماً بوَسَامَتِهِ، لكنَّ الطبيبَ أخبرَهُ أنَّ أثرَ الكَسْرِ سيبقى في أنفِهِ حتَّى بَعْدَ الشفاء.
تَحطَّمت كبرياؤُه، وأُصيبَ جَسدُهُ ووجهُه.
وخاصةً هَمَساتُ الناسِ عِندَ رؤيةِ وجهِهِ كانت تَجعلُهُ يَشعرُ وكأنَّهُم يَسخرونَ منه، وهو أمرٌ لا يُطاق.
كلما فَكَّرَ في الأمر، تَمَلَّكَهُ الغَضَب.
“إذا لم يَكُن لَديكَ ما تَقُولُه، فارحل. لا أُريدُ إضاعةَ مَزيدٍ من الوَقْت.”
نَهَضَ من مَكانِهِ فجأة.
“هيسبيلت.”
توقَّفَ الكونتُ الذي كانَ يَهُمُّ بمغادرةِ المَكانِ عِندَ سَماعِ كلمةِ الرَّجُل.
“حَسْبَما سَمِعْت، لَقَد سَلَبَتْ منكَ عائلةُ دوقِ هيسبيلت حُقوقَ مَشروعِ المناجم.”
“……”
“وليسَ هذا فَحَسْب، بَلْ ومُنِعْتَ من مُغادرةِ إقليمِك.”
“… ماذا تُريدُ أن تَقُول؟”
أصبحَ صَوْتُهُ حاداً.
توقَّفَ عَنِ المَشْيِ وجَلَسَ مَرَّةً أخرى بعنف.
“لابدَّ أنَّكَ لم تأتِ لِتُثيرَ غَضبي فَحَسْب.”
قالَ الكونتُ وهو يَصطكُّ بأسنانِه.
ابتسمَ الرَّجُلُ بخُبثٍ أمامَ رَدِّ فِعلِه.
“ألا تُريدُ الانتقامَ من ذَيْنِكَ الاثنين؟”
“انتقام؟”
لمعت عيناه.
الانتقام.
يا لَها من كلمةٍ عَذبة.
كانَ مُستعداً لِفعلِ أيِّ شيءٍ لِتفريغِ غَليلِه.
“كيفَ يَتجرأونَ على إيذاءِ سَليلِ هيسبيلت الأصيلِ هكذا؟”
قالَ الرَّجُلُ بوجهٍ حزينٍ وكأنَّ الأمرَ غيرُ مَعقول.
“يجبُ أن تَنتقمَ وتستعيدَ حُقوقَك في هيسبيلت. أَلستَ أنتَ الوارثَ الحقيقيَّ لِلعائلة، يا جلالةَ الكونت؟”
“.. صَحِيح. الوارثُ الحقيقيُّ لِلعائلةِ هو أنا.”
كانت كلماتُ الرَّجُلِ تُطربُ أُذُنَيْه.
تَمتمَ الكونت كلو بعبارةِ حُقوقُ هيسبيلت في نَفْسِه.
وكلما رَدَّدَها، زادت حَلاوتُها.
“هل لَديكَ فِكرةٌ جيدة؟”
“نُقطةُ ضَعْفِ إيثان هيسبيلت هي تِلكَ الفتاة.”
تيريسيا هيسبيلت.
اصطكَّت أسنانُ الكونت كلو دونَ قَصْد.
لا مُبالغةَ إنْ قُلنا إنَّ كلَّ شيءٍ بدأَ بسببِها.
“إذا استغللْتَ تِلكَ الفتاة، يُمكنُكَ استدراجُه. على سبيلِ المثال، عَبْرَ جَعْلِها تُغادرُ العائلةَ بِمَحضِ إرادَتِها.”
“وهل هذا سَيُحقِّقُ لي الانتقام؟”
“أليسَ هو الشَّخصَ الذي يَهيمُ بها حُبّاً؟ عَلَيْكَ أن تَضربَ ذلكَ الصبيَّ الذي سَيخرجُ لِلبحثِ عنها. ومَهما بلغت قُوَّتُهُ العسكرية، فلن يَصمدَ أمامَ العَشراتِ من المرتزقةِ الذينَ خاضوا مِئاتِ المعارك.”
“.. مرتزقة؟”
“هُم مرتزقةٌ اعتادوا على ساحاتِ القتالِ ويحترفونَ الاغتيال. أَعرفُ مَنْ يُنفذونَ أيَّ مَهمةٍ مقابلَ المال. يُمكنُكَ استخدامُهم.”
رُغمَ أنَّ الأمرَ يختلفُ عَمَّا خَطَّطَ لَه في البداية، إلا أنَّها لم تكن طريقةً سيئة.
‘كنتُ أَنوي استخدامَ تيريسيا لِلتخلصِ من إيثان، وعِندما تُحاولُ هي الاستيلاءَ على مَنْصبِ رَبِّ العائلة، سأستغلُّ شرعيَّتي لآخذَ لَقَبَ الدوق.’
بَدَا أنَّهُ لا داعيَ لِخَلْقِ مَشاكلَ مُتعددة.
فإذا كانَ بالإمكانِ التخلصُ من الاثنينِ مَعاً، فما من طريقةٍ أفضلَ من ذلك.
“حتَّى وإنْ كانَ صبيّاً، إلا أنَّهُ ليسَ خَصماً سَهلاً. سَمِعتُ أنَّ مهاراتِهِ في السَّيْفِ بارعةٌ جداً لِسَبَبٍ ما. بالإضافةِ إلى أنَّ هاينتز لا يُفارقُ جانبه.”
“لِهذا السببِ قُلْتُ إنَّنا سَنستخدمُ تِلكَ الفتاة. فذلكَ الرَّجُلُ يَفقدُ صَوابَهُ عِندما يَتعلَّقُ الأمرُ بأختِه.”
أجابَ الرَّجُلُ وكأنَّهُ توقعَ هذا التساؤل.
“لَدَيَّ طريقةٌ رائعة. ولكن…”
“ولكن ماذا؟”
“لِأتمكَّنَ من نَقْلِ تِلكَ الطريقةِ إليك، سأحتاجُ لِلعملِ تحتَ إمرَتِك، لِذا يَصعبُ عليَّ قَوْلُها الآن…”
ظَهَرَت علاماتُ الانزعاجِ على وجهِ الكونت كلو. هكذا هُمُ الرعاع، دائماً ما يَطمعونَ في الفتاتِ الذي يَسقطُ من أسيادِهم.
ولكن بما أنَّ خُطَّةَ الرَّجُلِ بَدَت جيدة، لم يَشعرْ بالضيقِ الشديد.
فإذا نَجَحَ الأمر، سَيتمكنُ من التخلصِ من الاثنين.
“… ماذا تُريد؟ ذَهَب؟ أم أرض؟”
“أنا فَقَط أُريدُ الانتقام. فأنا أيضاً عانيتُ الكثيرَ بسببِهم.”
“……”
“إذا تمكَّنْتُ من الانتقامِ منهُم، فلن أطلبَ شيئاً آخَر.”
أجابَ الرَّجُلُ بأقصى قَدْرٍ من التمسكن.
بَعْدَ تفكيرٍ قصير، نَهَضَ الكونت كلو ونَادَى الخادم.
“أَعطِ هذا الرَّجُلَ طعاماً وثياباً ومكاناً لِلسكن. سيبقى هنا منذُ اليوم.”
“امرك.”
وكأنَّهُ انتهى من حديثِه، هَمَّ الكونتُ بمغادرةِ الغرفة، ثمَّ التفتَ نَحوَ الرَّجُلِ فجأةً وكأنَّهُ تذكَّرَ شيئاً.
“ماذا قُلْتَ إنَّ اسمَكَ هو؟”
“شيفر بورين، يا جلالةَ الكونت.”
أجابَ الرَّجُلُ وهو يَنحني.
وكانت على وجهِهِ المنحني ابتسامةٌ دنيئة.
❁❁❁
عادت سارا ريس، التي بدأت في إدارةِ حديقةِ زهورِ “ألبين”، إلى قصرِ الدوقِ بَعْدَ طولِ غياب.
وبمجردِ وصولِها، بَحَثَت عَنِ الآنسة.
“سارا.”
استقبلت تيريسيا مُساعدتَها التي لم تَرها منذُ مُدَّةٍ بترحيبٍ حار.
“لَقَد عُدْتُ، يا آنسة.”
“اجلسي لِنشربَ الشايَ ونتحدث.”
بَدَا وجهُها المائلُ لِلسُّمرةِ بَعْدَ قضاءِ الوقتِ في الخارجِ مَليئاً بالصِّحَّة. ورُغمَ بَعْضِ التعب، إلا أنَّ مَظهرَها الحيويَّ كانَ يبعثُ على السرور.
بَعْدَ أن قَدَّمَتِ الخادمةُ الشايَ والحلوياتِ وانصرفت، اتكأت تيريسيا بارتياحٍ على كُرسيِّها وقالت:
“تبدويْنَ في حالةٍ جيدة.”
“العملُ مُرهق، لكنَّهُ مُمتع.”
ضَحِكت تيريسيا لِكلماتِها.
مُنذُ مهرجانِ الصَّيْد، قلَّلَت تيريسيا من خُروجِها.
وبما أنَّ إيثان لم يكن يُحبُّ خُروجَها بِمفردِها، فَقَد حاولتِ البقاءَ في القصرِ قَدْرَ الإمكان.
لِذلك، انتهى الأمرُ بتفويضِ سارا لِلقيامِ بكلِّ الشؤونِ المتعلقةِ بحديقةِ الزهورِ والتنقلِ بِمفردِها.
كانَ إيثان يَرغبُ في الخروجِ مَعَها في كلِّ مَرَّة، ولكن بَعْدَ توليهِ مَنْصِبَ الدوق، أصبحَ أكثرَ انشغالاً، فكانت تَقضي وَقتَها مَعَ هاينتز أو الحرسِ الشخصيِّ أكثرَ منه.
بَدَا غيرَ راضٍ عَنْ ذلك، لكنَّهُ كانَ أمراً لا بُدَّ منه.
ذاتَ مَرَّة، سَمِعت تيريسيا تذمُّرَهُ من توليهِ المَنْصِبَ دونَ داعٍ، فلم تملكْ إلا أن تَضحكَ بذهول.
“كنتُ قلقةً من أنني أُثقِلُ عليكِ بالعمل.”
“أنا أفعلُ ذلكَ لأنني أستمتعُ به. لا تقلقي، فأنا أُبلي حَسناً.”
أكدت تعابيرُ وجهِها المشرقةُ صِدْقَ كلماتِها، ممَّا طمأنَ تيريسيا.
“كما قُلْتِ، لَقَد قُمتُ بتوسيعِ المِنطقةِ المخصصةِ لِزراعةِ زهورِ السـيدامين.”
“أحقاً؟”
“والدتي في غايةِ الحماس.”
“أستطيعُ تَخيُّلَ ذلك.”
ابتسمت دونَ وَعْيٍ وهي تَتذكَّرُ السيدةَ ريس بوجِهِها البشوش.
راقبت سارا ذلكَ المَشهدَ وابتسمت بدورِها بارتياح.
“وجهُ الآنسةِ يَبدو في حالةٍ جيدةٍ أيضاً.”
رَفَعَت تيريسيا فِنجانَ الشايِ بدلاً من الرد، وارتسمت ابتسامةٌ رقيقةٌ على شَفَتَيْها.
“وما الذي قد يُزعجُني؟”
“كنتُ قلقةً لأنَّ الآنسةَ… تقعُ في المشاكلِ بشكلٍ غيرِ مَقصدوي.”
اختارت سارا كلماتِها بعنايةٍ وهي تَتذكَّرُ حادِثةَ اختفاءِ الآنسةِ لِيومٍ كاملٍ في مهرجانِ الصَّيْد.
في ذلكَ الوَقْت، لم تختفِ الآنسةُ فَحَسْب، بَلِ اختفى الدوقُ الصغيرُ أيضاً بَعْدَ ذَهابِهِ لِلبحثِ عنها، ممَّا قَلَبَ القصرَ رأساً على عقب.
ولولا أنَّ الدوقَ الصغيرَ قد وَضَعَ تعليماتٍ صارمةً لِمن يَبقى خَلْفَهُ قَبْلَ رَحيله، لَحَدَثَت كارثةٌ كبيرة.
“أنتِ أيضاً تَقوليْنَ نَفْسَ كلامِ إيثان.”
“أنا أتفهمُ جلالةَ الدوقِ تماماً.”
ضَحِكت تيريسيا بصوتٍ عذبٍ لِكلماتِها.
“حقاً. لا أَعلمُ لِمَاذا هو هكذا.”
لكن سُرعانَ ما مَرَّت ابتسامةٌ مَريرةٌ على وجهِها.
كانت سريعةً جداً لِدَرَجةِ أنَّها اختفت قَبْلَ أن تلاحظَها سارا.
أَخْفَت تيريسيا مشاعِرَها وتحدثت عَنِ العمل.
“سارا، ما هي كميةُ العطرِ التي يُمكِنُ تَحضيرُها الآن؟”
“إنتاجُ كمياتٍ ضخمةٍ صَعْب، لكنَّنا نَملكُ مَخزوناً يُمكِنُ تقديمُهُ فوراً.”
“يَكفيني ما يُمكنني توزيعُهُ كهديةٍ في حفلِ الشاي.”
“إذن يُمكِنُني تجهيزُها بحلولِ الغد. هل تَنويْنَ إقامةَ حفلِ شاي؟”
“أظنُّ أنَّ الوَقْتَ قد حانَ لِبدءِ الأنشطةِ الاجتماعية.”
تَهَلَّلَ وجهُ سارا لِكلامِ تيريسيا.
فبالتأكيدِ كانت أنشطةُ سيِّدَتِها الاجتماعيةُ قليلةً جداً.
لِدَرَجةِ أنَّها شَعرت بالأسفِ لِبقائِها هادئةً في القصرِ كشخصٍ غيرِ مَوْجود.
“جلالةُ الدوقِ قلقٌ جداً عليكِ يا آنسة.”
“أعلم. أعلمُ ذلك، ولكن…”
“إنَّهُ يُبالغُ في حمايَتِك.”
“هذا هو تَماماً ما أُريدُ قَوْلَه.”
كانَ صَوْتُها الذي يَتذمَّرُ مَليئاً بالمودة.
“إنَّهُ يُبالغُ حقاً. لستُ طفلة، ومعَ ذلكَ يركضُ نَحوي بمجردِ أن أسعل.”
لم تملكْ سارا إلا أن تضحكَ على تذمُّرِها.
فمَهما قالت، كانَ الدوقُ الشابُّ يفرضُ سَيْطرتَهُ الكاملةَ على القصر.
ولم يَكُن هناكَ مَنْ لا يَعرفُ أنَّ مِزاجَهُ يَعتمدُ على مِزاجِ وصِحَّةِ تيريسيا.
لِذلك، كانَ جَميعُ خدمِ القصرِ يَهتمونَ براحةِ تيريسيا.
لَقَد ثَبَّتَ إيثان مَكانتَها الغامضةَ من خلالِ مُعاملتِهِ لها بكلِّ تبجيل.
ولِأنَّ تيريسيا تَعرفُ ذلك، كانت تَبذلُ جُهدَها لِلقيامِ بدورِها وترسيخِ مَكانتِها.
“هل بدأَ العملُ في المتجرِ بشكلٍ صَحِيح؟”
“نعم، الأمورُ تَسيرُ على ما يُرام.”
“إذا قُمنا بتجربةِ العطورِ في حفلِ الشايِ وتوزيعِها كهديةٍ على الضيوف، فَسَيُشكلُ ذلكَ دعايةً جيدة. سَنُفكرُ في الطلباتِ الكبيرةِ بَعْدَ ذلك.”
“تِلكَ الكميةُ يُمكِنُ توفيرُها من الحديقةِ فَحَسْب. لَدَينا أيضاً أزهارٌ وأوراقٌ مُجففة، لذا يُمكِنُنا صُنْعُها فوراً. ولكن…”
توقفت سارا لِتُقَدِّرَ الكميةَ التي زُرِعت حديثاً وتِلكَ التي سَتُحصدُ بَعْدَ شهر.
كانتِ الكميةُ أكبرَ من أن تكونَ لمجرَّدِ صُنْعِ عطور.
“آنسة.”
“نعم؟”
‘ماذا تَنويْنَ أن تَفعلي؟’
ابتلعت سارا السؤالَ الذي كادَ يَخرجُ من فَمِها.
لم يَكُن هذا شأناً يَخُصُّها لِتَسألَ عنه.
رُغمَ وجهِها المبتسمِ بلُطف، إلا أنَّها لم تكن أبداً آنسةً ساذجةً تَرى العالَمَ بجمالٍ فَحَسْب.
كانت تَبدو ضعيفةً لكنَّها لا تَسمحُ لِأَحَدٍ باختراقِ أعماقِها.
ابتلعت سارا تنهيدَتَها، وبدلاً من ذلك، انحنت باحترامٍ لِسيِّدَتِها.
“سأعملُ على تأمينِ أكبرِ قَدْرٍ مُمكِنٍ من المَخزون.”
“حَسناً، أعتمدُ عليكِ.”
تَنَاوَلَت تيريسيا شايَها وهي تَبدو أكثرَ ارتياحاً.
التعليقات لهذا الفصل " 49"