اليوم أيضًا، أرتقي تلك التلة القابعة خلف القصر. هناك، فوق غصن شجرةٍ وارفة، كان عمي يجلسُ مستغرقًا في كتابه. وما إن لمحني جيرفيس حتى لوَّح لي بيده بحرارة.
نسيتُ حينها كل وقارٍ تعلمتُه في دروس الإتيكيت، وهرعتُ نحوه بخطواتٍ تسبق الريح. هبط عمي من فوق الشجرة، واحتضنني بين ذراعيه وهو يغدق عليَّ بابتسامته العذبة.
“أوه، كاينا الصغيرة! أانتهت دروسُكِ أخيرًا؟”
أومأتُ برأسي إيجابًا، فتفرَّس في ملامحي مليًا ثم سألني:
“تبدين كئيبة، أكان الدرسُ مملًا كالعادة؟”
“نعم، تمامًا كسابقه. لا أفقهُ لِمَ عليَّ تعلم كل هذا.. هل أحتاجُ حقًا لهذه الدروس؟”
“بالتأكيد يا صغيرتي، فأنتِ الوريثة الوحيدة لعائلة ‘ليندتيل’.”
ربتَ عمي على رأسي بحنان، وساعدني على تسلق الشجرة. قضينا وقتًا طويلاً في أحاديث عابرة؛ تارةً عن محتوى دروس اليوم، وتارةً عن فكاهة الطباخ الذي وضع السكر بدل الملح في شريحة اللحم، وأخرى عن الخادمة التي تعثرت على الدرج هذا الصباح.
انسلَّ الوقتُ من بين أيدينا ونحنُ غارقون في الحديث، حتى بدأت خيوط الشفق تغازل الأفق خلف الأفق.
“هيا يا كاينا، حان وقت العودة. لو تأخرتِ، سيصبُّ والدُكِ جام غضبه عليكِ مجددًا.”
“حسنًا، لا مفر من ذلك.”
قفز عمي أولًا إلى أسفل الشجرة، وكعادته، كان يتأهبُ ليتلقفني بأمان. انتظرتُ منه إشارته المعتادة للهبوط، لكنه ظلَّ صامتًا. أزحتُ أوراق الشجر التي تحجبُ رؤيتي وأطللتُ برأسي للأسفل.
“… عمي؟”
كان عمي هناك، لكنه لم يكن واقفًا كما عهدتُه. كان ممددًا على وجهه، والدماءُ تسيلُ من رأسه بغزارة. أما عنقه، فقد التوى بزاويةٍ لا يمكن لعقلٍ تصورها، حتى عجز عن إخراج أي أنين. شهقتُ من فرط الرعب.
وفجأة، حدقت فيَّ عيناه المحتقنتان بالدماء، بنظرةٍ مسمومة وكأنها تنوي قتلي في الحال.
***
“شهيق… هاااه…”
انتفضتُ في فراشي والأنفاسُ تتلاحقُ في صدري، يدي تقبضُ على قلبي الواجف.
استرقتُ النظر حولي بدافع العادة، فرأيتُ الجدران المزدانة بورق حائطٍ بني فاخر، وسريرًا وثيرًا. وعلى الطاولة الجانبية، استقرت قارورة ماءٍ ومنشفة، وبجانبهما ما يشبه الدواء. حينها فقط، أدركتُ أنني في غرفتي الخاصة بالفندق.
آه، لقد كان مجرد كابوس. زفرتُ الصعداء وأنا أحاول استعادة توازن أنفاسي.
“صحيح، لقد غبتُ عن الوعي فجأة في المكتب…”
لا تزال صورة عيني إيجيكل الزرقاوين، آخِر ما رأيتُه قبل السقوط، عالقةً في مخيلتي. لا أدري كم لبثتُ نائمة، لكن الشمس كانت تملأ الأفق خارج النافذة؛ مما يعني أنني غبتُ لفترةٍ وجيزة، أو أن يومًا كاملاً قد انقضى. وبالنظر إلى الثقل الذي يرزحُ تحت وطأته جسدي، أرجحُ الاحتمال الثاني.
تُرى ما السبب؟ لم أعد أعرفُ العلة الحقيقية. أهو الإرهاق المحض؟ أم أن عقلي استسلم أمام الأخبار الصادمة؟ أم أنها مجرد وعكةٍ صحية؟ لم يعد للبحث عن السبب جدوى، فمعرفة العلة لا تمحو ألمها.
“أشعرُ ببعض التحسن الآن، على الأقل تلاشى ذلك الصداع.”
يبدو أن أحدهم اعتنى بي بجديةٍ بالغة، فجسدي يشعرُ بالخفة مقارنةً بما قبل، والحمى يبدو أنها فارقتني. قررتُ أن أشكر الموظف الذي سهر على راحتي فور لقائي به. ترجلتُ من السرير وجذبتُ حبل الجرس لاستدعاء الخادمة، ثم انتظرت.
‘…. لِمَ لا يأتي أحد؟’
في العادة، لا يتجاوزُ انتظار الخدم عشر دقائق. لكنني انتظرتُ طويلاً، ولم تطرق بابي حتى نملة. تكرر الأمرُ رغم جذبي للحبل مرارًا.
اضطررتُ لتبديل ثيابي بنفسي وخرجتُ من الغرفة. رغم أن الراحة هي الخيار الأمثل للمريض، إلا أن ذلك الكابوس المشؤوم جعل بقائي وحيدةً أمرًا مستحيلًا. شعرتُ أنني لو نمتُ ثانيةً، سيعاودُني طيف عمي الميت.
“أين ذهب الجميع حقًا؟”
ساد الفندق هدوءٌ جنائزي غريب. ألا يُفترضُ وجود موظفٍ أو نزيلٍ واحد على الأقل في الردهات؟ شعورٌ غريب بالديجا فو تملكني. كبحتُ قلقي ونزلتُ إلى الأسفل، ولم أصادف روحًا في طريقي؛ لا إيجيكل، ولا مورتيمر، وحتى منصة الاستقبال كانت خاويةً تمامًا.
وكأنني أصبحتُ الكائن الوحيد الباقي على وجه هذه البسيطة.
وسط هذا الشعور الموحش الذي يسري في جسدي، عبرتُ الردهة نحو الحديقة. حديقة المدخل كانت، كالعادة، تفيضُ بالجمال؛ الورود الزرقاء والنافورة الراقصة، كل شيءٍ كان منسقًا بدقةٍ متناهية.
لكن، بدلاً من الإعجاب، تملكني شعورٌ بالريبة. الخارج كان صامتًا كالدواخل، لا تسمعُ فيه إلا حفيف الأوراق تداعبها الرياح.
“آه، هناك أحدٌ ما.”
لمحتُ من بعيدٍ خيالاً. وحين اقتربتُ، رأيتُ البستاني الذي قابلتُه سابقًا، كان منحنيًا يمارس عمله بانهماك. يبدو أن العالم لم يخلُ تمامًا من البشر كما ظننت. اقتربتُ منه وقلتُ بحذر:
“طاب مساؤك، أيها البستاني.”
“أهلاً بكِ يا آنسة! طاب مساؤكِ! سمعتُ أنكِ تعثرتِ صحيًا، هل أنتِ بخيرٍ الآن؟”
“نعم، صرتُ أفضل. هل تقتلعُ الأعشاب الضارة؟”
كان غارقًا في عمله لدرجة أنه لم يلتفت إليَّ، وردَّ وهو يواصل الاقتلاع. كان من العجيب أن يتعرف عليَّ من صوتي فقط، ونحن لم نلتقِ إلا لمرةٍ واحدة.
“نعم! إن لم نقتلعها دوريًا، ستنمو لتطغى على الزهور وتؤذيها. لا نريدُ للزهور أن تغضب، لذا علينا العناية بها جيدًا.”
“… فهمت.”
هل تغضبُ الزهورُ حقًا؟ في ظروفٍ أخرى، كنتُ سأعتبرُ كلامه مجرد استعارةٍ وأبتسم، لكن بعد الأهوال التي رأيتُها في هذا الفندق، بدأتُ أصدقُ أن الزهور قد تستشيطُ غضبًا بالفعل. تراجعتُ خطوةً بعيدًا عن الورد؛ فلا رغبة لي في تعكير مزاجه.
“لا أرى أيًا من الموظفين أو النزلاء… هل تعرفُ السبب؟”
“آنسة، أتقيمين في الجناح الشرقي؟ ربما لهذا لم تري أحدًا. اليوم لا يوجد زبائن بشريون تقريبًا، لذا نُقل معظم الموظفين إلى الجناح الغربي.”
لكن، هل يُعقلُ أن يخلو الجناح الشرقي من الموظفين تمامًا؟ حتى مع إعادة التوزيع، لا بد من بقاء فردٍ واحدٍ على الأقل. لكنني، ومنذ خروجي من غرفتي حتى وصلي للحديقة، لم أصادف إلا هذا البستاني.
“إن كنتِ بحاجةٍ لمساعدة، هل أذهبُ للجناح الغربي وأستدعي لكِ أحدًا؟”
“سأكونُ ممتنةً لك حقًا.”
حينها، بدأ المنحني يلتفتُ نحوي ببطءٍ شديد، وابتسامةٌ عريضة تكسو وجهه. استمرَّ في تدوير رأسه… أكثر، فأكثر. وقبل أن أنطق بكلمة، وصل عنقه إلى زاويةٍ مستحيلة، تمامًا كما رأيتُ عمي في المنام. وفجأة، توقف الرأسُ عند نقطةٍ معينة.
“طَق”، دوى صوتُ كسر العظام، وتلاشت الابتسامةُ عن وجه البستاني. فقد جسدُه توازنه وهوى إلى الجانب. ماذا يحدث هنا؟ تجمدتُ في مكاني أراقب المشهد بذهول، وعقلي يرفضُ استيعاب ما جرى.
أالتوى عنق البستاني للتو؟ وهل سقط صريعًا؟
عادت أنفاسي لتضطرب من جديد. وبلا وعي، استدرتُ وهرعتُ عائدةً نحو منصة الاستقبال التي مررتُ بها قبل قليل.
هناك، وجدتُ موظفًا بملامح جادة يقفُ خلف المنصة، وكأنه عاد من الجناح الشرقي للتو.
يا للهول، كم شعرتُ بالارتياح! أخيرًا، هناك من أطلبُ منه النجدة.
تحدثتُ إليه بأنفاسٍ مقطوعة وصوتٍ يرتجف:
“أرجوك! لقد حدث أمرٌ مروع. هناك في الحديقة، البستاني…”
“آنستي، تمهلي وأخبريني، ماذا حدث؟”
“كنتُ في الحديقة وفجأةً التوى عنق البستاني… لقد سقط أرضًا، أرجوك اذهب لرؤيته بسرعة!”
ردَّ الموظف بنبرةٍ هادئة وباردة، وكأنه لم يدرك فظاعة الموقف:
“ماذا تقصدين بالتواء عنقه؟”
“كما أقول لك! التوى عنقه فجأة بزاويةٍ مستحيلة!”
“آه.”
أومأ الموظف وكأنه فهم أخيرًا. وفجأة، ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ ممتدة، وبدأ رأسُه يلتفُّ ببطء. تمامًا كما حدث قبل قليل، وبذات الزاوية المحرمة. عجزتُ عن النطق مجددًا، وفي لحظات، لم يعد ما يواجهني هو وجه الموظف، بل قفاه.
ثم سألني بصوتٍ هادئٍ ورزين:
“أهكذا تقصدين؟”
“طَق”، تردد صدى تكسر العظام في أذني مرةً أخرى.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"