تمّت الموافقة فورًا على طلب الدوقة الكبرى المفاجئ بالعودة إلى البحرية.
وبما أنّ موافقة كيرتيس شان بيرك قد صدرت، كان ذلك أمرًا بديهيًّا.
حتى القائد الأعلى فيكتور، صاحب القرار النهائي، صادق عليه بسرعة، فلم تستغرق المعاملات الورقية يومين كاملين.
-‘ألن يكون السبب أنّ رؤية ذلك الرئيس اللعين في البيت أيضًا أصبحت مرهقة جدًّا، فقرّرتِ طلب نقل الخدمة إلى العمل؟’
كانت تلك مزحةً أطلقها نويل عندما سمع بخبر عودة كلوي إلى البحرية.
-‘أوه، هذا منظورٌ مثيرٌ للاهتمام؟ سأضعه في الحسبان.’
هكذا أجابت كلوي. لكن بالطبع، لم يكن ذلك هو السبب الحقيقي لطلبها العودة إلى البحرية.
-‘أظنّ أنّ هذا أمر يجب أن أتولّاه بنفسي.’
كانت تلك الكلمات التي قالتها كلوي لكيرتيس عندما طلبت العودة إلى البحرية.
طوال حياتها، عاشت كلوي كقطعةٍ ملحقة بالمؤسّسة العسكرية.
في الأصل، كان المطلوب من أمثالها أن يستمعوا فقط لما يُملى عليهم من فوق، وأن يتقاضوا رواتبهم لا أكثر. ما دامت ليست صاحبة سلطة، فإنّ أغلب أفكارها وتصرفاتها كانت تُعدّ مجرّد اندفاعات لا طائل منها.
لكن، زواجها من كيرتيس شان بيرك علّمها أشياء لم تكن تعرفها من قبل.
كيف يتصرّف المرء بوصفه صاحب سلطة. كيف يضغط على الآخرين دون أن ينطق بكلمةٍ غير مرغوبٍ فيها. وكيف يجمع المعلومات ليستنتج منها.
بخصوص إيزابيلا لا غلينترلاند، جمع كيرتيس شان بيرك معلومات الوشاة وقاد الوضع بناءً عليها. وقد جاءت النتائج قريبةً للغاية من الحقيقة.
كان استخدام ملك غلينترلاند للقراصنة لتحقيق مصالحه أمرًا غير متوقّع، لكنّه لم يكن صادمًا إلى حدٍّ كبير.
لم تمكث كلوي إلى جانبه سوى شهرين تقريبًا. ومع ذلك، ولسببٍ ما، كانت تُعمل عقلها تلقائيًّا في مجريات الأمور. وكان ذلك، جزئيًّا، بسبب حدسٍ قويٍّ يسيطر عليها.
هل بدأ ذلك منذ أن غيّرت إيزابيلا لا غلينترلاند موقفها بسبب آيريس؟ أم ربّما قبل ذلك؟
اسم ملك القراصنة بارثولوميو الذي يتكرّر ذكره باستمرار، وزوج إيزابيلا، آينديفلا. آيريس. كيرشهير.
قد يقول أحدهم إنّ الأمر غير معقول.
لكن أحيانًا، يكون الحدس أقرب إلى الحقيقة من الوقائع الواضحة للعيان.
وكلوي، بعد أن جمعت معطيات الوضع الراهن، خلصت إلى استنتاج واحد.
‘هناك خيطٌ يربط كلّ شيء.’
توقيت صعود بارثولوميو إلى القوّة، والحادثة التي تعرّض لها آينديفلا بلاكوود في طفولته، وحتّى الزمان والمكان اللذان جلب فيهما والداها، زوجا أمبرويز، آيريس. كلّ ذلك كان يتقاطع، ولو بشكلٍ طفيف.
لم تكن الصورة واضحة بعد، كأنّها مغطّاةٌ بضبابٍ كثيف. لكن كان لدى كلوي شعورٌ قويّ بأنّها، إن تتبّعت ذلك الضباب، فستصل إلى شيء ما.
غير أنّ عملها في الحرس الملكي كان يفرض قيودًا كبيرة على التحرّي. كما أنّ تكليف الآخرين بالتحقيق لم يكن خيارًا مطروحًا أصلًا. فالأمر لا يتعلّق فقط بأصل آيريس، بل يمتدّ إلى خنق ملك إيفانيس نفسه.
خطأٌ واحد، وقد تُتّهم بالخيانة. ومن عساه يوافق على التعاون في أمرٍ كهذا؟
لذلك طلبت كلوي العودة إلى البحرية. لأنّ تحرّكها بنفسها هو الخيار الأفضل.
حتّى لو لم يصلها ردّ من زوجي أمبرويز، فقد كانت تتواصل معهما بين الحين والآخر، مِما مكّنها من تخمين مكان وجودهما تقريبًا.
-‘لكن يا كلوي، تحرّككِ بنفسكِ وأنتِ دوقةٌ كبرى قد يجعلكِ لافتة للنظر أكثر.’
-‘لا، بالعكس. لأنّني أنا، فلن ألفت الانتباه.’
كانت كلوي واثقة. خريجة من بحرية. دوقة كبرى منخفضة الشأن. فقيرة، بل وقد وبّخها الملك نفسه علنًا في إحدى الولائم الملكية لجهلها بالآداب.
لذلك، لم يكن غريبًا أن تتصرّف بطريقةٍ ‘لا تليق بدوقةٍ كبرى’. وفوق ذلك، كان هناك عذرٌ آخر.
-‘ليس غريبًا أن ترغب الدوقة الكبرى في رؤية والديها بعد الزواج، أليس كذلك؟’
وكان هذا العذر ممتازًا للغاية. لا سيّما أنّ زوجي أمبرويز، رغم أنّ ابنتهما كانت بطلة الزواج الذي شغل البلاد، لم يعودا إلى إيفانيس.
فعادةً، في زيجةٍ تصاعديّة كهذه، حتّى أكثر الآباء وقارًا ورزانةً يميلون إلى التباهي والتنقّل هنا وهناك.
ومع ذلك، ظلّ كيرتيس متردّدًا حيال عودة كلوي إلى البحرية.
-‘لكن إن كان الأمر كذلك، فلا داعي أصلًا للعودة إلى البحرية.’
-‘بل هناك داعٍ.’
خروجها من إيفانيس هدفه الإمساك بنقطة ضعف الملك.
وسيكون من الصعب استخدام لقب الدوقة الكبرى بصورةٍ طبيعية.
في تلك الحالة، يكون العمل ضمن البحرية أفضل بكثير من التحرك بوصفها من الحرس الملكي. وإن لزم الأمر، يمكنها الادّعاء بأنّها ضابطة خرجت في مهمة خارجية بتمويل من ميزانية البحرية. وهو أمر ممكن، لأنّ بحرية إيفانيس كانت متراخيةً إلى هذا الحدّ.
-‘هل سيكون ذلك صعبًا؟’
-‘ليس مستحيلًا.’
أجاب كيرتيس بذلك، وملامحه معقّدة.
رغم أنّه تشاجر سابقًا مع القائد الأعلى فيكتور، فإنّ عودة كلوي إلى البحرية كانت، في الواقع، تحتاج فقط إلى موافقة كيرتيس شان بيرك. وفوق ذلك، لم تكن تسريحًا، لذا كان وصول يد الملك إلى الأمر لا يزال بعيدًا.
-‘لكن، هناك بعض الأمور المقلقة.’
-‘ما هي؟’
-‘…لا يعجبني أن تبتعدي كثيرًا.’
حتى عند التفكير بالأمر لاحقًا، كانت تلك كلمات هائلة. أن يتذمّر بتلك الطريقة، وبذلك الوجه الجميل، وبنبرة ضجرٍ صريحة…
كلمات تجعل المرء يعيد النظر في ذوقه. وبشقّ الأنفس، تماسكت كلوي.
-‘معذرةً، لكن إن لم نبتعد الآن، فسنضطرّ أنا وأنت لعبور نهر الدمّ الحديدي معًا.’
الحاكم الأوحد غرانغاساد خلق نهر الدمّ الحديدي ليفصل عالمه عن عالم البشر. واجتياز ذلك النهر، الذي يجري بدم غرانغاساد، يعني الموت.
-‘اللعنة.’
في النهاية، رفع كيرتيس الراية البيضاء بالكامل.
وبالطبع، لم تكن هذه هي العقبة الوحيدة. لكن ما قيمة السلطة إن لم تُستخدم؟ قاد كيرتيس، من أجل دوقته الكبرى، تلاعبًا متعمّدًا بوثائق عسكرية.
ومع ذلك، كان لا بدّ من التخلّي عن بعض الأمور. كحوافز… مؤلمة للغاية.
-‘كُف.’
اضطرّت كلوي للتخلّي عن جميع الحوافز التي وُعدت بها عند تعيينها بوصفها مساعدة لكيرتيس.
-‘سنواصل دفع عشرة ملايين سينغ كنفقات مرافقة الدوقة الكبرى.’
نظر كيرتيس إلى إحباطها باستغراب. فمن لم يعرف الفقر، لا يفهم عقلية من عرفه.
-‘وهل يظنّ سموّ وريث العرش الثاني أنّه يفهم معنى الرغبة في توفير سينغ واحد؟’
-‘هل يُلحق عادةً لفظ “سموّ” بوريث العرش الثاني…؟’
وبالطبع، لم يكن هذا هو السبب الوحيد لعودة كلوي إلى البحرية. كان هناك سبب آخر.
أرادت كلوي أن تبتعد قليلًا عن كيرتيس شان بيرك.
ليس لأنّها تكرهه. بل على العكس. لقد وقعت في حبّ كيرتيس شان بيرك، الذي سقط عليها فجأةً ككارثة.
وكان الأمر متبادلًا. كلاهما كان مرتبكًا من تلك الحلاوة التي يتذوّقها لأوّل مرّة في حياته، ومع ذلك، كانا سعيدين.
لكن، للأسف، لم يكن الوضع يسمح بذلك. الملك كان يؤجّج حقده نحوهما، ولم يتردّد حتّى في إرسال محاولات اغتيال.
الحلوى، مهما كانت لذيذة، إن أفرط المرء في أكلها، فسيفسد أسنانه دون أن يشعر.
-‘في مثل هذه الأوقات، يجب النظر إلى البعيد.’
وإلّا فستُفسد الأمور. وعندما قالت ذلك لكيرتيس، نظر إليها بدهشة.
-‘يبدو أنّني اخترتُ متعاقدةً مفرطةً في الإخلاص.’
-‘ماذا تقصد؟’
-‘لم أتوقّع أن تتصرّفي إلى هذا الحدّ كدوقة بيرك الكبرى. إنّه أمرٌ مُرضٍ… بل مُخيف.’
وكانت ابتسامة مريرة معلّقة على طرف فمه. لذلك، لم تستطع كلوي أن تقول: ‘لا، في الحقيقة… كنت أريد فقط أن أنهي كلّ شيء بسرعة، ثم أستلقي وأتقلب كما ينبغي….’
وللعلم، عبارة ‘أتقلب كما ينبغي’ تحمل معاني متعدّدة.
على أيّ حال، بدا أنّ كيرتيس شان بيرك يعتقد أنّها تتعامل مع الأمور بعقليةٍ فائقة التعقيد.
-‘لكن، معذرةً… الشخص الذي اخترته ليكون الدوقة الكبرى ليس بتلك الدرجة من العمق….’
وهكذا، حسمت كلوي أمرها. ستبحث، وبأسرع ما يمكن، عن خيط الربط داخل ذلك الضباب، وتنهي العمل! ثم… تتقلب كما ينبغي!
***
مرّ شهران آخران بعد ذلك. وحلّ الخريف. مستودع صغير في قرية ساحلية هادئة.
وعلى عكس ما عاهدت نفسها عليه في البداية، كانت لا تزال عالقة.
التعليقات لهذا الفصل " 134"