الفصل 17
“ماذا؟”
على عكس تيريسيا التي بَدَتْ مَذهولة، أنهى إيثان كُلَّ الكَعكِ بِوَجهٍ هادئ.
‘كيف كانت شَهِيَّتُه؟’
حاوَلَتِ التَّفكيرَ مَلِيَّاً.
بِسَبَبِ والِدَتِها، كانَتْ تَبقى بَعيدَةً عَنه، لِذا فإنَّ المَرَّاتِ التي تَناوَلَا فيها الحَلويَّاتِ أو العَشاءَ مَعاً تُعَدُّ على أصابِعِ اليَد.
وفي تِلكَ المَرَّاتِ القَليلَة، لَم تَرَ إيثان يَستَمْتِعُ بالأشياءِ الحُلوَةِ هكذا.
‘هل يُعقَل؟’
نَظَرَت تيريسيا إلى إيثان.
وشَعَرَ بِنَظَراتِها، فالتَقَت عيناهُ بِعَينَيها.
كانَتْ نَظرَةً دافِئة؛ تَحمِلُ عيناهُ الذَّهبيَّتانِ مَوَدَّةً ناعِمةً تِجاهَها.
بالمُقارَنَةِ مع الماضي، بَدَتْ عَلاقتُهما جَيِّدَةً جِدَّاً؛ يَهتَمَّانِ بِبَعضِهما، وعِندَما تَحدُثُ مُشكِلةٌ مع والِدَتِها، كانَ يَقِفُ دائِمَاً في صَفِّ تيريسيا.
‘هل يُعقَلُ أنَّ إيثان يُحِبُّني…؟’
ضَحِكَت تيريسيا خِفْيَةً وأشاحَت بِنَظَرِها.
يَبدو أنَّ فترَةَ الفِراقِ الطَّويلَة جَعَلَتْها تُفَكِّرُ في أشياءَ غَريبَة.
فما زالَ إيثان يَدعوها “أُختي” ويَحتَرِمُها بِشِدَّة، وهي كذلِك تَعِزُّهُ كأخٍ أصغَر.
عِندَما رأتْهُ يَطلُبُ منها ألا تَقتَرِبَ مِن إيدلر، ويُخبِرُها أنَّهُ يُحِبُّ الطَّعامَ الذي تُحِبُّه، ويَتَصَرَّفُ وكأنَّهُ يَدلَّلُ عليها، شَعَرَتْ بِتَحَسُّنٍ في مِزاجِها.
ولِهذا السَّبَب، خَرَجَتْ منها كَلِماتٌ لَم تَمْلِكْها:
“في المَرَّةِ القادِمَة عِندَما تَكونُ مُتَفَرِّغاً، لِنَخرُج مَعاً. سآخُذُكَ إلى مَكانٍ جَميل.”
تَوَقَّفَ إيثان عن شُربِ الشَّاي ونَظَرَ إليها، وبَدَا مَصدوماً مِن كَلامِها غَيرِ المُتَوَقَّع.
“مَعَ أُختي… هَل تَعنينَ خُروجاً لِكِلَيْنا فَقَط؟”
“نَعَم، أنا وأنتَ فَقَط. مَن كُنتَ تَتَوَقَّعُ أن نَأخُذَ مَعَنا؟”
“مُستَحيل!” قالَها بِحَزم.
“بالطَّبعِ إذا كُنتَ مُتَفَرِّغاً، فأنتَ سَتُصبِحُ مَشغولاً…”
“سأكونُ مُتَفَرِّغاً. سأَحرِصُ على ذلِك.”
رَدَّ إيثان بِسُرعَةٍ خَوفاً مِن أن تُغَيِّرَ رَأْيَها.
“سأَخلُقُ الوَقتَ حتى لو لَم يَكُن مَوجوداً، فلا تَقْلَقي.”
“لا داعيَ لِكُلِّ هَذا…”
“بَل بَلى! لَقَد وَعَدتِ يا أُختي، عَلَيْكِ الالتزامُ بِالوَعْد.”
“حَسناً، لِنَخرُج مَعاً في المَرَّةِ القادِمَة.”
شَعَرَت تيريسيا بالسَّعادَة لِنَبْرَةِ صَوتِهِ المُتَحَمِّسَة، وتَناوَلَت رَشفَةً مِنَ الشَّاي لِتُخفِيَ ابتِسامَتَها.
شَعَرَتْ أنَّ طَعْمَ الشَّاي صارَ أكثَرَ حَلاوَة.
❁❁❁
كانَت السَّيِّدةُ بورين غاضِبةً ومُتَوَتِّرة، ويَظهَرُ تَوَتُّرُها في قَضْمِ أظافِرِها دونَ وَعْي.
‘كَيْفَ هَرَبتُ عِندَما رَأيتُ ذلِك الفَتى؟’
لَم يَنْتَشِ غَليلُها مِمَّا حَدَثَ أمامَ مَكتَبِ الدوق، والآنَ وقَد كانَت تيريسيا بِجانِبِه، بَدَا الأمرُ وكأنَّها تَهْرُبُ أمامَهما.
كُلَّما فَكَّرَت، زادَ شُعورُها بالظُّلمِ والغَيْظ.
ذلِك الفَتى بِنَظَراتِهِ المُرعِبَة.. لَم يُعجِبني مُنذُ البِدايَة.
كانَ طِفلاً بِلا لَطافة، لا يُلْقي التَّحيَّةَ بِشَكلٍ لائِق ويَتَجاهَلُها.
مَهما كَانَ نَسَبُهُ عَريقاً، ماذا يَملِكُ غَيرَ أنَّهُ الوَريثُ الشَّرعيُّ لِهيسبيلد؟
حتى جَدُّهُ لأُمِّهِ اعْتَزَلَ كُلَّ شَيْءٍ بَعدَ وَفاةِ ابْنَتِه.
عائِلَتي أقوى مِن عائِلَةِ أُمِّهِ المَهْجورة.
أَلَيْسَ هَذا هو السَّبَبُ الذي جَعَلَ الإمبراطورَ يُرَتِّبُ زَواجَها مِنَ الدوق؟
كانَت كاترينا بورين ماهِرَة؛ جَمَعَت المَالَ مِنَ التِّجارَةِ ورَفَعَت مَكانَتَها بالزَّواج، حتى دَخَلَت عائِلَةَ الدوق.
لَقَد صارَتْ مِن نُبَلاءِ الصَّفِّ الأوَّل، ومَعَ ذلِك، ما زالَتْ تُعامَلُ بالتَّجاهُل.
أمْلِكُ المَكانَةَ والثَّرْوَة، ولَكِنِّي لا أُدْعَى حتى “بِدوقَة”!
وفَوْقَ ذلِك: “تيريسيا، كَيْفَ تَجْرُؤينَ على الوُقوفِ في صَفِّه؟”
نَطَقَت بِمَا في صَدْرِها.
آلَمَها رَأْسُها عِندَما تَذَكَّرَت ابْنَتَها وهي تُساعِدُ غَريباً لا يَمُتُّ لَها بِصِلَةِ دَم، بَدَلاً مِن والِدَتِها.
كانَت تَنْوِي عَزْلَ إيثان لِتَحصُلَ هي على ثَرْوَةِ ومَكانَةِ العائِلَة، ولَكِنَّ ابْنَتَها كانَت تَعْتَرِضُ طَريقَها.
لَقَد كانَتْ تَهتَمُّ بهِ مُنذُ الصِّغَر، هَل تَظُنُّ أنَّني لا أَعْرِف؟
كانَت تَعْلَمُ أنَّ تيريسيا تُحاوِلُ إخفاءَ اهتِمامِها بها، ولَكِن مَهما حاوَلَ الطِّفل، لا يُمكِنُهُ الإخفاءُ تَماماً.
وبِسَبَبِ غَيْظِها مِن رُؤيَتِها تُدَلِّلُ أخاها، عامَلَتْها بِقَسْوَةٍ أكثَر.
“هكذا تَطْعَنِينني في ظَهْري! أيَّتُها المَغرورَة…”
°لا تَلْمَسي أختي.°
رُغْمَ غَضَبِها، كانَت السَّيِّدةُ بورين تَتَذَكَّرُ شَيْئاً واحِداً بِوُضوح:
أنَّ إيثان يَهْتَمُّ بِتيريسيا بِشَكلٍ كَبير.
“لِدَرَجَةِ تَهْدِيدي.”
تَمْتَمَت السَّيِّدةُ بورين مَرَّةً أُخْرى:
“هَل تَكونُ تيريسيا هي نُقطَةَ ضَعْفِه؟”
تَحَوَّلَتْ فِكْرَتُها إلى يَقين.
“رِيا.”
“نَعَم يا سَيِّدتي.”
اقْتَرَبَت خادِمَتُها الخاصَّة.
“أُريدُ شَيْئاً…”
هَزَّت رِيا رَأْسَها بَعدَ سَماعِ الطَّلَب:
“مُمكِن. لَن يَستَغْرِقَ الأمرُ طَويلاً.”
عِندَما خَرَجَت رِيا، ابْتَسَمَت السَّيِّدةُ بورين وتَنَفَّسَت الصُّعَداء.
“حَسناً. لا بَأْسَ بِتَجرِبَةِ الأمرِ مَرَّةً واحِدَة.”
لَن تَسْمَحَ لِنَفْسِها بأن تُهَمَّشَ هكذا.
مِنَ الأَفْضَلِ قَطْعُ البَراعمِ السَّيِّئة قَبْلَ أن تَكْبُر.
“سَتَرَوْن. لَن أَتْرُكَ كُلَّ مَن تَجاهَلَني.”
كانَت رَغْبَةً في انْتِقامٍ مَلْتَوٍ.
تَقَرَّرَ مَوْعِدُ حَفْلِ الإعلانِ عَنِ الوَريث.
حُدِّدَ التَّاريخُ في يومِ ميلادِ إيثان في نِهايَةِ الصَّيف.
صارَ حَفْلُ عائِلَةِ الدوق، الذي سَيُقامُ بَعدَ سَنوات، هو مَحَطَّ اهتِمامِ المُجتَمَعِ الرَّاقي.
“أَلَيْسَ هَذا أوَّلَ حَفْلٍ مُنذُ زَواجِ الدوقِ الثَّاني؟”
“بَلى.”
“أخيراً سَيُصبِحُ وَريثاً رَسْمِيَّاً.”
تَحَدَّثَ وَلِيُّ العَهدِ لودفيج مع إيثان بِمَرَح، بَيْنَما كانَ إيثان يَتَفَحَّصُ السُّيوفَ أمامَه.
كانَ إيثان في القَصْرِ المَلَكِيِّ لِلمُبارَزَةِ مع وَلِيِّ العَهد.
كانا يَرْتَديانِ مَلابِسَ بَسيطَة؛ قَميصاً وبِنطالاً.
وفي ساحَةِ التَّدريب، كانَ الخَدَمُ يُجَهِّزونَ لِلمُبارَزَة.
كانَ لودفيج و إيثان يَتَبارَزانِ مُنذُ الأكاديمِيَّة.
في الأكاديمِيَّة، لَم يَرغَب أحَدٌ في مُبارَزَةِ وَلِيِّ العَهد.
وبِسَبَبِ المَلَل، تَنَمَّرَ وَلِيُّ العَهدِ على “ابْنِ الدوق” الذي كانَ يَمُرُّ بِجانِبِه.
وقَبِلَ ابْنُ الدوقِ التَّحَدِّيَ بِسُرور، وفي أوَّلِ مُبارَزَة، ضَرَبَ وَلِيَّ العَهدِ بِقُوَّة.
هَذِه مُصيبَة!
ظَنَّ النَّاسُ أنَّ وَلِيَّ العَهدِ لَن يَسكُت، ولَكِنَّهُ تَجاوَزَ الأمرَ بِرُوحٍ رِياضِيَّة.
كانَ إيثان هو أوَّلَ مَن عامَلَهُ دونَ النَّظَرِ لِمَكانَتِه، ولِذلِك ظَلَّ وَلِيُّ العَهدِ يُلاحِقُهُ حتى التَّخَرُّج.
وعِندَما سَأَلَهُ لاحِقاً كَيْفَ تَجَرَّأَ على ضَرْبِه:
“كانَ لَدَيَّ ما أُفَكِّرُ فيهِ وكُنتَ مُزْعِجاً، فَغَضِبتُ.”
رَدُّهُ هَذا جَعَلَ وَلِيَّ العَهدِ يُعجَبُ بهِ أكثَر.
❁*صفا : 😑 أفكاري غير نقية؟ او فيه شي غير مناسب بكلماته..؟❁
“أَلَم تَأْتِ أُختُكَ الجَميلَةُ مَعَك؟”
سأَلَ لودفيج وهو يَتَلَفَّتُ حَوْلَه.
“سُمُوُّ لودفيج.”
رَدَّ إيثان.
كانَ وَلِيُّ العَهدِ يَعْلَمُ أنَّها لَم تَأْتِ ومَعَ ذلِك سَأَل.
لَم يَكُن لودفيج يُحِبُّ اسْمَه:
“أيُّ اسْمٍ رِيفيٍّ هَذا.”
“إنَّهُ اسْمُ الإمبراطورِ الأوَّل.”
“نَعَم، هَذا هو السَّبَب. إنَّهُ اسْمٌ قَديم.”
“يُقَالُ عَنهُ كلاسيكيّ.”
بَعدَ تَفكيرٍ قَصير، قالَ لودفيج:
“يَجِبُ أن أَطلُبَ مِن أُختِكَ أن تَدْعوني بِاسمي المُستَعار.”
“سُمُوَّك!”
كانَ وَلِيُّ العَهدِ يَستَمْتِعُ بِاستِفزازِ إيثان بِذِكْرِ تيريسيا.
وكانَ يَجِدُ رَدَّ فِعْلِهِ الغاضِبَ مُسَلِّيَّاً.
“سَيفٌ حَقيقيّ؟ أم خَشَبِيّ؟”
سأَلَ لودفيج وهو يُقَلِّبُ السَّيفَ في يَدِه.
“إذا اسْتَخدَمنا سَيْفاً حَقيقِيَّاً، فَقَد تَتَأَذَّى يا سُمُوَّك.”
“هوه، انظُروا إليه. يَتَحَدَّثُ بِثِقَة.”
ضَحِكَ لودفيج:
“لِنَستَخدِم الخَشَب. مَن يَفْقِدُ سَيْفَهُ أو يَنكَسِرُ سَيْفُهُ يَخْسَر.”
“حَسناً. يَبدو أنَّني سأَضْرِبُ سُمُوَّكَ كَثيراً اليوم.”
أمْسَكَ إيثان سَيْفاً خَشَبِيَّاً داكِناً، وكانَ مَلمَسُهُ جَيِّدَاً في يَدِه.
عِندَما لَوَّحَ به، شَقَّ صَوْتُ الرِّيحِ الهَواء.
خَرَجَ الخَدَمُ مِنَ السَّاحَة، ودَخَلَ لودفيج وهو يَحمِلُ سَيْفاً خَشَبِيَّاً أَيْضاً.
بَعدَ التَّحِيَّةِ الرَّسميَّة، تَباعَدا.
أمْسَكَ لودفيج السَّيفَ بِكِلْتا يَدَيْه ولَوَّحَ بهِ بِخِفَّة.
طاخ!
عِندَما اصطَدَمَ السَّيفان، صَدَرَ صَوْتٌ قَوِيٌّ اهتَزَّت لهُ السَّاحَة.
‘انظُر لِهذا.’
ارْتَفَعَ حاجِبُ لودفيج بِسَبَبِ ثِقَلِ الضَّرْبَة.
‘إذَنْ، سَتَلعَبُ بِقُوَّة.’
ضَحِكَ لودفيج وقَال:
“مَتى سَتَأتي أُختُكَ لِلقَصْر؟ لَقَد دَخَلَتِ المُجتَمَعَ الرَّاقي، فَيَجِبُ أن تَحضُرَ الحَفَلاتِ كَثيراً.”
تَقَلَّصَ وَجْهُ إيثان، وظَهَرَت عُروقُ يَدِهِ التي تُمسِكُ السَّيف.
“لِماذا تَسأَلُ عَن أُختِ غَيْرِك، يا سُمُوَّك؟”
“فُضول. إنَّها جَميلَةٌ ولَم أَستَطِع نِسيانَها.”
اصطَدَمَ السَّيفانِ مَرَّةً أُخْرى، وصَدَرَ صَوْتٌ أثقَلُ مِن قَبْل.
‘سأُعاني مِن أَلَمِ العَضَلاتِ بَعدَ هَذِه المُبارَزَة.’
رأى لودفيج غَضَبَ إيثان.
“لا تَطْمَع فيها، يا سُمُوَّك.”
“أطْمَع؟ أنا فَقَط فُضولِيّ.”
اشْتَبَكَ السَّيفانِ ثُمَّ افْتَرَقا.
شَعَرَ لودفيج بِمَشاعرِ إيثان في كُلِّ ضَرْبَة.
“كُلُّ شَيْءٍ يَهتَزُّ على وَجهِك. يَبدو أنَّكَ تُحِبُّ أُختَكَ كَثيراً.”
ابْتَسَمَ لودفيج وقَال:
“ماذا سَتَفْعَلُ لو أرْسَلْتُ لها طَلَبَ زَواج؟”
في اللَّحْظَةِ التي تَرَدَّدَ فيها إيثان، لَوَّحَ لودفيج بِسَيْفِهِ نَحْوَه.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"