هذه فرصة لإنهاءِ استنزافِ القوّة الذي استمرّ طويلًا. تلك السنوات التي كان فيها الملك، عاجزًا عن التغلّب على عقدةِ نقصِه، يتلهّف لابتلاعه. الآن هو الوقتُ لتحطيمِ هذا الوضعِ المملّ من جذوره.
كان واثقًا من نفسه.
كانت تيريزماينيا دولةً تطمع منذ زمنٍ طويلٍ في قمحِ إيفانيس. هي دولةٌ قويّة في الطرق البحريّة، لكنّها تعاني دائمًا من المجاعات بسبب فقرِها في السهول. يكفي أن يُلوّح لهم من هنا برايةٍ صغيرة، حتى يهرعوا ركضًا دون تردّد.
وليس هذا فحسب. كان لدوق تيريزماينيا ضغينةٌ شخصيّة تجاهَ ملكِ إيفانيس.
ضغينةٌ خفيفةٌ متعلّقة بالملكة دو سولي. حين توفّيت الملكة سولي، تجاهل ملكُ إيفانيس، وكأنّه كان ينتظر الفرصة، رايةَ العزاء التي أرسلها دوقُ تيريزماينيا.
لذلك، حقًّا. كان كيرتيس واثقًا.
نظر فريدريك في عيني الرجل ذيّ الحدقتين الأرجوانيّتين، ثمّ تنفّس بعمق.
“يا إلهي، يا عمّي. حياةَ مَن تنوي تدميرها هذه المرّة…؟”
لم ينتظر كيرتيس بقيّة الكلام.
“سأعتبر الأمر مُنجزًا.”
“عمّي!”
نهض فريدريك وهو يناديه، لكنّ كيرتيس لم يُعره أيّ اهتمام، بل وقف وغادر. كانت خطواته الأنيقة تبدو وكأنّها تستفزّ فريدريك عمدًا.
زفر فريدريك زفرةً طويلة، وهو يمرّر يده في شعره. لماذا يطلب سلطةَ قيادةِ البحريّة أصلًا؟
لم يكن فريدريك غبيًّا، وكان دائمًا على وفاقٍ فكريّ مع عمّه، لذا لم يعجز يومًا عن فهمِ ما يدور في ذهن كيرتيس. لكن هذه المرّة، وللمرّة الأولى، شعر أنّه لا يستطيع قراءةَ قلبِه.
فحتّى لو منحه سلطةَ قيادة البحريّة، فلن يستطيع الإبحار فورًا. فأسطول إيفانيس البحري بالكاد يخرج إلى البحر أصلًا.
هل لا يريد طلبَ المساعدة من غلينترلاند؟
لا يدري.
“سموّك.”
في تلك اللحظة، خرجت وليّةُ العهد بياتريس من الغرفة الداخليّة. التفت إليها فريدريك بابتسامةٍ محرجة.
“أعتذر. يبدو أنّ عمّي يُثير جلبةً غير ضروريّة.”
“لا بأس. لكن… يبدو أنّني سمعتُ شيئًا غريبًا.”
كان وجهُ بياتريس مصبوغًا بالخوف. لا شكّ أنّها سمعت كلماتِ كيرتيس أيضًا. كلماتٍ تُشبه إعلانَ تمرّدٍ مباشرٍ على الملك.
ابتسم فريدريك بمرارة.
“يا وليّةَ العهد. عمّي رجلٌ إن قرّر فعلَ شيء، فعله.”
“لكن…”
“…من الأفضل أن نعدّ أنفسنا للصعود إلى العرش قبل الموعد المتوقّع بقليل.”
لم يكن مسرورًا بخوفِها، بطبيعة الحال.
لكن لو فكّر في الأمر، لوجد أنّ بياتريس عاشت منذ زواجهما وهي خائفة. والسبب ليس سوى الملك.
الملك الذي يُعلن أنّ ابنه سيصعد العرش يومًا ما، بينما يرتجف خوفًا من أن يحلّ فريدريك مكانه حقًّا. ذلك الملك كان يُعذّب بياتريس باستمرار.
…أليس هذا مأزقًا؟
أمسك فريدريك بيدِ بياتريس وجذبها إلى حضنه. نصفُ قلبه كان ممتلئًا بالأسف تجاهها، والنصفُ الآخر كان يتوق لطرحِ الأسئلة على كيرتيس.
الشيءُ المؤكّد هو…
‘ربّما كان عليّ أن أراهن بالمال.’
لم يكن هناك شيءٌ واضحٌ تمامًا. لكن فريدريك أدرك بعض الأمور. أنّ كيرتيس، هذه المرّة، سيجرّ أباه إلى القاع مهما كلّف الأمر. وكذلك…
‘قال إنّ الدوقةَ الكبرى ربّما اختُطفت.’
كان في عينيه الأرجوانيّتين، وهو يقول ذلك، قلقٌ خافت.
وهكذا، تيقّن فريدريك. ربّما كان عمّه قد وقع حقًّا في شعورٍ لا يستطيع السيطرة عليه.
وما المشكلة في ذلك؟
إن كان هذا سيدفع عمّه، الذي ظلّ راكدًا طويلًا، إلى التقدّم خطوةً إلى الأمام، فذلك أمرٌ حسن.
لذا دفن فريدريك وجهه في كتف المرأة التي يحتضنها، وهمس وكأنّه يُنشد:
“بياتريس.”
“..…”
“آسفٌ لأنّني أخفتُكِ دائمًا.”
مع كلماته التي حملت طمأنينةً خالصة، ارتخت كتفاها المتصلّبتان. ثمّ أحاطته بذراعيها النحيلتين ببطء.
وهذا كان كافيًا.
حتى فريدريك، لم يكن يحتاج إلى الكثير ليتحلّى بالشجاعة.
***
قصرُ إيفانيس الملكيّ، غرفة إيزابيلا.
كان الملك، على غير العادة، يبتسم ابتسامةً عريضة.
“وما هذا؟ تساءلتُ لِمَ تستدعيني هذه الجميلة سرًّا.”
كان منظره مقرفًا بطبيعة الحال. ابتسمت إيزابيلا بصعوبة، ووضعت الإمبليريوم في يده.
من سلبيّات الإمبليريوم أنّه، من أجل الاتصال الجماعيّ، يجب على الموجودين أن يمسكوا أيدي بعضهم البعض.
<هاهاها، أعتذر لأنّني لستُ جميلة.>
وصل صوتٌ غير مرغوبٍ فيه عبر الإمبليريوم. كان ملكُ غلينترلاند، ويليام الخامس. ضحك ملكُ إيفانيس ضحكةً مجلجلة.
“كيف تقول ذلك؟ أمسك الآن بيد أجمل امرأةٍ في العالم، ومع ذلك فصوتك يبعث فيّ سرورًا مضاعفًا.”
<يشرفني سماع ذلك.>
ثمّ خفّض ويليام الخامس صوته وسأل:
<سمعتُ أنّ كيرتيس شان بيرك طلبَ سلطةَ قيادة البحريّة؟>
“هذا صحيح.”
كان الملك قد شارك للتوّ خبرَ اختطاف الدوقة الكبرى قرب مياه غلينترلاند مع ويليام الخامس. فدوق بيرك ظلّ يتبع وليّ العهد، غير آبهٍ بنظرات الآخرين، وهو يُكثر الشكوى.
كان وليّ العهد فريدريك قد تردّد أمام الملك حين استدعاه ليسأله عن الشائعات، لكنّه في النهاية أفصح.
اختُطفت الدوقة الكبرى؟ ومن قِبل قراصنة؟ وفي مياه غلينترلاند تحديدًا؟
كاد الملك يضحك من شدّة النشوة.
كيرتيس شان بيرك! ذلك الأخ غير الشقيق المتغطرس، يقع في فخّ نفسه بهذه الطريقة؟ والدوقة الكبرى أيضًا. شبهُ نبيلةٍ متهوّرة لا تعرف مقامها، تنتهي أسيرةً لدى القراصنة.
قيل إنّها خرجت في رحلةٍ خارجيّة ومعها حارسان ملكيّان فقط. أيُّ فردٍ من العائلة المالكة يتحرّك بهذا الإهمال؟ كأنّها كانت تُلوّح للجميع قائلةً: “اختطفوني.”
‘وضيعةٌ لا تعرف موضعها.’
لهذا السبب، شعر الملك وكأنّه يُحلّق في السماء لأوّل مرّةٍ منذ زمن. طبعًا، راوده أيضًا شكٌّ بأنّ ذلك الأخ غير الشقيق الماكر قد يكون يُدبّر شيئًا.
لذا راجع الملك جميع البرقيّات التي أُرسلت إلى الدوق عبر مكتب البريد الملكيّ وغيره. والخلاصة كانت واحدة. اختُطفت دوقة بيرك الكبرى فعلًا.
-‘فريدريك. أعلم أنّك سمحتَ بزواج عمّك حفاظًا على هيبة العائلة المالكة. لكن هذه المرّة، لا تتدخّل إطلاقًا.’
-‘لكن، يا صاحب الجلالة!’
-‘لن أسمح بذلك. وإن تدخلت، فسأفكّر في خلعك.’
كان فريدريك الابنَ الوحيد للملك، لكنّ الملك لم يكن ينوي تنصيبه وليًّا للعهد. بل يمكن القول إنّه لم يكن ينوي ذلك أبدًا.
والسبب بسيط. الملك كان يحسد كيرتيس، ويحسد ابنه أيضًا. لأنّهما كانا أفضلَ منه.
‘لو أنّ تلك المرأة كانت أقلّ بؤسًا بقليل.’
بسبب عدم وجود وريثٍ آخر بعد الأمير فريدريك، شكّك البعض في قدرة الملكة دو سولي على الإنجاب. لكن السبب الحقيقيّ لكون فريدريك الابنَ الوحيد هو أنّ الملك لم يدخل جناحَ الملكة أصلًا. فلا تصفيق بلا كفّين.
‘ودوق تيريزماينيا ذاك أيضًا عجيب. ما الذي أعجبه في ذلك الوجه الذابل إلى هذا الحدّ؟’
شرد قليلًا، ثمّ طرد الفكرة من رأسه. ما الفائدة من التفكير في ملكةٍ ماتت قبل خمس سنوات؟
على أيّ حال، إن حاول فريدريك مساعدةَ كيرتيس، فسيحصل الملك على وسيلة ضغطٍ ممتازة. وكان يثق أنّ فريدريك يعرف ذلك. بالطبع يعرف. فريدريك كان يخافه.
“إن كانت المياه تابعةً لغلينترلاند، فسنحتاج في النهاية إلى بحريّة غلينترلاند.”
<لكنّي أشكّ في أنّ دوق بيرك سيطلب تعاوننا طواعيّة.>
كان صوت ويليام الخامس حذرًا. ربّما بسبب الإمبليريوم، بدا صوته غير واضح. وكان ذلك كافيًا ليُظهر خوفه، ما جعل الملك يسخر منه في داخله.
في العادة، تُدار المفاوضات الدبلوماسيّة بلغةٍ أكثر تهذيبًا. وخاصةً أمام الآخرين. وربّما كان حذرُ ويليام الخامس نابعًا من ذلك.
لكن في هذا الموقف، حيث استدعته إيزابيلا بنفسها، كانت نوايا الجميع مكشوفة. فلماذا المواربة؟
ابتسم الملك ابتسامةً ناعمة، وراح يُدلّك يدَ إيزابيلا التي تمسك الإمبليريوم. شعر برجفةٍ خفيفةٍ منها.
“حسنًا. إن اختُطف أحدُ أفراد العائلة المالكة، فليس من اللائق أن يتجاهله الملك، أليس كذلك؟”
<….>
“إن طلبتُ أنا، باسم إيفانيس، تعاونَ غلينترلاند، وإن ساعدت غلينترلاند في إنقاذ أحد أفراد الأسرة المالكة، فلن يستطيع دوق بيرك تجاهلَ فضلِها.”
كان يقترح أن يُسجَّل التعاون باسمه هو.
فالديون بين الدول لا بدّ من سدادها. وإن جعل غلينترلاند تفرض دَينًا على دوق بيرك دون سابق إنذار، فلن يستطيع تجاهل سوليريا.
وإن تفوّقت بحريّة غلينترلاند على توقّعاته، وأنقذت الدوقة الكبرى، فلن يكون أمام كيرتيس سوى الارتماء في أحضانهم.
في تلك اللحظة.
“أنا… أعلم أنّني أتجاوز حدودي، لكن لديّ ما أودّ قوله.”
التعليقات لهذا الفصل " 145"