تلامست الشفاه، وبالملمس الطريّ والناعم الذي لامس شفتيه فجأة، شعر الرجل وكأنّه سيفقد الوعيّ.
قبلة أشبه بالهجوم.
من المؤكّد أنّه هو من جذبها أوّلًا، ومع ذلك كان إحساس كيرتيس واضحًا على هذا النحو.
كأنّها موجة باغتته فجأة.
موجة كانت تبلّل جسده قليلًا قليلًا، وهو يتردّد: هل سيبتلعني هذا البحر أم لا؟ هل أدخل الماء أم لا؟
ثمّ، في لحظة، اجتاحته الموجة دفعةً واحدة….
لهذا لم يكن عبثًا أنّه من سلاح البحريّة أصلًا. فكّر كيرتيس وهو يمرّر يده بلطف على خدّها. ثمّ فصل شفتيه عنها بخفّة.
“….”
في اللحظة التي تلاقت فيها نظراتهما، شعر وكأنّ صدره سينفجر. بسبب العينين الورديّتين اللتين كانتا تنظران إليه بنظرةٍ ضبابيّة.
لا يدري إن كان ما يملأهما ارتباكًا أم شعورًا آخر، لكنّ ذلك الاضطراب المتكدّس فيهما أخاف كيرتيس، الذي كان أصلًا في حالةٍ من الدوار.
لذا، وبينما كانت تفتح فمها لتقول شيئًا، اندفع نحو كلوي من جديد.
القبلة التي تشابكت هذه المرّة بخشونةٍ أكبر من ذي قبل جعلت كلوي تنتفض، ثمّ تغمض عينيها. وابتهج كيرتيس في قرارة نفسه حين استجابت له.
وفي الوقت ذاته، بدا له نفسه مضحكًا. كيف يمكنه أن يُقبّلها، وفي الوقت نفسه يدير عقله بهذا الشكل المحموم؟
كانت قبلةً مُذهلة، لكنّ كيرتيس شان بيرك كان يحمل من الذنوب ما يمنعه من الانغماس فيها بالكامل.
اضطربت مشاعره، وتصادف أنّ داخليهما تواصلا. وهكذا وصلا إلى حدّ التقبيل، لكنّ المهمّ كان ما سيأتي بعد ذلك.
لم يسبق له أن خاض علاقة حبّ، لكنّ كيرتيس أدرك بغريزته مدى أهمّيّة هذه اللحظة.
الأمر نفسه ينطبق على إدارة الجيوش. فحين تتصادم الجيوش، يلزم عددٌ أكبر مِمّا يُتوقّع من الأسباب.
لكن حين تكتمل تلك الشروط وتخوض الجيوش معركتها الأولى، فإنّ الطرف الذي يظفر بزمام المبادرة هو المنتصر.
كان كيرتيس شان بيرك استراتيجيًّا بالفطرة، ويجيد تشغيل عقله بسرعة.
أفضل سيناريو هو أن تنتهي الأمور بقبلة واحدة، ثمّ يبوح بمشاعره.
فالرجل المهذّب ينبغي له أن يعيد تنظيم العلاقة لاحقًا على أساس التفاهم والرضا المتبادل.
لكنّ الذنوب التي ارتكبها في السابق قيّدت قدميه.
لم يخُض تجربة حبٍّ واحدة في حياته، لكن ماذا سيحدث لو ابتعد الآن عن كلوي ومنحها فرصةً لتهدئة رأسها؟
كان كيرتيس يعرف أكثر من أيّ شخصٍ مدى سرعة بديهتها وحدة ذكائها.
تخيّلها بعد قبلةٍ واحدة، تدير نظرها عنه بارتباك. قبلة تُدفن وتُخفى تحت مسمّى الخطأ.
…وهو وضعٌ لم يكن يريده أبدًا.
وفي تلك اللحظة، انفصلت الشفاه التي كانت متشابكة قبل قليل بانسيابيّة.
“…هاه.”
كانت كلوي، التي ظلّ وجهها ممسوكًا بيده طوال الوقت، قد استطاعت أخيرًا أن تأخذ نفسًا صغيرًا. كانت عيناها الورديّتان، اللتان كانتا أشبه بزهور الربيع الرقيقة، قد احمرّتا قليلًا.
وبمفارقةٍ غريبة، ما إن رأى ذلك الوجه حتّى نسي الرجل كلّ الأفكار المزعجة التي كانت تتفتّح في رأسه قبل لحظة.
وبدلًا من ذلك، شبك أصابعه خلف رأس كلوي، وقبّلها بعمقٍ من جديد.
“امـم.”
تشابك اللعاب والأنفاس. مع كلّ شهيق، كان أنفاس كلوي تتدفّق إلى داخله، ومع كلّ زفير، كانت هي تلتقط أنفاسه.
كأنّ أحدهم ضغط على رأسه بقوّة حتّى كاد ينفجر، فلم يعد قادرًا على التفكير في أيّ شيء. كأنّ عقله قد تحطّم بشيءٍ ما. وإلّا، لما كان ليلتهم شفتي شخصٍ آخر بهذا الجشع.
قذر.
قذر.
كان قذرًا ووضيعًا، ومع ذلك شعر بلذّةٍ تكاد تجنّنه. لم يسبق له أن اختبر شعورًا متناقضًا إلى هذا الحدّ.
وهنا فقط، أدرك الرجل حقيقة الاندفاعيّة التي كانت تؤرّقه طوال هذا الوقت.
ذلك الاندفاع الذي كان يشعر به كلّما رأى امرأة، كان شيئًا لطالما اعتبره قذرًا ودنيئًا، وأبعده عن نفسه.
يُقال إنّ المرء لا يعرف الأشياء القريبة منه جيّدًا، لكنّ هذا لا ينطبق إلّا على من يُبقون الآخرين قريبين ويحبّونهم.
أمّا كيرتيس، فقد حاول إبعادها عنه بكلّ قوّته، ولذلك لم يدرك مشاعره تجاهها.
وهكذا، أدرك متأخّرًا جدًّا أنّه كان مفتونًا بها منذ وقتٍ طويل.
حكّته راحة يده من شدّة التوتّر. ولو لم يكن رأس كلوي بين يديه، لربّما طعن كفّه بخنجر.
إذ كان يرغب في أن يمسكها، ويحتويها بين يديه، ويعجنها كما يشاء.
ومن دون أن تدري، كانت كلوي، التي ضاق نفسها، تتحرّك بلا توقّف بين ذراعيه.
للأسف، كانت هذه أوّل مرّة يقبّل فيها الرجل أحدًا، ولم يكن يعرف كيف يقود أنفاس الطرف الآخر. ولهذا، انتهى بها الأمر إلى أن تضرب صدره بقبضتيها.
وبشقّ الأنفس، انفصلت الشفاه. شهقت كلوي وهي تلتقط أنفاسها. عندها فقط استعاد كيرتيس وعيّه وأنزل نظره.
كانت قد أصبحت، من دون أن يشعر، نصفَ محاصَرةٍ تحت جسده. حاول كيرتيس ألّا يضغط عليها أكثر من اللازم، وطبع قبلةً على خدّها.
“ها…”
لم يكن، يقسم بذلك، من هواة تذوّق الطعام. بالنسبة له، كان الطعام مجرّد مصدر طاقة ووسيلة لتعزيز القوّة البدنيّة.
حتّى حين كان يرى كلوي تستمتع بطعام قصر الدوق بمرح، لم يكن يفكّر إلّا بأنّ لياقتها البدنيّة جيّدة.
لكن في هذه اللحظة، شعر كيرتيس أنّه يستطيع فهم أولئك الذين يتأنّون في تذوّق الطعام.
لفّ الرجل يده بلطف حول مؤخرة عنق كلوي، وراح يقبّل أسفل أذنها، وخطّ فكّها، وخدّها، وجفنها.
هو من كان يقبّلها، ومع ذلك لم يفهم لماذا كان قلبه يكاد ينفجر مع كلّ قبلة.
“….”
وبالطبع، المكان الذي كان يرغب في تذوّقه أكثر من غيره… كان الشفاه من جديد.
“امـم.”
داعب اللحم الطريّ بطرف شفتيه، ثمّ عضّه بخفّة وامتصّه. وحين انفتحت شفتا كلوي أخيرًا، فقد الرجل صبره بسرعة، من دون أن ينتظر.
أمام الرجل الذي كان يلتهم أنفاسها، دفعتها كلوي بعيدًا للمرّة الثانية.
“…لا أستطيع التنفّس!”
انسحب الرجل سريعًا، على عكس انغماسه السابق، لكنّه ظلّ متمركزًا فوق جسدها.
حدّق كيرتيس في كلوي التي كانت تنظر إليه بعينين مشوّشتين ومليئتين باللوم. كانت عيناها مائلتين حدّةً، لكنّ ما فيها لم يكن ندمًا بقدر ما كان إثارة. اطمأنّ الرجل في داخله، ثمّ همس.
“تنفّسي بسرعة.”
“….”
“لكي نكمل ما كنّا نفعله.”
احمرّ وجه كلوي بشدّة عند تلك الكلمات.
وفي لحظةٍ عابرة، تذكّر كيرتيس حفل زفافهما. هل كان وجهها كذلك أثناء تلك القبلة؟ لا يعرف. وفي الوقت نفسه، شعر برغبةٍ عارمة في قتل نفسه في الماضي.
يا لابن الكلب اللعين.
لا يتذكّر شيئًا، ومع ذلك تجرّأ على التصرّف بتلك الطريقة، ثمّ تحدّث عن تعويض ورمى حجرًا ملوّنًا وتباهى به.
“كيرتيس.”
من دون أن تعرف ما يدور في رأسه، نادت اسمه. وفي اللحظة نفسها، شعر كيرتيس بقشعريرة لذيذة تسري في رأسه، وكأنّ شعره وفروة رأسه انتصبا معًا.
أن يحدث هذا لمجرّد مناداته باسمه… سحب الرجل جسده بحذرٍ بعيدًا عنها قليلًا.
“لديّ شيء أودّ سؤالك عنه.”
“قولي.”
أجاب باقتضاب، لكنّه في تلك اللحظة راح يتخيّل سيناريوهاتٍ كثيرة.
مثل أن تصرخ فيه كلوي قائلة:
“أيّها الوغد! كان يجب أن نعتبر كلّ شيء لم يحدث. قبّلتك وكان الأمر مقرفًا ومروّعًا!”
ثمّ ترحل.
لم يكن مِمَّن يستمتع بإطلاق العنان لخياله هكذا، لكن منذ لقائه كلوي لي دافيد بيرك، صار خياله يعمل بلا توقّف.
اندفاع، وخيال، ومشاعر تتقلّب بلا توقّف، وبساطة تجعله يفرح لأتفه الأسباب…. كلّ ذلك كان يمتزج في رأسه كلّما فكّر بها، ليقيم مهرجانًا صغيرًا.
‘جرّبي فقط أن تقولي إنّ هذا كان خطأ.’
وعندها، حدّق فيها بعينين متّقدتين.
ليس خطأً.
حتّى لو لم يكن ينوي تقبيلها أصلًا، وكان يريد فقط أن يطلب عناقًا، وحتّى لو كانت هي من أغمضت عينيها من تلقاء نفسها….
في النهاية، قبّلها. مرّتين.
“…يبدو أنّ اللعاب… ليس مشكلة؟”
“هاه؟”
انتفض الرجل قليلًا، ثمّ أدرك أنّ سؤالها يتعلّق بالنفور الذي قد يخلقه امتزاج شخصيّته مع هذا الموقف. أي أنّها كانت تسأل…
التعليقات لهذا الفصل " 131"