عندما عاد الاثنان إلى مقرّ الدوق الأكبر، كان الوقت قد تأخّر كثيرًا.
وبالرغم من أنّ كلوي قالت إنها ستكتفي بعشاءٍ خفيف، أصرّ الدوق الأكبر على أن يُجبرها على تناول وجبةٍ كاملة، ثم جلسا معًا في صالة الاستقبال داخل غرفته.
“هل سبق لكِ أن ذهبتِ إلى ساحل برادو؟”
“نعم، سبق لي ذلك.”
“نجوتِ بصعوبةٍ إذًا.”
“يبدو ذلك فعلًا.”
حكّت كلوي خدّها بخجل.
ساحل برادو، الساحل الوحيد في إيفانيس.
في الحقيقة، من الأدقّ أن يُسمّى خليج برادو، لكن بما أنّه البحر الوحيد الذي يمكن العثور عليه ضمن أراضي إيفانيس، جرى تعميم تسميته كساحل.
“متى ذهبتِ إلى هناك؟”
“خلال مهرجان الحماية. مع أنّ تسميته ساحلًا فيه شيءٌ من المبالغة.”
“…كنتُ أظنّ أنّ الأمر لا علاقة له بمهمة.”
ساحل برادو مُصنّف في قوانين مملكة إيفانيس كأرضٍ للتنين. والسبب أسطورة تقول إنّ تنينًا نام هناك قبل ثلاثمئة عام.
ولهذا، نادرًا ما تُبحر البحرية الخاصة لإيفانيس في تلك المياه، ربما مرّةً واحدة في السنة، إن حدث ذلك أصلًا. بحجّة أنّه لا يجوز إيقاظ التنين من سباته.
في الحقيقة، ذلك هراء.
“التيّارات البحرية هناك عنيفة، أليس كذلك؟ أفراد البحرية يكرهون الإبحار هناك أصلًا.”
“ليس هذا ما ينبغي أن يقوله بحّارة.”
“وأنا أوافقك الرأي.”
من منظور من يقود السفن، فإنّ ساحل برادو هو بحر الموت بعينه. منذ الجروف الصخرية الواقعة في نهاية الخليج، تتشكّل دوّامات هائلة من التيّارات البحرية. فالتيّارات المعاكسة غير المستقرة، عندما تصطدم بالجرف، تتحوّل إلى تيّارات ارتدادية خطيرة.
وإن تمّ تفادي تلك التيّارات، فهناك منطقة ركود بلا رياح تنتظر السفن. الإبحار في مكانٍ لا تهبّ فيه نسمةٌ واحدة أمرٌ شاقٌّ للغاية، إلّا إن كانت السفينة من نوع القادس المحمّل بالعبيد.
لكن حتى القادس، من الصعب عليه مجابهة التيّارات المعاكسة.
لذلك، يمكن القول إنّ ساحل برادو مكان غير صالح للملاحة من الأساس. وكان للبحرية الخاصة بإيفانيس سببها الوجيه في ذلك.
وهكذا، كانت البحرية ترابط أمام ساحل برادو، لكنها نادرًا ما تقترب من البحر نفسه.
في الربيع، تُطلق سفينة واحدة فقط.
بحجّة الدعاء لأن يستيقظ التنين ويحمي إيفانيس، وهي في الواقع مجرّد سفينة مخصّصة لإطلاق الألعاب النارية خلال مهرجان الحماية الذي ابتكره أناس يريدون التنزّه بين أزهار الربيع.
بل إنّ القول إنّ تلك السفينة تُبحر في ساحل برادو فيه مبالغة أيضًا. فمهرجان الحماية يُقام في روا برادو، حيث يقع مقرّ البحرية.
السفينة التي تُطلق الألعاب النارية خلال مهرجان الربيع، تبحر فوق أحد فروع النهر الذي يصبّ في ساحل برادو. ولهذا قالت كلوي إنّ قولها إنها ذهبت إلى الساحل ليس دقيقًا تمامًا.
“إذًا، يمكن القول إنّ ساحل برادو أرض لم تطأها أيدي البشر تقريبًا منذ تأسيس المملكة، أي منذ ما يقارب ثلاثمئة عام.”
“هذا صحيح.”
أومأت كلوي برأسها.
روا برادو تبعد عن ساحل برادو نحو ثلاثين دقيقة بالعربة. أن يكون مقرّ البحرية في مكان لا يُرى منه البحر أصلًا! لكن ذلك هو الواقع، وقد استمرّ على هذا الحال طوال ثلاثمئة عام.
“هل تظنّ أنّ بارثولوميو موجود في ساحل برادو؟”
سألت كلوي بحذر.
مسح كيرتيس ذقنه.
“على الأقلّ، الاحتمال أكبر بكثير من سوليريا.”
من بين ما قالته إيزابيلا، كان أكثر ما شدّ انتباه كيرتيس هو حديثها عن مقرّ بارثولوميو، كما يدّعي زوجها آينديفلا.
الجواسيس كانوا قد أرسلوا تقارير عن المعلومات التي يروّجها آينديفلا بلاكوود، وهو يتنقّل بين الدول مدّعيًا قيادته لحملة القضاء على بارثولوميو.
في الآونة الأخيرة، بدا وكأنّه يكرّر كلامًا محدّدًا كدميةٍ محرّكة، إمّا مكرهًا بسبب إيزابيلا وطفله، أو مجبرًا تمامًا.
لكن بحسب تقارير الجواسيس، فإنّ المواقع التي كان قد طرحها سابقًا كمقرّ محتمل لبارثولوميو، كانت تحمل منطقًا معقولًا. وإيزابيلا نفسها كانت، بناءً على ذلك، تميل إلى الاعتقاد بأنّ بارثولوميو قد يكون في سوليريا، أو في ساحل برادو.
“سوليريا فقيرة وغير متطوّرة، وقد تكون مكانًا مناسبًا لاتّخاذها قاعدة للقراصنة. لكن لو كان الأمر كذلك، لانكشفوا منذ زمن.”
“لأنها أرض يمرّ بها الناس باستمرار.”
“بالضبط. وهذا مختلف تمامًا عن تردّد القراصنة على بيوت الدعارة والحانات.”
ليس جديدًا أن يتنقّل القراصنة متنكّرين بين الموانئ. يتصرّفون كتجّار أحرار، ينثرون الذهب في بيوت الدعارة، ويُنعشون الحانات.
ولهذا، يتغاضى أهل الموانئ عن حقيقتهم، رغم علمهم بأنهم قراصنة. فهم، في النهاية، لن يمكثوا هناك إلى الأبد.
لكن الحديث يختلف تمامًا عندما يتعلّق الأمر بمقرّهم الرئيسي.
“حتى ملك غلينترلاند، على الأرجح، لا يظنّ أنّ بارثولوميو في سوليريا.”
“لكنّ ساحل برادو صعب الوصول إليه بالسفن.”
“ولهذا لا تجرؤ حتى بحرية إيفانيس على دخوله.”
مرّ نحو عشر سنوات على صعود بارثولوميو. ولا مملكة واحدة استطاعت تحديد مقرّ ملك القراصنة. نظر كيرتيس إلى خريطة الساحل المفروشة أمامه، وحكّ ذقنه.
“أنتِ تعلّمتِ الرماية أثناء خدمتك في البحرية لتكسبي قوتكِ. أفلا يمكن أن يوجد شخصٌ آخر، تعلّم فنون الملاحة حدّ الإتقان، لا لشيء سوى ليصبح قرصانًا؟”
“لو امتلكتُ تلك المهارة في الملاحة، لفضّلتُ أن أكون أعظم بحّارٍ لدى التجّار الأحرار، وأجمع الذهب بدلًا من ذلك.”
هزّت كلوي رأسها وكأنّ الأمر غير قابل للتصديق. لكن كيرتيس هزّ سبّابته نافيًا.
“وهذا بالضبط سبب كونكِ الآن دوقة كبرى، لا قرصانة.”
“..…”
“الناس العاديون لا يفهمون طريقة تفكير المجرمين.”
لو كان بارثولوميو إنسانًا بنّاءً إلى هذا الحد، لما امتهن القرصنة أصلًا.
تشّهّت كلوي قليلًا، ثم التقطت على الفور قطعة حلوى كانت موضوعة على طاولة الاستقبال وأدخلتها فمها دون وعيّ. تحطّمت قطعة الحلوى المحمّصة مع الشوكولاتة داخل فمها بصوتٍ مقرمش.
“….؟”
طعمه لذيذ، على أيّ حال. نظرت إلى كيرتيس باستغراب، فرفع حاجبه الأيسر.
“زيدي قليلًا من اللحم في أصابعكِ.”
كان الأمر سخيفًا. لكن كيرتيس، غير مبالٍ، شبك ذراعيه وابتسم.
“هل تعلمين لماذا اشتهر بارثولوميو بسوء سمعته؟”
“بسبب حرائق السلسلة قبل عشر سنوات. خمسة موانئ كبرى احترقت بالكامل آنذاك.”
ابتلعت كلوي ما تبقّى في فمها، ثم تابعت:
“كما أنّ قرى بأكملها اختفت بسبب الحرائق. وسمعتُ أنّ آينديفلا بلاكوود ينحدر من إحدى تلك المناطق.”
بالطبع، كانت كلوي تعرف شخصًا آخر من تلك المنطقة أيضًا. لكن هذا ليس الوقت المناسب لذكره، فآثرت الصمت.
“صحيح. لكن ذلك ليس كلّ شيء.”
أشار كيرتيس بإصبعه إلى الخريطة وهو يواصل:
“يُقال إنّ بارثولوميو من هذه المنطقة. ومنذ عشر سنوات، بدأ فجأة بإشعال الحرائق في كلّ مكان. عادةً، القراصنة يفعلون ذلك من أجل النهب، لكن بارثولوميو كان مختلفًا.”
“…كان يقتل الجميع.”
“نعم.”
حينها فقط، بدأت كلوي تفهم ما يرمي إليه.
“كان له هدف، وكانت الجرائم مجرّد وسيلةٍ ثانوية.”
“لا نعرف السبب. لكن إنسانٌ قاسيٍّ إلى حدّ خطف مئات الناس فجأة، وحرق مواطن عيشهم وقتلهم، لا يظهر فجأة بلا سبب.”
على الأقلّ، هذا يعني أنّ بارثولوميو لم يكن شابًا بريئًا يحلم بأن يصبح بحّارًا.
تلألأت عينا الرجل الأرجوانيتان بحدّة.
“عدد الممالك التي تضرّرت من بارثولوميو، كبير وصغير، لا يُحصى. وخاصة الممالك التي يعتمد اقتصادها على التجارة البحرية، بخلاف إيفانيس.”
حتى مملكة كيفلر، تعرّضت أميرتُها فيليز، التي كانت تُزفّ إلى دولةٍ أخرى بحرًا، لهجومٍ من بارثولوميو.
مرّت ثلاث سنوات منذ أعلن ملك كيفلر رغبته في الانتقام. لكن مصير بارثولوميو ظلّ مجهولًا.
والسبب الوحيد الذي جعل كيرتيس يهتمّ فجأة بمكان وجود بارثولوميو، كان واضحًا.
“يبدو كأنّك تتمنّى أن يكون ساحل برادو مقرّه.”
“أليس هذا طبيعيًا؟”
ضحك الرجل بسخرية.
“لو ثبت فعلًا أنّ ساحل برادو هو مقرّ بارثولوميو، فسيصبح وضع أخي مُمتعًا للغاية.”
صحيح.
إيفانيس كانت تحمي ساحل برادو باعتباره أرضًا مقدّسة، وقد احترمت الدول الأخرى ذلك.
لكن هذا الاحترام مشروط بعدم إلحاق الضرر بالآخرين.
انحنت عينا كيرتيس بابتسامةٍ باردة.
“سيعيش أخي أيامًا شاقّةً جدًا.”
سألت كلوي بشيء من الارتياب:
“…هل ستذهب إلى ساحل برادو؟”
“وإن لم أذهب؟”
نظر كيرتيس إلى كلوي متكئًا بمرفقه على إحدى ركبتيه، في هيئةٍ واثقة.
كان في عينيه إصرارٌ واضح، وكأنّه عازمٌ هذه المرّة على توجيه ضربة قاضية للملك.
لذلك، شعرت كلوي بقليلٍ من الذنب.
فالكلمة التي ستُحطّم تلك الثقة على الفور، كانت قد خرجت بالفعل من فمها.
التعليقات لهذا الفصل " 122"