3
‘لَمْ أَتَوَقَّعْ مِثلَ هَذا الوَضع.’
كانت قد فكَّرتْ أنَّ ذوبانَ الثلجِ وهي تتجوَّل قد يلفتُ الانتباه، وربما يصل الخبرُ إلى صاحبِ الإقطاعيّة.
فالأمرُ، إن قيل الحقّ، طبيعيٌّ إلى حدٍّ ما.
لكن أن تُسحَب هكذا فجأةً وتُواجِهَ صاحبَ الإقطاعيّة شخصيًّا؟
ثم إنَّ هذا الرجل يؤثِّر في طبيعة كليمن الجسديّة؟
بل ويمنحها راحةً تفوق ما شعرت به حين دخلت الشمال؟
‘إنَّه منعِش… كأنَّ أنفاسي تنفتح.’
وبينما كانت تسير نحوه كالمسحورة، وقد شعرتْ كأنَّ الاختناق الذي في صدرها قد انفرج، انطلقت فجأةً صرخةُ رفضٍ حادّة.
“توقّفي! لا تقتربي!”
وكأنَّ الحرارةَ التي خمدتْ قبل لحظات عادت تتأجّج من جديد.
بدا الأمر كما لو أنَّها استفاقتْ من وهم.
ضيَّقت كليمن عينيها المستديرتين وهي تتأمَّله.
وما إن تقدَّمت خطوةً إلى الأمام حتّى تراجع هو خطوتين إلى الخلف.
“قيل لي أن أُسلِّم هذا. إن كنتَ خائفًا فسأضعه هنا.”
بحركةٍ خفيفة وضعت كليمن الأوراق على المكتب ثم تراجعت.
وخلال ذلك، كان الطرفُ الآخر—زيفيروس—قد التصق بالحائط وانكمش.
ومنذ أن التقت أعينهما أول مرة لم يعُد ينظر إليها أصلًا.
‘ما الذي يُفترض بي أن أفعله؟’
لم تكن يومًا مصدرَ خوفٍ لأحد، بل كانت دائمًا موضعَ نفورٍ وتجنّب.
وبما أنَّها سلَّمت الورقة، فربما الأفضل أن تغادر فحسب.
لكن ثمّة سببًا واحدًا جعلها تعجز عن تحريك قدميها.
ذلك أنَّ الجدار الذي أسند إليه سيدُ الشمال ظهره كان يتجمَّد ويتشقّق بالثلج.
شخصٌ يبدو أنَّه يحمل همًّا شبيهًا بهمّها، وإن اختلفت طبيعته.
لكنَّه، على عكسها، لم يتغلَّب عليه بعد.
تذكَّرت كلام أحد الفرسان قبل أن تدخل الغرفة.
‘روحُ النار ستستطيع ذلك.’
يبدو أنَّ الفرسان كانوا يأملون أن تذيب ذلك الجليد.
ولم يبدُ الأمر سيئًا بالنسبة إليها أيضًا.
فقد أرادت أن تشعر مجددًا بذلك الإحساس الخفيف والمنعش الذي انتابها عند دخولها الغرفة أول مرة.
ومادام صاحب المكان ينفث البرد حوله، فليس احتمالُ شعورها بذلك الإحساس مرة أخرى ضئيلًا.
وفوق ذلك، شعرت أنَّها ستندم إن خرجت الآن ببساطة.
هكذا فحسب.
“أم…”
تردَّدت لحظةً وهي تفكِّر كيف ينبغي أن تناديه.
لكنها سرعان ما وجدت الإجابة.
سيدُ الإقطاعيّة!
“يا سيدي! ألن تقرأها؟”
“سأقرأها حين تغادرين.”
كان صوته باردًا وقاسيًا، لكن حركاته بدت بائسة.
حتى إنَّه لم ينتبه إلى غرابة اللقب الذي نادته به من شدّة اضطرابه.
“أنا أيضًا فضوليّة، اقرأها. أم أقرأها أنا؟”
“ما هذا! قلتُ لا تقتربي!”
كلما خطت كليمن خطوةً واسعة إلى الأمام ارتجف جسد زيفيروس، وتكوَّنت شظايا جليدٍ حادّة.
لكن كليمن لم تُعِر ذلك اهتمامًا يُذكر، بل رفعت الورقة من جديد وفتحتها.
“أحم. «أثناء صيد الوحوش اكتشفنا بركان روح النار. نرجو أن يكون في ذلك عونٌ لكم.»
ما هذا! هذا كل شيء يا سيدي!”
“…أليس المقصود تجسّدٌ لا بركان؟”
“ماذا؟”
شدَّدت كليمن نظرها على الكلمة وأعادت تفحّصها.
وبعد لحظة انخفض طرفُ فمها قليلًا.
“أظنّه قال… تجسّدًا.”
“لا.”
أجابها بنفيٍ قاطع.
فنفخت كليمن شفتيها قليلًا، ثم رسمت بإصبعها في الهواء وهي تحفظ الكلمة.
وكانت تحفظها بالفعل.
عند رؤية هدوئها هذا، انفرج توتّر زيفيروس قليلًا.
كما أنَّه ظنَّ أنَّها لن تقترب أكثر.
“…لماذا جئتِ؟”
“نعم؟”
“يبدو أنك لا تعلمين شيئًا.”
في الحقيقة، كان العكس هو الغريب.
فهي أجنبيّة، بل تبدو كإنسانةٍ من الصحراء لا تُرى إلا في الكتب.
فكيف لها أن تعرف أنَّ دوق الشمال الأكبر مصابٌ بلعنةٍ تجمِّد كلَّ ما حوله؟
حتى إمبراطور الإمبراطوريّة لم يُخبَر بهذا الأمر.
“الرجال الذين يحملون السيوف كانوا يضحكون ثم يبكون.”
“…”
أي إنَّها كانت في موقف يصعب رفضه.
تنحنح زيفيروس وسأل من جديد.
“دعك من ذلك. هل تعلمين ما معنى روح النار في الشمال حين تدّعين أنك تجسّدها؟”
“لا أعرف معنى كلمة «تدّعين»، لكني لم أقل مرةً إنني روح نار.”
“إذًا فرساني هم من قالوا من تلقاء أنفسهم إنك تجسّد روح النار؟”
حكّت كليمن خدّها.
لم تكن تعرف ماذا تعني روح النار في الشمال، لكنها لم تكن تجهل وجودها أصلًا.
فروح النار مذكورة حتى في سجلات تأسيس إمبراطوريّة تيرانوفا.
لكن هذا كل شيء.
لم يكن أحد ينظر إلى كليمن ويفكّر في روح النار.
بالنسبة إلى أهل الصحراء كانت مجرّد شيءٍ مزعج وخطِر.
حتى أولئك الذين أنقذتهم رأوا الأمر هكذا، فما بالك بالآخرين.
“همم…”
بدل أن تشرح لماذا ظنَّ الفرسان ذلك، بدا لها أن إعادة ما فعلته أمامهم سيكون أسهل.
كما أرادت أن ترى إن كان هذا السيد سيظن الأمر نفسه حين يرى الثلج يذوب.
“سأُريك. اخرج.”
أغمضت كليمن إحدى عينيها ثم فتحتها بنشاط، ومدَّت يدها وهي تقترب من زيفيروس.
“ستعرف الفرق إذا خرجنا.”
“نخرج؟”
“آه، اسمي كليمن. أنا لست خطِرة.”
“ليس هذا المقصود! أليس هناك أحد في الخارج؟!”
مهما يكن، لا يُعقل أن يتركوه وحده مع غريبة.
لابد أن أحدًا يراقب الوضع من الخارج.
إذًا أليس عليهم أن يمنعوا هذه المرأة التي تقترح الخروج؟
“غوين! خُذ هذه المرأة إلى الخارج فورًا!”
ظلَّ ينادي غوين مرارًا، لكن لم يأتِه ردّ.
نظر حوله يبحث عن مكانٍ يفرّ إليه، لكن ظهره كان ملتصقًا بالجدار بالفعل.
اقتربت المرأة خطوةً أخرى.
لم يبقَ مكانٌ للتراجع.
وفي لحظةٍ امتلأ صدره بالخوف.
‘ماذا لو تجمّدت هذه المرأة أيضًا؟’
لم يُرِد أن يرى أحدًا آخر يتحوّل إلى تمثالٍ من الجليد أمامه.
“توقّفي! قلتُ لا تقتربي!”
تشقّق!
صرخةٌ حادّة خرجت كتهديد.
وتجمَّدت الغرفة كلُّها تبعًا له.
“هاه… هاه…”
أخذ يلهث بشدّة، ثم بدأ جسده يرتجف.
كان قناعُ الفرو الذي لم يكن فيه سوى فتحتين للعينين قد انزلق حتى حجب الرؤية تمامًا، لكنه استطاع تخيّل تعبير تلك المرأة الآن.
كان عليه أن ينظر أمامه ويأمرها بالخروج فورًا.
لكنه اشمأزّ من حماقته؛ فقد هدّدها بنفسه، ومع ذلك لم يرد أن يرى خوفها منه.
“أرأيتِ؟ إن لم ترغبي بالموت فاخرجي فورًا.”
الآن ستفتح الباب وتغادر وهي خائفة.
ابتسم بسخرية مرّة وهو ينتظر صوت فتح الباب.
لكن—
“هل ستتصرف حقًا مثل جَبَان؟”
فجأةً—
أمسكت بقبضته رأسه.
ونُزِع قناع الفرو بالقوة.
دخل الضوء إلى عينيه، فرأى الغرفة وقد امتلأت بالبخار.
ثم رأى المرأة، محاطةً بالبخار الأبيض، وقد قرّبت وجهها منه.
كان في عينيها المنحرفتين قليلًا شعورٌ لا يُعرف، لكن زيفيروس لم يلحظه.
“لم… لم تتجمّد…؟”
كانت قد لمست جبينه وأصابعها قليلًا حين نزعت القبعة.
ومع ذلك لم يتجمّد!
“أنا أكثر حرارة. الجليد الذي تصنعه… ليس شيئًا يُذكر.”
في رؤيته المذهولة لم يكن يرى سوى وجه المرأة.
وجه امرأةٍ تبتسم ابتسامةً واسعة كأنها شعلةُ نارٍ صغيرة.
—
“…هل الأمر بخير حقًا؟”
“سيكون بخير.”
نظر غوين بوجهٍ جامد إلى الباب المبتل.
رغم أن برد زيفيروس قد انفلت، فإن الباب لم يتجمّد.
ما يعني أن رهانه قد نجح لحسن الحظ.
“أخبر السيدة لوسيا أولًا. قل إننا وجدنا شخصًا لا تؤثّر فيه لعنة سموّ الدوق الأكبر.”
لم يكن مهمًا إن كانت تلك المرأة تجسّد روح النار أم لا.
المهم فقط أن تكون عونًا لدوقهم الصغير.
ما زالت صورة زيفيروس الطفل واضحةً في عينيه.
ولهذا ظلّ صوت زيفيروس، الذي يزداد برودةً مع مرور السنين، يؤلمه في قلبه.
حتى إن زاره وتحدّث معه كلما سنحت الفرصة، فلن يمحو ذلك وحدته وألمه.
‘ليته يجد الابتسامة ولو مرة.’
بهذه الفكرة وقف غوين بجانب الباب يحرس المكان.
—
“هل أنتِ روح نار حقًا؟”
“…أنا إنسانة.”
“لكن الجليد يذوب فورًا.”
“وهناك أيضًا من يصنع الجليد.”
“…هل أنتِ أيضًا…”
تلاشى صوت زيفيروس.
لم يكن من اللائق أن يسأل أحدًا مباشرةً إن كان ملعونًا.
“لكن ألا تفكّر في خلع ذلك الفرو الغريب؟ لماذا تُخفي وجهًا جميلًا هكذا؟”
“ماذا…!”
احمرَّ وجه زيفيروس خلف قناع الفرو.
إن لم تكن روح نار، فلا حاجة لمخاطبتها باحترامٍ مفرط.
تنحنح مرةً وخفّض صوته.
“دعينا من الحديث التافه. كيف التقيتِ بالفرسان؟ الوحوش لا تنزل إلى القرى كثيرًا.”
“في الجبل.”
“ولماذا صعدتِ الجبل؟”
“بسبب فضولي؟”
“إنه مجرد استجواب لشخصٍ مريب.”
“استجواب… استجواب.”
ردّدت كليمن الكلمة الصعبة ثم ابتسمت ابتسامةً مشرقة.
“إذًا سأخضع للاستجواب!”
خرجت ضحكةٌ قصيرة من خلف قناع الفرو لدى زيفيروس.
امرأةٌ غريبة.
وهو أيضًا غريب.
فمجرد جلوسهما هكذا يتحدثان وبينهما مكتب واحد أمرٌ غير معقول أصلًا.
فكون لعنته لم تؤثّر فيها قبل قليل لا يعني أنها لن تؤثّر لاحقًا.
كان عقله يصرخ بأن عليه أن يخرجها فورًا.
وكلما ازداد قلقه تكوَّنت كتل الجليد حوله وبدأت الأشياء تتجمّد.
وقد كانت الشوكة الجليديّة التي نشأت عند قدمي زيفيروس تنزلق بالفعل نحو كليمن.
التعليقات لهذا الفصل " 3"