كما سيُذكر لاحقًا، فإنّ والد كلوي ووالدتها كانا مقصّرَين إلى حدٍّ ما في أداء واجباتهما كأبوين.
وبتعبير أدقّ، كانا يفتقران إلى الحسّ.
“كانت جدّتنا لأمّنا تقول، بعدما رأت أبي الذي جلبته أمّي: ‘يا للعجب، من أين جاءت بمخلوقٍ كهذا؟’، متحسّرةً.”
كان والدا كلوي من الأشخاص الذين يتفوّقون في أمرٍ واحد، لكنهم يفتقرون إلى أيّ موهبة تُذكر في سواه. فإذا انغمسا في شيءٍ ما، انشغلا إلى درجة أنّهما لا ينتبهان حتى إلى تناول الطعام.
ولهذا السبب، لم تكن لديهما طاقة كافية للاهتمام بالأطفال.
“لذلك، كانت جدّتي تقول مازحةً أحيانًا عن الفترة التي قضيتها أتجوّل مع والديّ حتى سنّ السابعة: ‘عجبًا كيف بقيتِ على قيد الحياة’.”
بعد سماع ذلك، شعر كيرتيس أنّه بات يفهم شخصية كلوي النشيطة، لكن اللامبالية إلى حدٍّ قاسٍ في بعض الجوانب.
وما السبب الذي جعله يختارها تحديدًا كملازمٍ جدير بالثقة؟ كانت كلوي دقيقةً للغاية في عملها.
وليس المقصود هنا الأعمال الورقية فقط. فمن خلال عملها كمساعدة لكيرتيس، كانت بارعةً في إدارة قادة الفِرَق ومراقبتهم.
لعلّ تلك الصفات نُحتت فيها منذ صغرها، وهي تضطرّ للاهتمام بوالدين غير مؤهّلين. كما أنّ عدم اكتراثها بأمورها الشخصية وهدوءها الزائد لا بدّ أنّه نتيجة لذلك أيضًا.
“والدانا لا يمكثان في مكانٍ واحدٍ طويلًا بسبب الأبحاث.
نحن نتواصل عبر صندوق بريد.”
كان هناك صندوق بريد تابع لاتحادٍ بريديّ يشمل نحو عشرة بلدان، من بينها إيفانيس.
وكان ذلك أنسب وسيلة لتواصل كلوي مع والديها. وبسبب انشغالهما الدائم، كان الإخوة يكتبون أخبارهم ويرسلونها إلى ذلك الصندوق.
لم يكن زوجا أمبرويز يعرفان متى سيتمكّنان من قراءة الرسائل المتراكمة هناك، لكنّهما وعدا بأنّهما، متى ما قرآ الرسائل، سيردّان فورًا من المكان نفسه.
“في الحقيقة، لم أرسل رسالة مؤخرًا لكثرة انشغالي،
لكن غالبًا ليا أرسلت.”
“حتى خبر الزواج؟”
رمشت كلوي بعينيها وأجابت:
“ومنذ متى حصل ذلك؟ أُرسل منذ وقتٍ طويل.”
“هكذا إذًا.”
“حسنًا، الأمر محيّر قليلًا. لم يصلني ردٌّ بعد.”
كان تأخّر الردود أمرًا شائعًا، لكن خبر زواج كلوي لم يكن حدثًا عاديًا.
فلو اطّلعا على الصحف، أو حتى لو لم يطّلعا، لكانا سمعا من المحيطين بهما وهرعا لتفقد الصندوق. ألم يحظَ إريك بمعاملةٍ خاصة في الأكاديمية العسكرية فقط لأنّ لقبه هو “أمبرويز”؟
“لأنهما عنيدان إلى درجةٍ قد تجعلهما معتكفَين في مكانٍ ناءٍ بلا بشر، قررتُ الانتظار قليلًا.”
كان كيرتيس قد تلقّى تقريرًا موجزًا عن زوجي أمبرويز من قبل، فهم شخصيتهما على نحوٍ عام.
لكن سماع الأمر مباشرةً من كلوي جعل العائلة تبدو أغرب مِمّا تخيّل.
ومع ذلك، كان أكثر ما أدهشه هو أنّ العلاقة بينهم تبدو جيّدة. وقف كيرتيس قرب النافذة يستمع إليها، ثم سأل بفضول:
“لكن، لماذا تنوين الاتصال بوالديكِ الآن؟”
“أخبرتُك أنّ والديّ أخذا المنزل مقابل رهن معاشهما.
والمنزل مرهون، فبمَ سيعيشان إذًا؟”
أجاب كيرتيس بشيءٍ من الشكّ:
“…بأموال الأبحاث؟”
“إجابةٌ صحيحة. وكما في السابق، لا توجد جائزة.”
“لم أكن أتوقّعها أصلًا. وتابعِي.”
“بدقّةٍ أكبر، يتلقّى والداي طلبات أبحاث من بحريات الدول المختلفة أو من الموانئ، ويحصلان على تمويل مقابلها. ذلك السدّ البحري الشهير في تيريزماينيا قائمٌ على أبحاثهما.”
“آه، فهمت.”
عاصمة تيريزماينيا مدينةٌ ساحلية.
لكن بسبب طبيعة التضاريس، كانت تتعرّض دائمًا لأضرار جسيمة عند هبوب الأعاصير، كما كانت الأراضي تتآكل تدريجيًا.
وبعد أن أظهرت الدراسات أنّ القصر الملكي نفسه سيكون مهدّدًا، تقرّر تشييد سدٍّ بحريّ ضخم. كان مشروعًا مكلفًا حتى بالنسبة لتيريزماينيا الثرية.
لكن، وما إن اكتمل السدّ، حتى ضرب إعصارٌ هائل البلاد. ولولا السدّ، لكانت الخسائر جسيمة، وربما دُمّرت سفن البحرية كلّها. غير أنّ السفن خرجت سالمة، بفضل السدّ. وقد أثار ذلك إعجاب الدول الأخرى وحسدها.
حين علم كيرتيس أنّ ذلك كان من إنجاز زوجي أمبرويز، لم يُخفِ دهشته.
“ساحل برادو هو المكان الذي لطالما أراد والدي دراسته.
لكنّ إجراء الأبحاث هنا في إيفانيس صعب.”
“لأنّه أرضٌ مقدّسة.”
كان زوجا أمبرويز، عند عودتهما من الرحلات الطويلة، يحرصان دائمًا على إخبار الأطفال بما أنجزاه.
فبذلك فقط يمكن للأطفال أن يفهموا والديهم اللذين يتركانهم ويسافران من أجل البحث. وكان الإخوة يفخرون دائمًا بوالديهم.
لكن مرّةً واحدة فقط، قبل بضع سنوات، سألت كلوي والديها بحذر إن كان بإمكانهما البقاء في المنزل. كان ذلك حين لم تعد إيريس قادرة على الذهاب إلى المدرسة.
كانت إيريس في الثامنة آنذاك.
كانت بحاجة إلى معلّم خاص، لكنّها كانت بحاجة أكبر إلى رعاية شخصٍ بالغ.
بقي زوجا أمبرويز في المنزل قرابة ثلاثة أشهر. لكن لم يكن بوسعهما البقاء أكثر. فإعالة ستّة أفراد من دخل كلوي وحدها لم يكن أمرًا ممكنًا.
وفي تلك الفترة، علقت في ذاكرة كلوي عبارةٌ واحدة قالها والدها:
-‘ليتنا نستطيع دراسة ساحل برادو هنا في إيفانيس….’
حتى لدى زوجين لا يكفّان عن البحث، كانت هناك هواية.
فوالد كلوي، سيمون، كان شغوفًا بمراقبة التيارات البحرية في ساحل برادو.
وبفضل أبحاث والدتها حول الجروف الساحلية، كان بإمكانه الاقتراب من الجدار الصخري ومراقبة التيارات من الأعلى.
لكن ذلك لم يكن يُعدّ بحثًا حقيقيًا.
‘لا نملك المال لإطلاق سفينة. أظنّ أنّ التيار الرئيسي لغرانغ آساد يتوقّف ويتفرّق قرب هذه المنطقة، ومن المؤكّد أنّ جزءًا منه ينجذب إلى برادو….’
“افترض والدي أنّ التيار المركزي لأكبر تيّارٍ بحريّ في العالم يتفكّك حين يلتقي بالدوّامات المعقّدة لساحل برادو، وأنّه إذا اخترقت السفينة تلك الفجوات وركبت التيّار، فستتمكّن من الوصول إلى الساحل بأمان.”
لكن الفرضية، مهما بُنيت بإتقان، تظلّ بلا قيمة إن لم تُختبر. قدّم الزوجان خطة بحث إلى المعهد الملكي للأبحاث في إيفانيس ليتمكّنا من البقاء مع أطفالهم، لكن الردّ كان واحدًا: لا يمكن الدعم.
وفي النهاية، اضطرّا إلى الرحيل مجددًا. فمن أجل إطعام الأطفال، لم يكن هناك خيار سوى قبول أبحاثٍ في دولٍ أخرى.
“بمعنى آخر، قد يكون والداي يمتلكان المفتاح الذي يسمح للسفن بالاقتراب من ساحل برادو.”
رفعت كلوي كتفيها بفخر واضح.
وكان وجه كيرتيس، الذي ظلّ يستمع إليها واقفًا قرب النافذة ويداه خلف ظهره، قد أشرق هو الآخر.
وكان ذلك طبيعيًا.
فكلام كلوي يعني أنّ كيرتيس شان بيرك قد يحصل على وسيلة تمكّنه من الوصول إلى ساحل برادو، ومن ثمّ محاصرة الملك دوليًا.
“ما رأيك؟”
“….”
“قد لا يليق بي قول ذلك، لكنّ جلالتك حقًا محظوظ.”
كيف يمكن لشخصٍ أن يكون نافعًا إلى هذا الحدّ في شتّى الجوانب!
قالت ذلك، ثم رمقته بنظرةٍ خاطفة. في الحقيقة، كانت تحاول أن تلمّح بشكلٍ غير مباشر إلى مسألة تمويل أبحاث والديها.
فأمنية عائلة أمبرويز القديمة كانت أن يعيشوا جميعًا معًا.
“كلوي، أنتِ…”
وكما كان متوقّعًا، تقدّم كيرتيس شان بيرك نحوها بخطواتٍ واسعة من جهة النافذة، فاتحًا ذراعيه كما لو أنّه سيحتضنها….
…فاتحًا ذراعيه؟
كادت كلوي تقفز فزعًا.
عندها فقط أدركت وضعها متأخّرة. فقد كانت مستغرقة في الحديث دون انتباه، وكان الوقت قد بلغ عمق الليل، قبيل الفجر.
وكانت في غرفة نوم الدوق، وهما وحدهما.
صحيح أنّها لا تزال بزيّها العسكري، لكنّها كانت ترتدي قميصًا واحدًا فقط.
غير أنّ الزمن لم يمنحها فرصةً للتفكير في الهرب. كان كيرتيس قد أصبح على بُعد أنفاسٍ منها. صرخت كلوي دون وعي:
“يا لوقاحتك….”
لكن كلماتها لم تكتمل، إذ ابتلعتها في حلقها. فقد اندفع كيرتيس شان بيرك نحوها ركضًا، وأمسك بعنقها وسقط معها بجانب السرير كما لو أنّهما يتدحرجان.
تحطّم!
ومع صوت تكسّرٍ عنيف، اجتاح ألمٌ ثقيل مرفقها وأسفل ظهرها عند اصطدامهما بالأرض.
“ما الذي…”
لم تجد وقتًا للاحتجاج. فوق رأسها مباشرةً، دوّى صوتٌ مكتوم. رفعت كلوي نظرها، وكادت تفقد الوعيّ. كان سهمٌ أزرق من حجرٍ سحريّ مغروسًا في الجدار الذي كانت تستند إليه قبل لحظات.
فشــــش….
جمّد السهم المنطقة المحيطة به بالكامل، ثم تفتّت كضباب.
نقر كيرتيس بلسانه وهو فوقها.
“تسك.”
ثم همس: “آسف، يا ملازم.”
آه، بالطبع، كانت تلك العبارة أكثر ما تتمنّى سماعه من كيرتيس شان بيرك الذي كان يستغلّها بمهارة. لكن ليس في مثل هذا الموقف.
عن أيّ اعتذارٍ يتحدّث؟
لم تُتح لها فرصة السؤال. فقد دفعها كيرتيس بعيدًا بعنف. خرج منها أنينٌ مكتوم، لكن قبل أن تعترض، تحطّمت النافذة بصوتٍ مدوٍّ.
“لا تخرجي.”
ومع تلك الكلمات، انطفأ الضوء. غمر الظلام الدامس المكان.
التعليقات لهذا الفصل " 125"