كان ذلك وقحًا إلى أبعد حدّ. لكنّه، في الوقت نفسه، قولٌ لا يمكن دحضه. تظاهرت كلوي بالتحدّيق فيه بغيظ، ثمّ ضحكت بخفّة. أكان حقًّا هكذا؟
“وأنتِ، بِمَ تفكّرين؟”
“أنا فقط سارحة الذهن.”
“كذِب.”
“ولِمَ تعتقد ذلك؟ لأنّني جميلةٌ أيضًا؟”
أجابها كيرتيس ببرودٍ قاسٍ: “لا.”
ضيّقت كلوي عينيها، فضحك الرجل بصوتٍ منخفض.
“في الأصل، عندما يعجز المرء عن ترتيب أفكاره لكثرتها،
يسأل الطرف الآخر عمّا يُفكّر فيه.”
لم يكن ذلك خطأ. فقد كان هناك شيءْ يشغل بالها منذ لحظة. وبالأدقّ، لم تكن مجرّد فضول، بل رغبة في سماع جوابٍ قاطع.
دارت كلوي بعينيها قليلًا، ثمّ فتحت فمها.
“سموّك. لديّ سؤال.”
“تفضّلي.”
“هل تحبّني؟”
“…هذا ما ستسأليّن عنه الآن؟”
في الحقيقة، لم يكن سؤالها هو: هل تحبّني؟ فقد تبادلا قبلة، ولم تكن تلك القبلة خطأً. صحيح أنّ ذلك لم يكن ما خطّط له كيرتيس في البداية، لكنّ مشاعرهما باتت معترفًا بها ضمنيًّا بينهما.
ما كانت كلوي تريد معرفته هو أمرٌ آخر. كيف سيتغيّر تعامل كيرتيس شان بيرك معها بعد هذه الليلة؟
لكنّ التفكير بالأمر يُظهر أنّ هذا ليس شيئًا يُعرف عبر جوابٍ واحد. إنّه أمرٌ يُدرك مع مرور الأيّام.
فكيرتيس نفسه، على الرغم من أنّه كتب معها عقدًا بتلك الطريقة السخيفة، لم يكن ليتوقّع أن تنتهي الأمور إلى هذا الحدّ.
لكنّ المدهش أنّ كيرتيس لم يفعل. بل نهض من وضعه الجانبيّ، وانحنى بجسده فوقها، ينظر إليها من الأعلى وهي مستلقية.
حبست كلوي أنفاسها، ورفعت نظرها إليه بهدوء. حتّى من هذا المنظور، كان رجلًا جميلًا كتمثال.
خطّ فكّه الحادّ، وكتفاه المتينتان، وعيناه الضيّقتان اللتان تحدّقان بها بثبات. وكان ارتفاع صدره وانخفاضه آسرًا على نحوٍ مدهش.
وفي الوقت نفسه، شعرت كلوي بقليلٍ من الخجل. تساءلت كيف تبدو صورتها، وهي مستلقية داخل تلك العينين البنفسجيّتين.
كان الأمر محرجًا ومربكًا، ومع ذلك، بدا لها أنّ توقّعها لجوابٍ حلو جعلها تبدو مجنونة تمامًا.
فهي، حتّى وقتٍ قريب، كانت تنادي هذا الرجل الجالس فوقها بـ”المجنون اللعين”….
“…لا أريد الإجابة.”
وكما جرت عادته، أجاب كيرتيس عن سؤالها بإجابةٍ غير متوقّعة. وبنبرةٍ متجهّمة، سألتْه كلوي دون أن تشعر:
“لماذا؟ هل أنتَ خائف؟”
لماذا خرجت كلمة “خائف”؟ قبل أن تسأل نفسها، جاءه الردّ سريعًا.
“هذا… كأنّي أكشف ضعفي أمام العالم كلّه.”
نعم. كانت كلوي قد أدركت بغريزتها أنّه خائف، حتّى قبل أن ينطق بذلك.
تابع كيرتيس، وهو يلهث قليلًا وهو ينظر إليها:
“لا أريد أن أُفصح لكِ عمّا أشعر به.”
“….”
“لكنّني، في الوقت نفسه، أريد ذلك. ولا أفهم كيف يمكن لهذا أن يكون منطقيًّا.”
لم يكن الرجل قد أدرك بعد أنّ هذا بحدّ ذاته اعترافٌ بالحبّ. تشوّه وجهه الجميل بالحيرة والغرابة والنفور، وفي الوقت نفسه امتلأ بشعورٍ غريب من الامتلاء، ثمّ عاد لينفتح بإشراق، مرارًا وتكرارًا.
“لم أُظهر قلبي لأحدٍ قطّ. سوى مشاعر النفور…. ومعكِ أنتِ تحديدًا، لا أريد أن أُظهر قلبي. لأنّني إن فعلت، سأقع في الأسر….”
أن تولد في عائلةٍ مالكة يعني ذلك. حياةً يصبح فيها الصدق ضعفًا قاتلًا.
لكنّ كيرتيس شان بيرك كان الآن في حالةٍ معقّدة وساذجة. أراد أن يكشف ضعفه أمام كلوي، وأراد، في المقابل، أن تأسره هي تمامًا.
“أريد أن أقول لكِ: افتحي بطني، اطعني كما تشائين، أو افعلي أيّ شيء، فليكن كلّ ذلك وفق هواك.”
“….”
“ربّما أكون مجنونًا فعلًا.”
تلاطمت المشاعر في داخله بعنف. وبينما كانت كلوي تنظر إليه بذهول، انفجرت ضاحكة فجأة.
“لو رأتني نفسي قبل شهرين في هذا الموقف، لقلتُ إنّني مجنونة بلا شكّ.”
“وأنا؟”
“بصراحة؟ سموّك كان مجنونًا في نظري من الأساس.”
ما إن خرجت الكلمات، حتّى انحنى الاثنان من شدّة الضحك.
وسط دوّامة الضحك، اعترف كيرتيس بأنّه، في أوائل فترة تعيين كلوي، سمعها تنعته بـ”المجنون اللعين” في استراحة الضبّاط.
اتّسعت عينا كلوي دهشةً.
“ماذا؟ يعني أنّك كنت تحبّني منذ ذلك الحين.”
لم يُجب كيرتيس. لكنّ كلوي هزّت رأسها بلا اكتراث.
“منطقيّ. كم مرّة أنقذتك أصلًا. إن لم تحبّني بعد كلّ ذلك، فذلك هو الغريب.”
“لا تقولي ذلك.”
“لماذا؟”
هل تعب من الضحك؟ لا. كان كيرتيس قد توقّف عن الضحك، واستلقى على جانبه محدّقًا في السقف.
وسط هذا الاضطراب، ظلّ غير راغب في أن ينطق بحبّه لها صراحةً. ولِمَ؟
لا يعرف. هل لأنّ عليه الاعتراف بأنّه وغدٌ حقيقيّ؟ ذلك لم يكن مخيفًا.
الشيء المخيف حقًّا هو… أن تصبح كلوي ضعفه الحقيقيّ.
“…امنحيني بعض الوقت.”
لم تُلحّ عليه كلوي.
فالمشاعر واضحة. وكان الرجل يتجنّب لفظها بصوتٍ عالٍ، وهذا ليس أمرًا يُجدي معه الإكراه.
هل هو خجل؟ أم خوف؟ أم حرج؟ أم شيءٌ غير ممكن؟ أم لأنّ قيمه محافظةٌ إلى حدٍّ يمنعه من قول كلماتٍ حميميّة لامرأة؟
كلّ ذلك لا يهمّ.
مع أنّها ترغب قليلًا في استفزازه.
“إلى ذلك الحين، آمل أن تكون على علم بأنّك لن تلمسني.”
اتّسعت عينا كيرتيس دهشةً وهو ينظر إليها، ثمّ أدرك فجأة أنّه قد يبدو وكأنّه وغدٌ لا يريد سوى جسد امرأة، فاحمرّ خدّاه.
التعليقات لهذا الفصل " 133"