كانت وفاة الملكة ميلدريد مليئة بجوانب كثيرة غير واضحة. قصرٌ في دولة أجنبية، وحريقٌ اندلع فجأة. وبما أنّ الحادثة وقعت في دولة ثالثة ليست غلينترلاند ولا إيفانيس، كان من الصعب التحقيق فيها تحقيقًا كاملًا.
لذلك، انتشرت نظرياتُ المؤامرة بشكل طبيعي. وخاصةً حين شاع في ذلك الوقت أنّ كيرتيس شان بيرك الصغير كان من المقرر أن يقيم في ذلك القصر، بدأ الفضوليون يتهامسون خفيةً عمّا إذا كان الملك هو الجاني.
“لكن على أيّ حال، لا أظنّ أنّ لذلك علاقةً مباشرة بهذه القضية.”
كانت كيرشهير أوسع مما يُظنّ. وكانت منطقة بعيدة نسبيًا عن خليج سوليريا، ومشهورة بكونها مكانًا مثاليًا للاستجمام. ولم تكن الملكة ميلدريد وحدها من امتلك قصرًا هناك. صحيح أنّ ذلك الوصف لم يعد صالحًا بعد أن اشتدّ نفوذ بارثولوميو، لكن على أيّ حال.
وفوق ذلك، وبأخذ عدم معرفة العمر الدقيق لآيريس بعين الاعتبار، كان هناك فارقٌ زمني يقدَّر بعدّة سنوات بين وفاة الملكة وبين قضية آيريس.
“أنا أيضًا فضولية بشأن هوية آيريس الحقيقية. لكن لا أرغب في ربطها بهذه القضية.”
كان ذلك صحيحًا. فقد أحضر والدا كلوي آيريس إلى إيفانيس بعد أن أصبحت قادرة، ولو بشكل محدود، على الكلام.
-‘ما هذا؟! هل أنجبتِ طفلًا آخر؟!’
-‘مهلًا يا كلوي، أمكِ ليست إلى هذا الحدّ. أنا أيضًا كبرتُ في السن.’
-‘إذًا ما الأمر؟! من أين التقطتماها؟!’
-‘إنها طفلة مسكينة كانت ملقاة في الطريق. القرى المحيطة احترقت كلّها.’
-‘حقًا التقطتماها من الطريق؟!’
كان عثور والدي كلوي على الطفلة في كيرشهير محض صدفة فعلًا.
في ذلك الوقت، كان من بين أهمّ السلع التي يتاجر بها القراصنة، وعلى رأسهم بارثولوميو، الأطفال.
وقد تعرّض أحد تجّار العبيد الذين كانوا يتعاملون سرًا مع القراصنة للمساءلة من قبل شخصية نافذة، فاضطرّ، في عجلته، إلى بيع الأطفال لأيّ شخصٍ وبثمن بخس للتخلّص من الأدلّة.
شاهد والدا كلوي ذلك المشهد صدفة، فأنفقا كلّ ما معهما من مال لتحرير الأطفال.
وبالطبع، حين سمعت كلوي هذه القصة آنذاك، كادت تزبد من الغضب ويغمى عليها، لكن تلك قصة لاحقة.
تراوحت أعمار الأطفال بين خمسة أو ستة أعوام إلى منتصف سنّ المراهقة.
-‘حين فكّرتُ بكِ وبإريك وليا، لم أستطع تجاهلهم.’
وبالمناسبة، ردّت كلوي على والدها الذي قال ذلك صارخة:
-‘أليس هذا غشًّا؟!’
لكن في قرارة نفسها، كانت تعلم أنّها كانت ستشعر بخيبة أمل لو أنّ والديها تجاهلوا أولئك الأطفال ومضوا في طريقهم.
على أيّ حال، بذل زوجا أمبرويز جهدًا كبيرًا في إيداع الأطفال الذين تحرّروا مقابل المال لدى أشخاص موثوقين.
فلو لم يفعلوا، لكان احتمال إعادة القبض عليهم أو بيعهم مجددًا كبيرًا.
وبما أنّ زوجي أمبرويز كانا باحثَين، لكنهما في الوقت نفسه مسافران دائمًا، لم يكن بمقدورهما تحمّل مسؤولية الأطفال، فكان ذلك أقصى ما استطاعا فعله.
لكن آيريس، التي لم تكن قد أتمّت عامًا واحدًا بعد، كانت استثناءً.
لم يكن هناك أحد مستعدّ لرعاية رضيعة هزيلة كهذه.
جال زوجا أمبرويز في المناطق المحيطة طويلًا بحثًا عن والدي الطفلة أو أقاربها، لكن بلا جدوى.
وكان السبب الأكبر أنّ المنطقة بأسرها كانت تتحوّل تباعًا إلى أنقاض على يد بارثولوميو.
-‘هذا تقليدٌ لدى سكّان منطقة كيرشهير.’
كان الوشم خلف أذن إيريس في ذلك الوقت واضحًا للغاية.
نقشٌ داكن يشبه الهلال، أو عينًا مغمضة نصف إغماضة.
ابتسمت والدة كلوي بلطف وهي تمسح خلف أذن إيريس.
‘الأشخاص الذين يتشاركون الدم نفسه يضعون وشمًا متشابهًا. لكنها لا تكون متطابقةً تمامًا.’
فإذا كان الإخوة المولودون من الأمّ نفسها يضعون وشمًا يرمز إلى الشمس، فإنّ أبناءهم يضيفون إلى ذلك الرمز عنصرًا آخر. وشم يثبت أنّ الأصل واحد.
مكث زوجا أمبرويز طويلًا في منطقة كيرشهير محاولَين العثور على شخص يحمل وشمًا مشابهًا لوشم آيريس، لكن الأمر لم يكن سهلًا. وفوق ذلك، فقد أنفقا كلّ المال في إنقاذ الأطفال. وللعلم، كان ذلك المال هو مخصّصات بحثٍ لستة أشهر قد تلقّياها من البحرية في تيريزماينيا.
في النهاية، عاد الاثنان إلى إيفانيس، وتركوا آيريس في رعاية كلوي.
“كنتِ في الثامنة عشرة آنذاك، أليس كذلك؟”
“وما العمل إذًا؟ لم تكن جدّتي على قيد الحياة حينها.”
أجابت كلوي ببرود.
كانت جدّتها قد توفّيت حين بلغت هي الخامسة عشرة، ولم يكن هناك من يتولّى رعاية إيريس.
نظر كيرتيس إليها بدهشة قبل أن يسألها:
“ألم تكرهي الأمر؟”
“حتى لو كرهته، لم يكن هناك خيار. لذلك حاولت أن أجبر نفسي على حُبّها.”
هل يجعل الترحال الدائم مع والدين غير مبالين الإنسان ينضج باكرًا؟
على أيّ حال، لم يكن لدى كلوي توقّعاتٌ كبيرة من والديها، لذلك لم تُصب بخيبة أمل.
بل رأت أنّ اصطحابهما لإيريس أثناء ترحالهما كان سيؤدي إلى نتيجة أسوأ.
وهكذا، أصبحت إيريس في العلن طفلةً وُلدت لزوجي أمبرويز في الخارج.
وكانت كلوي، بلا تردّد، تؤدّب كلّ من يتهامس أو يتفوّه بسخافات أمامها.
“الآن، بات العثور على والدي إيريس الحقيقيين أمرًا مخيفًا أكثر. لقد أصبحنا عائلةً متكاملة. ولا حاجة لانتقامٍ من النوع الذي تفكّر به دوقة غلينترلاند.”
كان حبّها لإيريس واضحًا على وجهها دون أيّ مواربة.
كان الأمر مفارقةً عجيبة.
فقد فكّر كيرتيس بذلك من قبل، لكن حين استحضر الملك الذي، رغم أنّه من الدم نفسه، كان يتربّص به ليُمزّقه، لم يستطع إلّا أن يجد كلوي مدهشة.
كيف يمكنها أن تحبّ فردًا من العائلة لا يمتّ لها بصلة دم، ويختلف عنها حتى في لون البشرة، إلى هذا الحدّ؟
قالت إنها حاولت أن تحبّها، لكن هل المشاعر شيء يمكن بلوغه بالجهد؟ إن كان الأمر كذلك، فهل يكفي أن يحاول المرء ليحبّ أيّ شخص؟
هل أنتِ كذلك؟
عضّ كيرتيس على شفتيه عمدًا. يبدو أنّه كان متعبًا اليوم، فالأفكار السخيفة تكاد تنفلت من رأسه.
“على أيّ حال، لنتوقّف عن الحديث عن إيريس هنا.
جلالتك تريد تفتيش ساحل برادو، أليس كذلك؟”
وكأنّ كلوي قرأت ما يدور في ذهنه، غيّرت الموضوع في التوقيت المناسب. تنحنح كيرتيس بخفّة وأومأ.
“نعم. إن كان بارثولوميو فعلًا في ساحل برادو، فسيضع ذلك أخي في مأزقٍ كبير.”
“أليس من الممكن ألّا يكون هناك أصلًا؟”
“لا يهمّ. نجعله يكون هناك.”
اتّسعت عينا كلوي فجأة. من الواضح أنّها فهمت قصده فورًا. ورؤية ردّ فعلها هذا جعلت كيرتيس يشعر بمتعة غريبة.
“تقترح أن نلفّق أنّ بارثولوميو أقام هناك؟”
“بالضبط. حتى نحن لاحظنا أنّه مكانٌ مناسب من حيث الملابسات، أليس كذلك؟ لذا ستكون القصة مقنعة إلى حدٍّ لا بأس به.”
“هناك مشكلة.”
“مع أخي، لا مشكلة.”
كان كيرتيس يخطّط لجعل ساحل برادو يبدو وكأنّه كان قاعدةً لبارثولوميو.
وما الضرر في شهادة زور؟ سيجد الملك نفسه في ورطةٍ حقيقية.
بدت كلوي وكأنها تقلق من مكائد الملك، لكن الملك لا يملك بحرية يمكنه تحريكها. أو بالأحرى، البحرية لم تعد سوى حثالة….
“ليس هذا ما أقصده.”
كسرت كلوي خيالات كيرتيس، ونظرت إليه بعينٍ لا تفهمه إطلاقًا قبل أن تتحدّث.
“فكرة جعله قاعدةً لبارثولوميو، مفهوم. ويمكن استخدامها كحبلٍ مناسب لشدّ عنق جلالة الملك.”
“لكن؟”
“لكن… ما زلت عاجز عن حلّ المشكلة الآنية أمام عينيك.”
“ما هي؟”
“السفينة.”
ارتعش طرف فم كيرتيس، بينما اكتفت كلوي بهزّ كتفيها.
ثم أضافت:
“الوصول إلى ساحل برادو صعبٌ برًّا، لكنه أصعب بأضعاف بحرًا. برًّا، لا بدّ من شقّ الجبال للدخول، وبحرًا، لا أحد يستطيع الإبحار هناك.”
“وكما أنّ من يريد ترتيب منزلٍ عليه أن يكون داخله، فإنّ من يريد جعل ساحل برادو يبدو وكأنّه قاعدة استخدمها بارثولوميو، عليه أن يدخل إلى ساحل برادو نفسه.”
لكن كيف؟ هذا هو السؤال الذي كانت كلوي تطرحه.
فقد كيرتيس القدرة على الردّ، وأخذ يفتح فمه ويغلقه كـ سمكة. تنهدت كلوي بعمق وهي تنظر إليه باستعراض.
‘…لا! ليس كذلك! لستُ غبيًّا! فكّرتُ في الأمر فعلًا!’
وبدلًا من قول ذلك، تمتم كيرتيس بتبريرٍ محرج:
“لم أفكّر في الأمر حتى تلك المرحلة. لكن لو تقدّمنا برًّا ببطء، وعلى مهل….”
“هل رأيتَ حربًا تُكسب بالبطء والتمهّل؟”
كان كيرتيس جنديًا كفؤًا، وكان يعلم أنّ كلام كلوي صحيح. ومع ذلك، ولسببٍ ما، لم يشأ أن يومئ برأسه موافقًا الآن. هل هذا ما يُسمّى الغيظ؟
سواء أعجبه أم لا، تنهدت كلوي وهي ترسم خطًا تحت الخربشات التي كانت قد دوّنتها.
“سأبدأ بالاتصال أوّلًا.”
“الاتصال؟”
“بوالدَيّ.”
شعر كيرتيس ببعض الارتباك.
“كنتِ… على تواصلٍ معهما؟”
“نعم، بالطبع. تزوّجتُ من جلالتك خلال أسبوعٍ واحد كما لو أنّنا نشوي الفاصولياء بلهيب البرق، لكنني ابنةٌ بارة أتواصل مع والديّ بانتظام.”
قالت ذلك بسخرية.
لا، ليس هذا ما قصده.
تساءل كيرتيس إن كانت هذه فعلًا الإجابة الصحيحة على سؤاله.
التعليقات لهذا الفصل " 124"