-‘أعتذر، لكن إن لم نبتعد الآن فلنَعبرُ كلانا نهرَ الحديدِ والدم.’
كانت كلماتُ كلوي في محلّها تمامًا.
فمن أجل الإمساك بنقطةِ ضعفِ الملك، ودفعِه إلى الزاوية، لم يكن هناك خلافٌ واحدٌ على قولها إنّ الدوقة الكبرى نفسها يجب أن تذهب.
فكلوي، رغم أنّها تنحدر من عائلة أقل شأنًا بين النبلاء الكبار، إلّا أنّ كونها “الدوقة الكبرى” يجعلها، عند اللحظة الحاسمة، أعظم شاهدٍ يمكن الاستناد إليه.
ولهذا أرسلها كيرتيس إلى زيلتفغ.
إذ بدا له أنّ خطّتها، وهي ضابطةٌ مساعدة لا بأس بها، معقولة إلى حدٍّ كبير. ومع ذلك، وبسبب الأخطار التي ما زالت كامنة، لم يطمئن لذهابها وحدها، فأرسل معها إيزرا وأغات، بل ولأنّ قلبه لم يهدأ، أضاف إليهم حتى إمبليريوم.
***
“إمبليريوم أيضًا؟”
تقبّلت كلوي عقد الإمبليريوم الصغير الذي قدّمه وليّ العهد بشيءٍ من التردّد.
فقد رأت أنّه شيءٌ ثمين أكثر من اللازم لتحمله معها إلى الخارج.
يا للعجب.
ترى ماذا تظنّ أنّ ما في إصبعها الآن؟
فطرق كيرتيس بإصبعه إصبعها الرابع في يدها اليسرى، وبالتحديد الخاتم المغروس هناك، “الشعلة المقداسة”.
“تذكّري أنّكِ ذاهبةٌ إلى زيلتفغ بصفتكِ دوقةً كبرى.”
“…آه.”
آه؟ آه فقط؟
كاد أن يسألها ذلك، لكن كيرتيس كان يعلم أنّ كلوي، التي تحدّق في الخاتم وفمها مفتوح كالبلهاء، لم تكن سوى نبيلةٍ عادية قبل بضعة أشهر فقط.
والشخص الذي رفعها إلى مقام الدوقة الكبرى، هو كيرتيس نفسه.
لذلك كان طبيعيًا ألّا تعي مكانتها تمامًا. ومع هذا، لم يشأ كيرتيس أن يوبّخها.
ففي مثل هذا الوضع، إن كان هناك من يريد قتله، فهو الملك الذي أخرج دوقته الكبرى دون حتى تجهيزٍ لائق.
“سنتبادل المعلومات مرّتين يوميًا، في وقتٍ محدّد.”
إنّ سبب عجز إيزابيلا لا غلينترلاند عن التواصل مع ملك غلينترلاند، كان ببساطة لأنّهما لم يحدّدا وقتًا.
وضع كيرتيس ساعتين جيبيّتين مضبوطتين تمامًا جنبًا إلى جنب، ثم ناول إحداهما إلى كلوي.
فنظرت إليه بوجهٍ غير مستسيغ.
“لديّ ساعة أصلًا…”
“معدّاتٌ بحريّة؟ تلك صمّمها أخي بعد أن اختلس الميزانيّة، تصميمها كارثي. يُقال إنّها تتأخّر عشر دقائق متى غفل صاحبها.”
“ماذا؟! كنت أعلم! هل جلالة الملك سليم العقل أصلًا؟”
قفزت كلوي وكأنّ فأسًا كانت تثق به قد سقط على قدمها.
فضحك كيرتيس ساخرًا.
“لو كان ذاك الرجل سليم العقل، لما تزوّجنا أصلًا.”
لحظة. فهل يجب أن نكون ممتنّين إذًا؟ لقد هدأ غضبه القاتل فجأة.
أي أنّ فكرة ربطه بحجرٍ وإغراقه في البحر يمكن تأجيلها قليلًا…
“تستيقظين في الثامنة صباحًا، أليس كذلك؟ صباحًا، وبعد الظهر… لا، لنقل ثلاث مرّات. ليلًا أيضًا…”
وبينما كان كيرتيس يحدّق في الساعة متردّدًا في تحديد أوقات التواصل، شعرت كلوي بعدم ارتياح.
“سموّك، أنت الآن…”
“ماذا؟ ثلاث مرّاتٍ كثيرة؟”
“لا، لا بأس. حتى لو لم نستطع التواصل مرّة، يمكننا التعويض في الموعد التالي. لكن…”
“ألا يجب ألّا يفوتنا التواصل أصلًا؟”
أمام ردّه الجاف، شدّت كلوي نظرتها وتجهّمت.
“أعتذر، لكن هل هذا أمرٌ تصدره لي الآن؟”
“…وما المشكلة؟”
“إن كان أمرًا فلا بأس، لكن أسلوبك الآن…”
“أسلوبي ماذا.”
“…تبدو كزوجٍ مصاب بداءِ الشك.”
ورغم هذا الكلام المستفز، شبك كيرتيس ذراعيه وأجاب بهدوء.
“الأوّل نتركه جانبًا، أمّا الثاني، هذا ليس صحيحًا؟”
اشتدّ تحديق كلوي.
“سموّك، ما أحتاجه الآن هو أمرٌ آخر.”
أمام كيرتيس شان بيرك الذي بدأ للتوّ يتعرّف إلى الحب، تصرّفت كلوي لي دافيد بيرك ببرودٍ شديد.
“لا أعرف إن كان طلبكَ الآن بصفة الزوج: ‘عزيزتي، لنتبادل الأحاديث ثلاث مرّاتٍ يوميًا.’ أم بصفة القائد صاحب الصلاحيّات.”
“…وهل هناك مشكلة؟”
“إن كان الأوّل، يمكنني تجاهله إن كان الوضع طارئًا، أمّا إن كان الثاني فلا يمكنني ذلك!”
كان كلامها صحيحًا.
وفي تلك اللحظة، فهم كيرتيس قليلًا مشاعر أفراد حرس المملكة الذين كانوا يثورون كلّما سمعوا كلامًا صحيحًا.
كلامٌ صحيح، لكن لماذا يثير الغضب؟
“…إنّه أمر.”
وبالتحديد، أملٌ متنكرٌ في هيئة أمر.
طبعًا، ليس من باب ‘عزيزتي’ وما شابه.
فكيرتيس شان بيرك كان يرى أنّ الاطمئنان على سلامة دوقته الكبرى هو الأهمّ في هذه المهمّة.
فما الكارثة إن اختفى أحد أفراد العائلة المالكة فجأةً في بلدٍ أجنبي؟
ثم إنّه لا يريد أن يقدّم للملك ما يسره. وقبل كلّ شيء، فالتبعات ستكون معقّدة، و…
“لا يبدو كذلك.”
لكن كلوي أصابت تمامًا ازدواجيّة كيرتيس شان بيرك.
فالرجل، رغم أنّه نادرًا ما يظهر قلقه، كان مضطربًا بشدّة ويحاول جاهدًا إخفاء ذلك.
وكلوي، التي عرفت سوء أخلاقه الشهير، استطاعت أن ترى ذلك بوضوح.
“هل لديكِ دليل؟”
“لم يتردّد سموّك قطّ حين يُصدر أوامر للآخرين.”
تعقّد تعبير كيرتيس.
فرحٌ خفيف لأنّها كانت تراقبه عن قرب، وحرجٌ لأنّها كشفت ما في داخله، وإحساسٌ بحدّتها القاطعة، كلّها امتزجت معًا.
وأضافت كلوي:
“بصفتي ضابطةً مساعدة، لا يمكنني ألّا أعرف.”
كان الرجل يتأنّى، لكنّه لا يتردّد. من أبسط التوبيخ، إلى أوامر المعارك.
فإن أخطأ تحمّل المسؤوليّة، لكنّه لم يكن مِمَّن يتركون الآخرين ينتظرون.
وهكذا، دون أن يدري كيرتيس، كانت مشاعر كلوي معقّدة هي الأخرى.
لم تتخيّل يومًا أن ترى هذا الرجل متردّدًا، فكيف إن كان ذلك بسببها؟
لم يكن الأمر مزعجًا، لكن…
“كحّ.”
أمام كيرتيس الذي تنحّى بنظره متحرّجًا ومسرورًا في آنٍ واحد، أرادت أن تقول شيئًا.
مثلًا: “أعتذر، لكن إن أخطأ القائد فالميت ميتة الكلاب سأكون أنا، فهلّا حكمت بعقلٍ بارد؟”
تجمّد خدّا كيرتيس. نظر إليها بعينين لا تفهمان ما سُمع للتوّ.
فأضافت كلوي بلا تعبير:
“وعذرًا، يا عزيزي، أنت تعلم أنّه لا يوجد شيءٌ بيني وبينك الآن، أليس كذلك؟”
امتلأت عينا كيرتيس بالحيرة. وكان ذلك طبيعيًا. فمنذ حادثة الاغتيال، لم يجرؤ على طلب الارتباط بها بجدّيّة. فإلى جانب الزواج القائم، كان قلبه ما يزال قلبَ فتىً جبانٍ تعلّم الحبّ للتوّ.
ومع ذلك، كان يؤمن أنّ الكلمات والضحكات المتبادلة بينهما تشي بوجود مشاعر ضمنيّة.
ولهذا، فإن سماعها تقول فجأة: “زوجٌ مصاب بالشك” أو “احكم بعقلٍ بارد”، جعله يشعر بالحرج، وكأنّه الوحيد الذي كان يلعب لعبة الحبّ.
راقبت كلوي ملامحه المشوّشة، ثم انفجرت ضاحكة.
“هذا ممتعٌ حقًّا.”
وبمجرد هذه الجملة، فهم كيرتيس شان بيرك كلّ شيء. فقد أدرك أنّ كلوي، التي عانت طويلًا من رئيسٍ عديمي الذوق، كانت تعبث به.
ولم يجد كيرتيس ما يقوله سوى:
“اللعنة يا كلوي. حسنًا، إنّه طلبي.”
اعترف بصراحة أنّه قلقٌ عليها.
فضحكت كلوي مجدّدًا، مِمّا أثار حنقه، دون أن يعلم أنّها كانت تضحك لأنّ أذنيه احمرّتا وهو يتحدّث مرغمًا.
وهكذا، اتفق الاثنان على التواصل ثلاث مرّاتٍ يوميًا في أوقاتٍ محدّدة. على أن يكون تواصل المساء فقط أمرًا، والمرّتان الأخريان طلبًا من كيرتيس.
ومع ذلك، لم يزُل قلقه فورًا.
“بالطبع. لو كان قلقك مجرّد عقد إمليريوم واحد، لما رأيتك بهذا الاضطراب.”
كان هذا كلام نويل.
فهو، بطبيعة الحال، كان يعلم أيضًا أنّ آغات قد جرى استدعاؤها لمرافقة الدوقة الكبرى.
التعليقات لهذا الفصل " 141"