كانت تعلم مسبقًا أنّ هذا الوشم علامة قرابة لدى سكّان منطقة كيرشهير، وكان وشم بارثولوميو ووشم آيريس متشابهين إلى حدٍّ كبير.
أي أنّهما قد يكونان قريبَين جدًّا.
لم تكن تعرف ما الذي يعنيه هذا تحديدًا، لكنّه كان قد يصبح ورقةً مفيدة في لحظةٍ حاسمة.
غير أنّ سيمون بدا وكأنّه أخبر بارثولوميو بكلّ شيء بالفعل. ظهر الارتباك على وجهه.
“آسف. هل أخطأتُ بشيء؟ لكن إن كان قريبًا مفقودًا،
فهذا أمرٌ مهمّ حقًّا. كما تعلمين، آيريس خاصّتنا بيعت لتجّار العبيد وهي بالكاد رضيعة….”
“لا، ليس الأمر كذلك….”
في الحقيقة، كان سيمون هو المصيب تمامًا. ومع سماع كلماته، شعرت كلوي بقليلٍ من تأنيب الضمير، إذ أحسّت وكأنّها إنسانةٌ أنانيّة.
بعثرت شعرها قليلًا، ثم التقطت ورقةً كانت على طاولة بارثولوميو، وأشارت بعينيها إن كان مسموحًا.
هزّ بارثولوميو رأسه بصمت.
عثرت كلوي بسرعة على قلمٍ موضوع في الزاوية،
ورسمت هلالًا مكتملًا على الورقة.
كان ذلك الوشم المرسوم خلف أذن آيريس.
“هذا الوشم خلف أذن أختي.”
أخذ بارثولوميو الورقة وهو يضحك ضحكةً قصيرة، وأمعن النظر فيها طويلًا، ثم هزّ رأسه نفيًا.
سقط قلب كلوي في قدميها. هل أخطأتُ في الاستنتاج؟
لكن بارثولوميو قال:
“هاه.”
ووضع يده على جبينه قبل أن يتكلّم.
“سيمون. لحسن الحظ، ابنتك لم ترث مهارتك في الرسم.”
“مهارتي في الرسم؟”
سألت كلوي، فأجابها بارثولوميو وهو يضحك بخفّة.
“حين رسم لي سيمون وشمًا وقال: ‘هذا موجودٌ خلف أذن ابنتي الصغرى أيضًا’، ظننته وحشًا من تلك التي تُروى عنها القصص.”
“هاهاها….”
ضحك سيمون بخجل.
عندها فقط فهمت كلوي ما جرى. يبدو أنّ الرسم الذي قدّمه سيمون لم يكن مفهومًا إطلاقًا.
لكنّ كلوي لم تستطع أن تنظر إلى سيمون. لقد سُرقت نظراتها بالكامل من بارثولوميو.
كان يبتسم بذهول، لكنّ عينيه كانتا محمرّتَين وهو يحدّق في الرسم الذي بيده….
رفع نظره نحوها بعينين تلمعان بالدموع، ثم عاد ينظر إلى الورقة، مرّةً بعد مرّة.
ولمّا عاد ببصره إليهما، كان وقتٌ طويل قد مضى.
“…حتى بعد أكثر من عشر سنوات، يمكنني أن أتعرف عليه.”
تمامًا كما توقّعت. لم تُفاجأ كلوي كثيرًا، بل فتحت فمها بسرعة.
“إذًا….”
وكان بارثولوميو لا يزال يقبض على الورقة المرسوم عليها الوشم، ينظر إليها مرارًا، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة حين رآها.
كانت عيناه المحتقنتان تلمعان.
“هذا وشمٌ نقشته بيدي على أذن ابنتي حين كان عمرها ستة أشهر.”
شعرت كلوي وكأنّ عينيها ستقفزان من مكانهما. ماذا؟ ماذا قلت؟
***
كانت كيرشهير منطقةً دافئة الشمس، جميلة البحر. مكانًا هادئًا وغنيًّا لدرجة أنّ ملوكًا أجانب بنوا فيه قصورًا.
صحيح أنّ القراصنة كانوا يهاجمون أحيانًا السفن التجاريّة، لكنّ ذلك، قياسًا بالكوارث البحريّة التي يواجهها البحّارة دائمًا، لم يكن بالأمر الجلل.
وفي مسألة العيش، أين توجد حياةٌ بلا مصائب؟
ثم إنّهم، وإن نهبوا في البحر، لم ينزلوا إلى البرّ ليعيثوا فيه فسادًا. إذ كان الحاكم العام يتغاضى عنهم مقابل رشوة مناسبة، ويدفعهم نحو بورتو رويال.
قد يبدو هذا جنونًا من الخارج، لكنّه لم يكن سيّئًا بالنسبة لأهالي كيرشهير. فقد خُصّص مكان واحد ليتجمّع فيه الراغبون بالجريمة، وكلّ ما عليهم هو تجنّبه.
وهكذا، كانت كيرشهير في الغالب آمنة.
أمّا السكّان ذوو البشرة المختلفة، الذين قيل إنّهم قدموا من وراء البحر منذ زمنٍ بعيد، فكانوا ميّالين للعنف، لكنّهم لم يُظهروا ذلك إلا دفاعًا عن عائلاتهم.
لم يكن هناك من يرغب بإشعال النزاعات في أرضٍ وفيرة الخيرات.
كانوا يميّزون عائلاتهم بالوشوم المختلفة، وكان الرجال في معظمهم يبحرون لإعالة أسرهم.
وكان سبب كثرة القراصنة في كيرشهير هو كثرة الطرق البحريّة.
الشمس المتلألئة فوق سطح الماء، ورائحة الزيت التي تملأ سطح السفينة.
“أخطر حادثة كانت أنّ حبلًا أُفلت بالخطأ فضرب أحد البحّارة فسقط في البحر.”
هكذا وصف بارثولوميو مسقط رأسه.
لكنّ ذلك كان… قبل عشر سنوات.
اندلع حريقٌ في قريةٍ ساحليّة صغيرة في كيرشهير.
لم يعرف أحدٌ السبب. لكنّ النار اشتعلت في ليلةٍ واحدة، وانتشر الحريق في كلّ مكان، مخلّفًا أضرارًا جسيمة.
من المناطق التي شيّد فيها النبلاء الأجانب وأغنياء التجّار مصايفهم، وصولًا إلى الموانئ الصغيرة ومنازل السكّان المحليّين، احترق كلّ شيء تقريبًا.
كثيرون فقدوا عائلاتهم وممتلكاتهم كلّها.
تحوّل القرية المسالمة إلى رمادٍ بين ليلةٍ وضحاها
كان صدمةً عظيمة.
“ألم يكن هذا… من فعلك؟”
قالت كلوي بلا تفكير، ثم صمتت فورًا.
لقد رأت عيني بارثولوميو المحتقنتين. ضحك الرجل بسخريةٍ مريرة.
“هل جُننتُ لأحرق عائلتي؟”
كان شابٌّ قد أُسِر على متن سفينةٍ تجاريّة، ودفع فديةً بصعوبة ليُطلق سراحه.
وحين وصل إلى ميناء بلدته الصغيرة، وقف مشدوهًا.
لم يبقَ شيء. حتى الأوتاد التي تُربط بها الحبال احترقت تمامًا.
ركض بجنون، لكنّ المنزل الصغير الذي كانت زوجته وابنته الرضيعة تنتظرانه فيه لم يترك أثرًا.
ابتسم الرجل ابتسامةً مرّة.
“هل تعلمين أنّ للحزن درجات؟”
“اه… لا تقُل….”
قطّبت كلوي جبينها، وقد خطرت لها فكرة.
كان من بين ضحايا ذلك اليوم شخصٌ مشهور جدًّا.
ميلدريد. المرأة التي أغوت ملك إيفانيس الثري بجمالها الفاتن، وأصبحت زوجته الثانية.
ما إن مات الملك السابق حتى أرسل الملك الجديد الملكة ميلدريد إلى هناك، وهناك احترقت حتّى الموت.
وموت شخصيّةٍ بهذه المكانة، من دون أن تتمكّن حتى من الهرب من قصرها، أثار سيلًا من الشائعات.
قيل إنّ القراصنة هاجموا المكان لسرقة كنوز الملكة.
وقيل إنّ عامّيًّا حقيرًا وقع في حبّها، وأحرق القصر يائسًا من حبٍّ مستحيل.
وقيل إنّها كانت مفرطة الترف، وأنّ فستانها الثقيل منعها من الفرار فماتت محترقة.
وقيل إنّ لصًّا أشعل النار بينما كان القصر يعجّ بالناس الذين جاؤوا استعدادًا لوصول ابنها الوحيد….
وبينما كانت الشائعات تتكاثر، طُمِس حزن الضعفاء.
من أشعل النار؟ ولماذا؟ حادث أم فعلٌ متعمّد؟
لم يُكشف شيء.
لكنّ حاكم كيرشهير العام، وبعد أيّامٍ قليلة من الحادثة، أعلن على عجل:
التعليقات لهذا الفصل " 150"