كان الاثنان قد بلغا حدّ الإرهاق، فجلسا مترهّلَين في مقهى شاي صغير.
“ألا تعتقدين أنّ والديكِ غير مسؤولَين إلى هذا الحدّ؟ يختفيان هكذا دون أن يتركا أيّ خبر؟”
“يا صغيرتي. هذا السؤال أحمله أنا أيضًا منذ ستةٍ وعشرين عامًا كاملة من عمري، فلا تسألي.”
“صغيرتك؟ من تقصدين؟!”
كانت آغات قد طلبت شايًا مع ثلج، ثم تلقّت جوابًا بالرفض لأنّ مثل هذه الرفاهيّات لا وجود لها في مدينةٍ صغيرة كهذه، فكانت غاضبة أصلًا. أما كلوي، فكانت تنتظر أن يبرد الشاي الساخن، متكئةً على الكرسي وتجيب بفتور.
“وكيف لكِ أن تفهمي حياة عائلة أمبرويز، حيث الوالدان هما الزعيم النهائي لكلّ الشرور في الحياة….”
“ماذا قلتِ؟ (أنتِ)؟”
“أنا أنعت حتى الوريث الثاني للعرش بـ(أنت)، فاعتبريه شرفًا.”
آغات مالت برأسها، إذ لم تفهم مغزى الكلام فورًا، لكن كلوي لم تشعر بأيّ واجبٍ لشرحه لها. بعد أن التزمت آغات الصمت لبرهة، صاحت فجأةً وكأنّها أدركت شيئًا.
“آه! لا تقولي إنّكِ تنعتين كيرتيس خاصّتي بـ(أنت)؟! لا بدّ أنّكِ مجنونة!”
آه، أين أبحث عن هذين الوالدين اللعينين… كانت كلوي قد تجاهلت توبيخ آغات تمامًا، وشبكت ذراعيها وحدّقت في الفراغ تفكّر، حين سُمِع صوتٌ يخاطبهما.
“هل تبحثان عن الزوجين الأجنبيّين اللذين كانا يعيشان في البيت العلوي؟ إن كان الأمر كذلك، فأظنّ أنّني أعرفهما.”
كان المتحدّث رجلًا يجلس في المقعد المجاور داخل المقهى، وله مظهرٌ يوحي بأنّه عاش حياةً صاخبة. بحّارٌ يبدو في الثلاثين من عمره على الأقل، لكن دون أيّ أثر للشيخوخة. بل كان أقرب إلى شاب. طوله الفارع وأطرافه الرشيقة أضفت عليه انطباعًا بالحيويّة.
كان شعره الأحمر طويلًا على هواه، وامتلأت وجنتاه ورقبته وكتفاه وذراعاه بالوشوم. في عينيه الزرقاوين الفاتحتين عبثٌ واضح، لكنّه لم يكن عبثًا فارغًا أو ساذجًا.
“من أنت؟”
ما إن نظرت إليه المرأتان بنظرةٍ حذِرة، حتى ضحك الرجل ولوّح بيده.
“مجرّد شخصٍ عابر.”
“لا تكذب. أيّ شخصٍ عابر يتدخّل في هذا التوقيت المثالي؟”
سألته كلوي وهي تُحدّق فيه، فحكّ مؤخرة عنقه بإحراج.
“بل أنا من يودّ أن يسأل. أتعلمان كم أنتما لافتتان للنظر؟”
“…نحن؟”
تساءلت كلوي وآغات، ثم أدركتا معنى كلامه.
كان المكان مدينةً مينائيّة صغيرة في منطقة زيلتفيغ.
وصفها بمدينةٍ مينائيّة يبدو فخمًا، لكنّها في الحقيقة لا تملك سوى مرفأٍ صغير لا تدخله إلا فرقاطة استطلاع خفيفة بالكاد.
وفي مدينةٍ بهذا الصغر، يكون معظم المارّة مألوفين لبعضهم. لذلك، كان من الطبيعي أن تجذب فتاتان غريبتان مثل كلوي وآغات الأنظار.
وللعلم، كان إيزرا قد رافقهما بأمرٍ من الدوق الأكبر، لكنّه لم يدخل المدينة. للسبب نفسه. فثلاثة أجانب يتجوّلون معًا في بلدٍ آخر لا بدّ أن يلفتوا الانتباه، فما بالك إن كانوا جميعًا عسكريّين.
“وأنت….”
“أنا ميو.”
اسمٌ يصلح لأن يُطلق على قطّ. كادت آغات تضحك، فعضّت شفتها سريعًا لتمنع نفسها.
الرجل أمامها كان طويل القامة وبنيته قويّة. مظهره رشيق، لكنّه ليس نحيلًا أو صغيرًا. ومع ذلك، اسمه ‘ميو’.
قد يبدو الأمر مضحكًا، لكن كلوي لم تُبدِ أيّ استغراب، بل مدّت يدها بهدوء.
“يبدو أنّك من الجنوب.”
في المناطق الجنوبيّة البعيدة عن غلينترلاند، في أرخبيل الجيوش البحريّة، يُطلق البحّارة عمدًا ألقابًا لطيفة تشبه أسماء الفتيات الصغيرات أو القطط. ذلك بسبب خرافةٍ تقول إنّ الأسماء الرنّانة قد تطمع بها صفّارات البحر فتخطف صاحبها.
وعند التأمّل، كانت الوشوم التي تغطّي ذراعي الرجل وكتفيه أيضًا أقرب إلى تعاويذ لدرء النحس مبنيّة على الخرافات. أبرزها وشمٌ على شكل بدرٍ مكتمل، على ما يبدو طلبًا لبركة حاكم القمر. فالأمواج تتبع القمر.
وكما توقّعت، فتح الرجل عينيه بدهشة.
“يا للعجب. معظم الأجانب يسخرون من اسمي فور سماعه.”
بطبيعة الحال، كانت هذه معلومة علّمها لها والداها. لكن كلوي لم تشرح، واكتفت بالتحديق فيه. فابتسم ميو ورفع كتفيه.
“أنا من أهل هذه البلدة، وأعرف الزوجين. بل نحن مقرّبون. زوجا أمبرويز، صحيح؟”
“….”
“وبما أنّكِ تقولين إنّهما والداكِ، فأنتِ كلوي، وهذه ليا؟”
وأشار الرجل إلى آغات ثم إلى كلوي. تضيّقت عينا كلوي، وقبل أن تشرع آغات بالقول: “ها! أنا….” قاطعتها كلوي.
“ولماذا تظنّ ذلك؟”
“لأنّي سمعت أنّ الابنة الكبرى تزوّجت الدوق بيرك.”
“آه.”
ابتسمت كلوي ابتسامةً خفيفة وقالت:
“يبدو أنّك مقرّبٌ فعلًا من والدينا، بما أنّكَ تعرف اسمي. معظم الناس لا يعرفون سوى اسم أختي الكبرى كلوي.”
“إذًا كنتُ محقًّا؟”
استدارت آغات إليهما بعينين متّسعتين كالفوانيس. كان وجهها يقول: هل جُننتِ؟
لكن كلوي تجاهلتها بخفّة، ومدّت يدها للمصافحة.
“ليا أمبرويز. جئتُ أبحث عن والدَيّ. لكن هذه ليست أختي.”
“أوه… إذًا؟”
“هذه الآنسة آغات مونفيس. وقد عيّنها الدوق الأكبر حارسةً لي.”
ابتسم الرجل ابتسامةً عريضة وأمسك بيد كلوي.
“تشرفتُ. رائع. إذًا أنتِ عسكريّة؟ لكن جمالكِ يفوق أن يصدأ في الجيش.”
وكان في نظرته وهو يتفحّص آغات من أعلى لأسفل إعجابٌ واضح. احمرّ وجه آغات ورفعت رأسها بتكبّر.
“لا فائدة من هذا الكلام. قلبي ملكٌ للدوق الأكبر وحده… أممم!”
“آه، ما الذي تقولينه يا آنسة مونفيس؟ على أيّ حال، هل تعرف أين والدانا؟”
سارعت كلوي إلى سدّ فم آغات، وسألت ميو بابتسامة. نظر إليهما بدهشة، ثم ابتسم.
“يصعب الكلام بالمجّان.”
“إن كنتَ تريد المال….”
“ماذا تظنّينني؟”
ابتسم الشاب ابتسامةً مشرقة، ووضع إصبعه على خدّه.
“عندما تُقبّلني فتياتٌ جميلات على خدّي، تكون رحلتي البحريّة التالية دائمًا ناجحة.”
“إغخ! لا شكرًا!”
رفضت آغات فورًا بوجهٍ متقزّز، فتلذّذ الشاب بأسفٍ مصطنع.
“إن كنتِ لا تريدين، فلا بأس… أوه؟”
فقد أمسكت كلوي بصيوان أذنه قبل أن يبتعد. ثم قبّلته.
التعليقات لهذا الفصل " 136"