“هل ظنّت سموّ الدوقة الكبرى أنك ستستطيع قراءة هذا؟”
كان ذلك تعليق نويل بعد أن رأى الخريطة البحرية. فقد أمضى نويل وقتًا طويلًا يحدّق في اتجاهات التيارات البحرية العديدة وخطوط السواحل، قبل أن يدرك أخيرًا أن أحد أطراف الخريطة يمثّل ساحل برادو. ابتسم كيرتيس بسخريةٍ خفيفة.
“أليس من البديهي أن يتعرّف الجندي الإيفانيسي الفخور على خريطةٍ مشفّرة كهذه من النظرة الأولى؟”
كانت تلك سخرية على طريقة كيرتيس. بمعنى أن من لا يستطيع فهم هذا، لا يُعدّ جنديًا من الأساس.
لكن لو أُخذ كلامه على محمل الجد، لما بقي في إيفانيس جنديٌ واحد غير كيرتيس وكلوي. رمق نويل كيرتيس بنظرة استغراب.
“منذ صرتُ صديقكَ وأنا أفكّر بهذا، لكنك اليوم تحديدًا أكثر إزعاجًا من المعتاد.”
“هاهاها.”
لكن داخل كيرتيس لم يكن يضحك أبدًا. كان القلق يعصف به. فقد مرّ يومٌ كامل منذ وصول البرقية، دون أي تواصل من كلوي.
كان ينوي أن يقول بثقة: ‘فهمت كل شيء، سأطلب تعاون تيريزماينيا وننطلق نحو فانتوم، فعودي أدراجكِ بهدوء.’
لكن، لا في تلك الليلة ولا في صباح اليوم التالي، لم يصله أي رد.
قد يُعذر انقطاع التواصل صباحًا أو ظهرًا، لكن الاتصال المسائي كان قد اتُفق عليه كـ”أمرٍ” ثابت بينهما.
لذا، لم يكن هذا مجرّد نسيان للتواصل.
وبما أنه اعتاد إدارة أشخاص لا يُعتمد عليهم، كان كيرتيس يعلم أن مثل هذه الأمور ليست نادرةً. لذلك انتظر حتى صباح اليوم التالي، بلا جدوى. لم تصل أي رسالة من كلوي. فرك الإمبليريوم في كفّه حتى كاد يتآكل، لكن لم يأتِ أي اتصال.
انقطع التواصل تمامًا.
عندها فقط، لفت نظر كيرتيس سطر:
<الحاجة إلى دخول سوريين>.
مستحيل.
حتى في تلك اللحظة، آمن الدوق بأن كلوي لن تدخل سوريين بنفسها بسبب والديها. فإمكانية اختطافها واتخاذها رهينة كانت واردة في الحسبان منذ قبل مغادرتها.
الأشخاص في مكانة الدوقة الكبرى لا ينفّذون عمليات إنقاذ رهائن بأنفسهم. يكفي أن يحرّكوا أتباعهم. لا داعي لأن يتورّطوا شخصيًا…
……تبًّا، أليس كذلك؟
منذ تلك اللحظة، بدأ كيرتيس يفقد هدوءه تمامًا. ونويل، بعد سماعه القصة، بدا عليه الذهول كذلك.
وفي ظهر اليوم نفسه، وصلت برقية أخرى.
<اختطاف الضيف>.
كانت من إيزرا دوبوا، الذي قالت كلوي إنها أبعدته عنها. وحين قرأ كيرتيس البرقية، انفجر غضبًا.
“أيها الوغد! أرسلته ليكون عينًا، فيرسل لي هذا على أنه خبر؟!”
بالطبع، كانت كلوي قد أبعدت إيزرا لهذا الغرض تحديدًا. لكن ذلك لم يخفّف من غضب كيرتيس.
وبعد أن هدأ قليلًا، أدرك أن المثير للسخط حقًا لم يكن إيزرا، بل كلوي نفسها.
‘تعمّدت أن تُختطف.’
كان الأمر واضحًا من النظرة الأولى.
كلوي تُختطف؟ كان كيرتيس يعلم يقينًا أن احتمال أن تُؤخذ غافلة وتُخدّر وتُختطف دون أن تشعر هو احتمال معدوم.
كيرتيس يعرف جيدًا مدى سرعة بديهة كلوي لي دافيد بيرك. ألم تكن تلك المرأة التي، حتى أمام خطر أن يأمر الملك بإعدام كيرتيس، كانت تحرّك لسانها بثبات؟
لم يكن لديه شك. كان قادرًا على أن يقسم بذلك أمام تمثال غرانغآساد المقدّس.
لا يعلم أين أو كيف جرى الاختطاف، لكن من المؤكد أن هذه المرأة دخلت وكر القراصنة بقدميها، وهي تضحك وتتمايل.
ولم يكن توقّع كيرتيس بعيدًا عن الحقيقة.
أنتِ دوقةٌ كبرى. دوقةٌ كبرى، ومع ذلك تُستَخدمين بهذا الاستهتار؟
لكن سرعان ما اجتاحه شعورٌ بالاشمئزاز من نفسه. فإن كان هناك من استغلّ كلوي أكثر من غيره بعد أن صارت دوقة كبرى، فهو نفسه دون شك.
“الوغد… كان أنا.”
غطّى كيرتيس وجهه بكلتا يديه، وأسند ظهره إلى كرسي المكتب. لكن لم يكن الوقت يسمح له بالغرق في جلد الذات.
من منظور رجل نجا من ساحات القتال، كانت الأحزان، وجلد الذات، وتأنيب الضمير، ترفًا لا يملكه إلا من ينعمون بالدفء والشبع.
المعركة لم تبدأ بعد.
دفع كيرتيس مشاعر الاشمئزاز جانبًا، واتجه إلى فريدريك. وهكذا وصل إلى هذه اللحظة.
“فريدريك.”
“تفضّل، يا عمّي.”
رفع فريدريك، المنهك، فنجان الشاي بعد أن هزّ كتفيه وكأنه يقول: هاتِ ما عندك.
“هل تستطيع أن تمنحني قيادة البحرية؟”
بُصِق. وليّ عهد إيفانيس بصق شايه دون أيّ وقار.
ماذا قلت؟ قيادة البحرية؟
“هل قررت أخيرًا التمرّد، يا عمّي؟ لكن إن كنت ستفعل، فلن تكفيك البحرية.”
تظاهر فريدريك بأنه لم يسمع شيئًا، وأطلق نكتة. لكن كيرتيس لم يكن يطارده للمزاح. ولو كان كذلك، لما جال القصر علنًا منذ البداية.
“أنا جاد.”
“…هل هذا كلامٌ يُقال؟ لا يمكن، يا عمّي. ما الذي تفكّر به أصلًا….”
توقّف فريدريك عن الكلام وتنهد. لم تكن هذه أول مرة يرتكب فيها عمّه تصرّفاتٍ غريبة بسبب والده الملك، لكن غرابة هذه المرة كانت غير مسبوقة.
حين استقبل الدوقة الكبرى فجأة، كان الأمر مسلّيًا للمشاهدة. أما الآن، فقيادة البحرية؟
“ثم ما هذا الكلام الذي قلته قبل قليل؟ الدوقة الكبرى اختُطفت على يد قراصنة في مياه غلينترلاند؟ إنها مزحة، أليس كذلك؟”
“ليست مزحةً. إنها الحقيقة.”
نظر فريدريك إلى الدوق بوجه يائس. هذا ليس مزاحًا؟ازدحم رأسه بالأفكار.
كان يعلم أن الدوقة الكبرى خرجت في رحلة لزيارة والديها. لكن قراصنة؟ ولماذا قيادة البحرية؟ ولِمَ تكون تلك المياه تحديدًا غلينترلاند؟
بالطبع، لم تكن أفعال كيرتيس في مطاردته لفريدريك عشوائية. لماذا نشر عمدًا في القصر شائعة من نوع:
“فريدريك! أرجوك! أظن أن زوجتي اختُطفت على يد قراصنة في غلينترلاند!”؟
بعيدًا عن ارتباكه بسبب اختطاف كلوي، كان كيرتيس يدير عقله بخطواتٍ أبعد بكثير من فريدريك.
قيادة البحرية؟ لم يكن بحاجةٍ إليها أصلًا.
فريدريك هو الوحيد، إلى جانب الملك، الذي يتقاسم السلطة العسكرية. وبصفته نائبًا عن الملك، يملك صلاحية منح قيادة القوات لأي قائد وقت الطوارئ.
لكن ما يريده كيرتيس حقًا لم يكن قيادة البحرية.
حتى لو مُنحت له، فهو لا يستطيع ركوب السفن أصلًا.
ثم ماذا يُنتظر من بحرية إيفانيس الحقيرة؟ وبينما كان يفكّر بذلك، خطرت له فكرةٌ أخرى.
‘كان من الصواب إدخالها الجيش البري.’
والمقصود، بالطبع، كلوي. امرأةٌ ذكية، وتؤدي واجباتها على أكمل وجه، وهي نادرةٌ حتى في الجيش البري.
‘القمامة المسماة بالبحرية لا تستحق كلوي.’
متجاهلًا حقيقة أن دخولهـا الجيش البري كان نتيجة مباشرةً لجرائمه السابقة.
حتى طلب التعاون من تيريزماينيا كان منطقيًا.
فكيرتيس نفسه كان سيفعل الشيء ذاته لو كان مكانها. كان سيضع مكافأة على رأس بارثولوميو سرًّا، ويطلب تعاون تيريزماينيا. تمامًا كما أشارت كلوي في برقيتها.
سوريين تقع ضمن المياه المشتركة بين غلينترلاند وتيريزماينيا، لكن على الخريطة هي أقرب إلى تيريزماينيا. وكان مدهشًا أن تتذكّر كلوي ذلك. لا بدّ أنها حفظت جميع الخرائط البحرية عن ظهر قلب.
إذًا، كيف يمكن الإمساك ببارثولوميو بالتعاون مع تيريزماينيا؟
هذا ليس ما يجب على كلوي التفكير فيه.
‘هذا دوري أنا.’
كان قائدًا بالفطرة، وكلوي، إذ تثق به، لم تطلب سوى الحدّ الأدنى.
وضع الخطط من شأن القائد. وقد قامت كلوي بما يكفي وزيادة.
‘أما كون الاختطاف يُعدّ جهدًا أم لا، فذلك حسابٌ لاحق….’
صرّ الدوق أسنانه، موجّهًا غضبه نحو دوقته الكبرى المستهترة بالسلامتها.
على أي حال، كان على كيرتيس أن يمنع الملك من الاستمتاع بهذه القضية حتى يفوّت فرصة التدخّل الحقيقي.
كان عليه، مهما كلف الأمر، أن يستغل هذه الفرصة للإمساك ببارثولوميو، وأن ينتزع من فمه شهادة…
‘تبًّا.’
توقّف كيرتيس فجأة وقطّب جبينه. ماذا لو أن دوقته الكبرى تعمّدت أن تُختطف على يد بارثولوميو لغرضٍ آخر؟
لا، لا. هذا أيضًا أمرٌ يُبحث لاحقًا.
على أي حال، تعمّد كيرتيس نشر شائعة مفادها أن “الدوقة الكبرى ربما اختُطفت في مياه غلينترلاند.”
فجواسيس الملك لم يكونوا في القصر وحده.
وعندما يصل الخبر إلى الملك، سيغتبط، ويفكّر بحماس في إرسال كيرتيس إلى غلينترلاند.
التعليقات لهذا الفصل " 144"