تردَّدت من جهة مبنى الحرس هتافاتٌ بعيدة. لعلَّ طقوس الترحيب اللعينة بدأت الآن.
“إنّ الشمس حارَّة، أتُفضِّلين الدخول يا سيّدتي؟”
عرض الخادمُ الأمرَ بحذر. هزَّت إيزابيلا رأسها.
“أنا بخير.”
انحنى الخادم باحترام ثم تراجع إلى الخلف. لكنه ظل يُظهر تعبيرًا يؤكّد أنّه لا يفهم الأمر إطلاقًا.
إذ لا توجد سيّدة من النبلاء تستمتع بالجلوس تحت شمس الصيف الحارّة. فحتى لو نُصب مظلّة صغيرة، فمن الطبيعي أن تحترق بشرتها تحت الشمس التي تتسلّل بلا رحمة.
“أنا بخير، لكنك أنت ستكون حارًّا أكثر. يمكنك الدخول إن أردت.”
“لا يمكنني ذلك.”
رفض الخادم بلطف، لكنه لم يستطع إخفاء النظرة التي لا تزال عاجزة عن فهمها.
لكن إيزابيلا كانت فعلًا غير منزعجة. بل إنّ وهج الشمس كان يُبهجها. فحرُّ ايفانيس لم يكن شيئًا يُذكر مقارنةً بصيف بالياريس الذي كانت تعيش فيه.
“إن كان لا بدَّ من ذلك، هل يمكنك إحضار بعض الثلج؟”
“…حاضر.”
ولعلَّ هذا الطلب كان مفرحًا له، إذ انحنى بسرعة واتجه إلى مبنى مسكن وليّ العهد. عندها فقط تنفَّست إيزابيلا الصعداء وقد أصبحت وحدها.
بالـياريس.
كانت إحدى المدن القريبة من بحر ساروبا. لم تكن ملاصقةً تمامًا للساحل، وهذا ما جعلها أكثر ازدحامًا وصخبًا. اختيارها للعيش هناك لم يكن إلا لأنها مدينة يعجّ فيها الغرباء، مما يسهّل الاختلاط والاختفاء.
لو أنّها عرفت أنّها ستلتقي هناك بأينديفلا بلاكوود، لربما عاشت حياتها بحذرٍ أكبر…؟
-‘لستُ ألومكِ على العيش بهذه الطريقة، فأنا أفهم السبب.’
-‘إن كنتَ تعرف أن حياتي قمامة، فارحل عني.’
-‘لكن ليس كلُّ من خرج من القمامة يعيش كما تعيشين.’
لا. هي، كما اعترفت سابقًا لأينديفلا، لا تندم على أنها عاشت بتلك الطريقة.
ولو عادت بالزمن، لَعاشت بالطريقة ذاتها.
فلو فعلت غير ذلك، لما التقت بأينديفلا أصلًا.
-‘وماذا تعرف أنت؟’
-‘لا أدّعي أنني أكثر أبناء العالم بؤسًا، لكنني أعرف تمامًا رائحة القاع.’
-‘مضحك. ياسيدي، اغرب عن وجهي.’
علمت لاحقًا أنّ الرجل ذا البشرة السمراء التي تُقبّلها الشمس لم يكن أفضل حالًا منها بكثير. أو بالأحرى، كان أسوأ منها. فهي، رغم كونها ابنة غير شرعية، كانت على الأقل من أطراف طبقة النبلاء. أما هو فكان من قرية أحرقتها القراصنة.
-‘أينديفلا بلاكوود؟ سمعتُ أنّه فقد والديه على يد بارثولوميو؟’
في ذلك الزمن، حين كان ملك القراصنة بارثولوميو يحرق القرى الساحلية بلا تمييز، كان قد مضى ما يقارب عشر سنوات.
كان أينديفلا واحدًا ممّن نجوا من قرية تعرّضت لهجوم القراصنة.
كان يكرههم، وكان صبيًّا مشرّدًا قبل أن يصبح إداريًّا في المحكمة. فعل ذلك لأنه أراد معاقبة القراصنة.
ومنذ أن علمت إيزابيلا قصته، لم تفارقها مرارة الخجل. فقد كانت تخشى النظر إلى وجهه، بل لم تستطع حضور المحاكمات.
إلى أن جاء ذلك الليل، حين ضربت كتفيه باكية حتى انهارت.
-‘لكنّكَ كنت ذكيًّا على الأقل. ماذا كان لديّ غير الجمال الفائض؟ هل كنتُ أملك أي خيار؟’
لم تكن تتوقع منه أن يفهم. لكنه كان قد فهمها منذ زمن، بل شعر بالأسف لأجلها.
أما أن يقع في حبها، فذلك معجزة. معجزة لم تستطع إيزابيلا التفريط بها، فتمسّكت بها بكل قوتها.
وكان مجيئها إلى هذه البلاد البعيدة، أيفانيس، وجلوسها هنا بهذا الوضع المثير للشفقة… كل ذلك في نهاية المطاف لأجل ألا تخسر أينديفلا.
-‘سأقبض على بارثولوميو مهما كلّف الأمر.’
رغم أن القراصنة يعملون عادة في البحر، فإن بارثولوميو كان سيّئ السمعة لأنه دمّر قرى ساحلية كثيرة.
لكن لم تستطع أي دولة إيجاد مخبئه. إذ كان يجوب البحر كالأشباح، حتى إنّ أحدًا لم يعرف أين يختبئ.
كان في قلب أينديفلا حقدٌ عظيم تجاهه. فقد أباد بارثولوميو أسرته كاملة.
ولم تكن قوة البحرية في غلينترلاند تكفي حتى لمجرد التفكير بالقبض عليه. لكنها لم تكن كافية لإحباط أينديفلا. ظلَّ يلاحق بارثولوميو رغم عدم امتلاكه سوى منصب إداري بسيط.
لكن أينديفلا كان قادرًا. فقد رأى بارثولوميو بعينيه.
يقال إن لا أحد يعرف شكل بارثولوميو حين كان شابًّا، لكن أينديفلا رآه وهو يحرق قريته. وقد بقيت ملامحه محفورة في ذاكرته.
كان بارثولوميو ذا وجه فتيّ، وبشرة تشبه لون بشرة أينديفلا. كما كان لديه مسحة من القساوة، وندبات ووشم على المعصم، مثل ما يحصل عادة للملاحين الجنوبيين الذين يبحرون في مياهٍ أهدأ.
بعد سنوات من الملاحقة، حصر أينديفلا عدّة مناطق يُرجّح اختباء بارثولوميو فيها.
وكان من بينها ساحل سوليريا، وساحل برادو في أيفانيس.
-‘سوليريا… وبرادو أيضًا.’
-“لكن هذه موانئ أجنبية! كيف ستصل إليها؟”
-‘لهذا عليَّ أن أجد طريقة ما، مهما كانت.’
لم يكن زواجهما السري لأن أينديفلا يخشى نظرات الناس. بل كان يريد أن يعرف الجميع أنّ إيزابيلا اختارته وعاشت بصدق.
لكن البحث عن مخبأ بارثولوميو كان خطرًا. ولئلا يصيب إيزابيلا أي سوء بسبب هدفه، أراد أن يخفي زواجهما حتى يقبض على بارثولوميو.
أما إيزابيلا فكانت قلقة من أن يصبح أينديفلا هدفًا لاغتيال القراصنة. لكنها لم تدرك أن ما يجب الخوف منه كان مختلفًا تمامًا.
فأينديفلا، بهذا الإلحاح، أصبح مكروهًا لدى المسؤولين الكبار. كان كمن يحفر جرحًا نائمًا.
ثم فجأة، استدعاه ملك غلينترلاند.
-‘لقد اقتربتُ من الإطاحة ببارثولوميو! عليّ أن أخبر جلالة الملك بكل ما جمعته!’
ذهب أينديفلا إلى العاصمة سعيدًا كطفل… ليتم اعتقاله فورًا.
لم تفهم إيزابيلا شيئًا حين طُلب منها الحضور مع طفلها الصغير بدعوى أنّ الملك يريد التحدث بشأن زوجها.
وعندها علمت أنّ ماضيها هو ما جرّ الخراب على زوجها.
-‘أتظنين أنّ هذا العجوز سيُسعده أن يدمّر حياة امرأة تافهة مثلك؟’
قالتها لها تلك العجوز التي بصقت إيزابيلا في وجهها سابقًا، وهي تضحك بجنون.
كان افتتان ابنها المحبوب بتلك المرأة وصمة عارٍ وجرحًا لا يُغتفر. فكان طبيعيًا أن ترغب في تدمير كل ما تُحبّه إيزابيلا.
ذهبت العجوز إلى ملك غلينترلاند نفسها، وتوسّلت إليه أن يقتل زوج المرأة التي أهانتها.
فوجد الملك أن ذلك الزوج ليس سوى إداري من بالياريس كان يثير إزعاجه أصلًا.
لم يكن أينديفلا يعلم أنّ الملك استدعاه ليقتله. وقف أمامه، يصرخ محتقن الوجه مطالبًا بإنهاء القراصنة.
-‘لا يمكن لبارثولوميو أن يظل حرًّا!’
لكن ملك غلينترلاند سخر منه. فمنذ وفاة أخته التي تزوجت في أيفانيس، وهو يعاني أزمة مالية.
القضاء على بارثولوميو؟ ماذا يقول هذا الساذج؟
كم كانت أرباح البحرية وفيرة وهي تتظاهر بأنها بارثولوميو وتنهب السفن الأجنبية!
اعتُقل أينديفلا بيأس.
ثم استدعى الملك إيزابيلا. كان ينوي شنق أينديفلا أمام عينيها.
لكن حين رأى إيزابيلا تدخل مرتجفة وهي تحمل طفلها، غيّر رأيه.
-‘يقولون إنك أغويتِ رجال بالياريس كلهم. حسنًا… وجهكِ يضاهي جمال أختي. عظيم. سأجعلكِ أميرة.’
تُركت إيزابيلا وأينديفلا مذهولين، فيما العجوز وحدها احتجّت بذهول، بلا جدوى.
-‘جلالتك!’
-‘أعتذر يا مربيتي العزيزة. من أجل غلينترلاند، تحمّلي قليلًا فحسب.’
أبعد الملكُ مربّيته ثم ابتسم لإيزابيلا.
-‘إن أحسنتِ العمل، سأطلق سراح طفلك، بل سأجعل زوجكِ أيضًا كونتًا.’
صرخ أينديفلا بأن ذلك جنون. لكن إيزابيلا لم تكن تملك حق الرفض. فلو رفضت، سيُقتل زوجها وطفلها فورًا.
-‘هل ما زلتَ تظن أنني قذرة؟’
-‘وكيف لي أن أظن ذلك؟’
-‘ظنّ ما تشاء… سأذهب.’
كما باع ملك غلينترلاند أخته سابقًا لإنقاذ بلاده، باع الآن امرأة جميلة أخرى، واتخذها ابنة بالتبنّي، وأرسلها إلى أيفانيس.
كان يريد من دوق بيرك أمواله. فالتعويضات الحربية التي حصل عليها الدوق كانت ثلثيها في أيفانيس، والثلث الأخير ملكًا شخصيًّا له.
الدوق كيرتيس شان بيرك لم يكن خصمًا سهلًا. لكن الملك رأى أن له الكثير من الأعداء. وإن حضر إلى غلينترلاند، فسيُقتل ببساطة.
فعقد الملك صفقة زواج مع ملك أيفانيس، مستخدمًا إيزابيلا كطُعم. أرسل امرأة بلقب دوقة، على أن يُزَوَّجها من كيرتيس شان بيرك، ثم يُجبَر على التخلّي عن جنسيته.
‘وحين يموت دوق بيرك، ستعودين إلى زوجكِ وتتزوجان من جديد. ستكون سوليريا منزلكما الجديد. آه… وبما أن زواجكما سرّي، سيبدو الأمر أمام الناس كأنه زواج أول.’
التعليقات لهذا الفصل " 111"