استيقظتُ فزِعةً على وقع صرخةٍ حادة، ولم أدرك إلا حين استعدتُ وعيي أن تلك الصرخة كانت صرختي أنا. تحسستُ صدري الواجف وأنا أجولُ بنظري في أرجاء المكان؛ سريرٌ وثير، وخيوطُ شمسٍ دافئة تتسللُ عبر النافذة.
إنها غرفتي الخاصة. وغيابُ ذلك الموظف ذي العنق الملتوي، وحلولُ هذا الهدوء الساكن مكانه، لم يكن إلا دليلاً على أن كل ما مررتُ به لم يكن سوى أضغاث أحلام.
“أيُّ كابوسٍ هذا الذي يتربصُ بي…”
لا تزالُ صورة الموظف وهو يكسرُ عنقه ضاحكًا تلوحُ أمام ناظري. تلك الرؤى المتداخلة؛ ميتة عمي، ومنظر البستاني المروع، كانت من الواقعية بمكانٍ يجعلُ من الصعب تصديق أنها مجرد أوهام. لعلَّ هذا هو ثمنُ السجن في هذا الفندق الغريب؛ فمنذ أن وطئت قدماي أرضه، لم أذق طعم النوم الهانئ قط.
“يبدو أن صدمة التوقيع على عقدٍ أبدي كانت أشدَّ مما احتملت.”
زفرتُ زفرةً خافتة وتجرعتُ شربة ماءٍ كانت موضوعةً بجانب الدواء. كان العرقُ البارد يتصببُ من جسدي إثر تلك الكوابيس التي جثمت على صدري، أو ربما لأن جسدي لا يزالُ يعاني الوهن.
أياً كان السبب، عزمتُ على استدعاء الخادمة لتبديل ثيابي، ثم التوجه إلى إيجيكل لاستيضاح ما جرى أثناء غيابي عن الوعي.
“… هل من الآمن أن أجذب الحبل؟”
ارتبتُ وأنا أرقبُ حبل الجرس المتدلي بجانب السرير. فبرغم حاجتي الماسة للخادمة، إلا أن قلقاً غامضاً تسلل إلى قلبي؛ ماذا لو حدث مكروهٌ بمجرد لمسه؟
وبعد خمس دقائق من الصراع المرير مع أفكاري، تبخرت رغبتي في الاستدعاء، وقررتُ الاعتماد على نفسي. فالثيابُ التي لا تحتاج إلى مشد يمكنني ارتداؤها وحدي.
ارتديتُ ثياباً مريحة وهندمتُ شعري على عجل، ثم استرقتُ النظر خارج الغرفة. ولحسن الحظ، وعلى نقيض الكابوس، كان الموظفون والنزلاء يروحون ويغدون بشكلٍ طبيعي. تنهدتُ بارتياح؛ فالحلمُ يبقى حلمًا. شعرتُ بشيءٍ من الحماقة لترددي السابق في جذب حبل الجرس، فأطرقتُ برأسي قليلاً قبل أن أمضي نحو مكتب المدير.
في تلك اللحظة، ترامت إلى مسامعي نبرةٌ نسائية من خلفي:
“آنسة! أوه، أقصد ‘سيدتي المديرة’. لِمَ غادرتِ فراشكِ؟ كان عليكِ البقاء مرتاحةً لفترةٍ أطول.”
“آه، في الحقيقة…”
كانت المتحدثة هي تيتانيا، مسؤولة الاستقبال في الفندق. كانت تتفرسُ في وجهي بعينين يملؤهما القلق. والحقُّ يقال، ليس من المنطقي لشخصٍ سقط مغشياً عليه للتو أن يتجول في الأروقة فور استيقاظه، لكنني ببساطة لم أطق البقاء حبيسة جدران الغرفة.
“كنتُ في طريقي لمكتب إيجيكل.. أعني مدير الفندق. لقد صرتُ بخيرٍ الآن.”
“هذا يسعدني حقاً، ولكن.. للأسف، المدير العام غائبٌ عن مكتبه في الوقت الحالي.”
ليس غريباً أن يغيب مدير فندقٍ بهذا الحجم، فلا بد أن لديه شؤوناً خارجية تستدعي حضوره. لكن المشكلة تكمنُ في حاجتي الماسة لمقابلته الآن؛ فبقايا الكوابيس، وعقدي الأبدي، وفكرة سجني هنا، كلها أمورٌ جعلت معدتي تتقلبُ غثياناً. كان عليَّ مواجهته بكل صرامة.
لاحظت تيتانيا اضطرابي، فقالت مجدداً:
“بشرتُكِ شاحبةٌ جداً يا مديرة. أخبريني، هل حدث شيءٌ ما؟”
ترددتُ في الإجابة. فماذا عساي أن أقول؟ لستُ طفلةً لأشكو من كابوسٍ أفزعني. لو أخبرتُها أنني ارتبعتُ من مجرد حلم، لربما ظنت بي الظنون. د
لكن ملامح تيتانيا كانت توحي بأنها لن تتركني أرحل ما لم أبوح لها بما يرهق كاهلي.
“أنا مسؤولة الاستقبال هنا، ومهمتي هي حلُّ كل ما يزعج ضيوفنا. لذا، تفضلي بالحديث دون حرج.”
“لا شيء يُذكر، كل ما في الأمر أنني رأيتُ كابوساً مزعجاً.”
“أيُّ كابوسٍ كان، ليدعكِ بهذا الشحوب؟”
(رأيتُ بستاني الفندق وموظف الاستقبال يكسران أعناقهما لإخافتي، وأشعرُ برغبةٍ في المطالبة بتعويضٍ عن الأضرار النفسية!)… بالطبع لا يمكنني قول ذلك؛ فسيبدو كأنني أغتابُ الموظفين، وقد نشأتُ على يد معلمةٍ كانت تكررُ على مسامعي دومًا: “لا تذكري الناس بسوءٍ من خلف ظهورهم”.
“لقد كان حُلماً داخل حُلم.”
اختصرتُ لها الأمر، متجاوزةً تفاصيل البستاني والموظف. كانت تيتانيا تستمع بابتسامةٍ هادئة، لكن ملامحها سرعان ما استحالت إلى الجدية.
شجعني إنصاتها العميق على البوح ببعض تفاصيل رؤيتي عن خالي. وما إن انتهيت، حتى شعرتُ وكأن جبلاً قد انزاح عن صدري.
رفعت تيتانيا طرف شفتيها ببطء، وقالت بنبرةٍ غريبة:
“ولكن، يا سيادة المديرة.. هناك سوءُ فهمٍ بسيط وقعتِ فيه.”
“… سوء فهم؟”
بدأت تيتانيا تقتربُ مني. خطوة، اثنتان، ثلاث.. حتى باتت أنفاسُها تلامسُ وجهي.
“ذلك الذي تسمينه حُلماً…”
علت وجهها ابتسامةٌ عريضة مستفزة، وقبضت يدها الباردة على كتفي بقوة.
“لم يكن حُلماً أبداً.”
وفجأة، بدأ رأسُها يميلُ نحو اليمين، ثم دار دورةً كاملة حتى انقلبت ملامح وجهها رأساً على عقب! في تلك اللحظة، بدأت أضواء الرواق تومضُ وتخبو، واجتاحت الظلمةُ السماء الصافية. انفتحت أبوابُ الغرف بصريرٍ مقبض، وخرجت منها جثثٌ تجرُّ أحشاءها خلفها، ثم صرخوا بصوتٍ واحدٍ وهم يحدقون بي:
“أقلتِ إنه حُلم؟”
“أتظنين أن هذا مجردُ خيال؟”
تراجعتُ مذعورة، ثم استدرتُ وأطلقتُ لساقيَّ العنان في الرواق. كان عليَّ الهرب؛ فغريزتي تصرخُ في عقلي أن الوقوع في أيديهم يعني النهاية.
كانت الوحوشُ تطاردني، وتصدرُ أصواتاً مخنوقة وكأنها تلفظُ أنفاسها الأخيرة. الجثثُ الممزقة كانت تزحفُ مستخدمةً أيديها ومرافقها، تحاولُ جاهدةً الإمساك بكاحلي.
هبطتُ الدرج مسرعة. الموظفون الذين كانوا يذرعون الأروقة بسلام قبل قليل، تسمرت أنظارهم عليَّ. كانت عيونهم مظلمة، خاوية، تلاحقني بضراوةٍ وكأنني طريدةٌ لا يجوزُ التفريط فيها. سواءً ركضتُ في الطابق الثاني أو في الردهة الكبرى، كانت كل الأعين مصوبةً نحوي.
“كفى! أرجوكم، كفى!”
صرخ جسدي المنهكُ ألماً. كدتُ أتعثرُ مراراً، وفقدتُ توازني حتى كدتُ أصطدمُ بالجدران. وحين استرقتُ النظر خلفي، وجدتُ جيشاً من المسوخ يزدادُ عددُه مع كل خطوة. وبدافع الفطرة، ركضتُ نحو البوابة الكبرى؛ إذ تملكني يقينٌ واهم بأن هذه الوحوش لن تجرؤ على تخطي حدود الفندق.
عبرتُ الحديقة والنافورة، ولفحتني رائحةُ الورود القوية، لكنني لم أعرها اهتماماً. وصلتُ إلى البوابة وأنا أقبضُ على صدري الذي كاد ينفجرُ ضيقاً. تركتُ خلفي كائناتٍ لم تعد تشبه البشر في شيء، وهممتُ بخطو أول خطوةٍ نحو الخارج، ولكن..
فجأة، خذلني جسدي.
يا للغرابة! لِمَ لا تتحركُ قدماي؟ حاولتُ بكل قوتي أن أحرك حتى أطراف أصابعي، لكن جسدي تسمرَ أمام البوابة وكأنه صار قطعةً من حجر. كان بإمكاني تحريكُ يدي بصعوبة، لكنَّ ساقيَّ رفضتا الامتثال. رحتُ أُقلبُ عيني برعبٍ وأنا أرى الكائنات تقتربُ مني أكثر فأكثر.
“تحرك! أرجوك، دعني أخرج! لا أريد الموت في هذا المكان اللعين!”
لم أعد أعرفُ إن كان هذا صدقاً أم زيفاً، لكنني أيقنتُ أن الوقوع في قبضتهم هو الهلاك المحتم.
مدَّ الكيانُ الذي كان يحمل وجه تيتانيا يده نحوي. شلَّت رائحةُ الموت الكريهة حواسي، وحين كادت يدُ الوحش تلمسُ وجهي، أغمضتُ عيني بقوةٍ ورحتُ أرددُ في سري: “أغيثوني”.
وفجأة، انقلب العالمُ المظلمُ رأساً على عقب.
***
فتحتُ عيني لأجد نفسي مجدداً فوق سريري في غرفتي الخاصة. أخذتُ أنفاساً عميقة لأهدئ من روعي، ورحتُ أتفحصُ المكان بهدوء. كانت الشمسُ تشرقُ من جديد، والدواءُ والماءُ لا يزالان مكانهما.
الآن، تيقنتُ من الأمر؛ أنا لا أزالُ عالقةً في دوامة الكوابيس.
ورغم جهلي بالسبب الذي أوقعني في هذا الفخ المتعدد الطبقات، إلا أن شيئاً واحداً كان واضحاً كالشمس: عليَّ إيجادُ مخرج. نهضتُ مسرعة، وشعرتُ بألمٍ في كاحلي وكأنني كنتُ أركضُ حقاً. تحاملتُ على ألمي وتوجهتُ نحو الباب وتأكدتُ من إيصاده بإحكام.
“بدلاً من الركض والمطاردة في الخارج، ربما يكون الصمود داخل الغرفة هو الحل.”
دفعتُ الطاولة والمقاعد خلف الباب، وأوصدتُ النوافذ والشرفة، ثم أسدلت الستائر الثقيلة. غرق المكان في الظلمة، لكنَّ ذلك لم يزدني إلا طمأنينة؛ فالاختباءُ من الوحوش هو الأولوية الآن. انكمشتُ في أقصى زاويةٍ داخل غرفة الملابس وحبستُ أنفاسي.
عضضتُ على شفتي بقوة لأستعيد صوابي، لكنني لم أشعر بأي ألم، وكأن جسدي يؤكد لي أنني لا أزالُ في حُلم. تذكرتُ حينها مقولةً قديمة تزعمُ أن قرص الخد هو السبيل لكشف الأوهام.
وفي تلك اللحظة، ترامى إلى مسمعي ضجيجٌ من الخارج، ثم اخترق صمتي صوتٌ حادٌ يمزقُ الأذان:
“سيدتي المديرة.. أين أنتِ؟”
لقد كانوا يبحثون عني.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"