“… لا أفهمُ حرفًا مما تقوله. هل هذهِ دعابةٌ سمجة؟”
“ليست دعابة، بل حقيقةٌ مجردة.”
“إذًا هاتِ ما عندك؛ أخبرني بالسبب. لِمَ سأموت لو خطت قدمايَ خارج أسوار هذا الفندق؟”
“هممم، خِلتُكِ تدركين ذلك بالفعل.”
لا أدركُ شيئًا! ومِن أين لي أن أعلم؟ جئتُ إلى هنا لكشف لغز موت عمي، فمَن ذا الذي يتخيل أنني سأصبحُ سجينةً بين جدرانه؟
أصلاً، لا يمكنني الجزمُ إن كان إيجيكل صادقًا أم ينسجُ الأكاذيب. عمي لم يكن في كامل قواه العقلية حين كتب مذكراته الأخيرة، ومن الوارد جدًا أن يكون قد خطَّ ترهاتٍ لا أساس لها. لعلَّ إيجيكل قرأ تلك المذكرات وقرر أن يتخذني مادةً للسخرية.
كيف لامرءٍ أن يسرد خبر موتي المحتم خارج الفندق بتلك الملامح الباسمة؟ من النادر حقًا أن تجد شخصًا بمثل هذا الالتواء في الشخصية. وزيادةً على ذلك، فوجهه الضاحك دومًا يجعل من المستحيل التمييز بين جِدِّه وهزله.
حدَّقتُ فيه بحدة وعيناي تضيقان غضبًا، فقابلني بابتسامةٍ مشرقةٍ مستفزة.
“يبدو أنك لا تنوي إخباري. حسنًا، سأغير سؤالي: هل تعني بكلامك أن عليَّ العيش هنا؟”
“فطنةٌ كالعادة. آنسة ليندتيل، عليكِ البقاء في هذا الفندق إن كنتِ ترغبين في الحفاظ على حياتكِ. ولا تقلقي، سأقوم بخدمتكِ بكل إخلاص.”
للمزاحِ حدود، وقد بلغتُ ذروة صبري حين مررتُ بتلك التجربة المروعة مع الوحش، وحتى حين قدَّم هو الأوراق الرسمية على حديثي عن عمي. كان ذلك آخِر خطٍ دفاعي رسمتُه، لكنه تجاوزه بخفة، وكأنه لا يكترثُ أبدًا لرد فعلي.
“… تتحدثُ وكأنني أصبحتُ زبونةً دائمةً في هذا المكان.”
“أوه، لستِ زبونة، فالحقيقة أن الآنسة ليندتيل…”
فرقع إيجيكل أصابعه، تمامًا كما فعل حين غيَّبَ ذلك الوحش عن ناظري. وفجأة، تحركت ورقةٌ من بين أكوام المستندات وكأنها دبت فيها الحياة، لتستقر في يده بسلاسة. مشهدٌ لا يحدث إلا في الروايات الخيالية يتكرر أمامي مجددًا. يبدو أنه لم يعد يكترثُ لإخفاء حقيقة كونه ليس بشريًا.
ثم نطق بكلماتٍ وقعت عليَّ كالصاعقة:
“لأنكِ الآن… مديرة هذا الفندق.”
كان رأسي يترنحُ بالفعل مما سمعتُه سابقًا، فما بالُ هذا الهراء الجديد؟
“تقول إنني سأموتُ إن غادرت، ثم تدعي فجأةً أنني المديرة؟ لم أوافق على شيءٍ كهذا قط!”
“بل وافقتِ بنفسكِ، وهذا الدليلُ بين يدينا.”
دفع بعقدٍ أمام عيني. أخذتُه منه ورحتُ أتفحصُ بنوده بدقةٍ متناهية.
[عقد تفويض إدارة شركة
اتفق الطرفان: إيجيكل، النائب عن ممثل فندق “بيلفيدير” (ويشار إليه لاحقًا بـ “الطرف الأول”)، وكاينا ليندتيل (ويشار إليها لاحقًا بـ “الطرف الثاني”) على إبرام عقد تفويض لإدارة الشركة وفقًا لما يلي:
– المادة الأولى: يقوم الطرف الأول بتفويض صلاحيات إدارة فندق بيلفيدير إلى الطرف الثاني، وقد قَبِل الطرف الثاني بذلك.
المادة الثانية: يعمل الطرف الثاني بصفته المدير التنفيذي على إدارة الفندق بفعالية، ويلتزم الطرف الأول بمعاونته.
المادة الثالثة: يسري هذا العقد فور التوقيع عليه، وتستمر مدته حتى وفاة الطرف الثاني.]
قلبتُ الورقة يمنةً ويسرة غير مصدقة، أبحثُ عن أي أثرٍ للتزوير. لكن التوقيع في الأسفل كان اسمي بلا شك، والخطُ هو خطي تمامًا. المعضلة أنني لا أذكرُ قط أنني وقعتُ على مثل هذه الورقة اللعينة. مهما بلغت درجة استهتاري بالأمس وأنا أقرأ الأوراق، مستحيلٌ أن أوقع على شيءٍ بهذا الثقل دون وعي.
وبينما كنتُ أتحسسُ الورقة، شعرتُ بلزوجةٍ عند طرفها وكأنها مادةٌ صمغية. بحثتُ في المكان الذي كانت فيه، ولاحظتُ أن الورقة التي كانت فوقها مباشرةً في الكومة كانت أرقَّ من البقية.
“لقد وضعتَ العقد تحت الورقة التي وقعتُ عليها، ليتسرب الحبرُ من خلالها!”
“أحقًا؟ يا للغرابة! لِمَ كانت الأوراق متراكبة هكذا؟ لكن، في نهاية المطاف، يظلُّ توقيعكِ حقيقةً لا تتغير.”
“أتمزحُ معي؟ هذا عقدٌ باطلٌ بُني على الاحتيال، ولا قيمة قانونية له.”
“سيكون كذلك لو استطعتِ إثبات الاحتيال. لكن، هل تملكين دليلاً دامغًا؟ لا أظن ذلك.”
لجمتني وقاحته عن الكلام.
“… لقد خططتَ لكل شيءٍ بدقة، أليس كذلك؟”
“يسعدني سماعُ ذلك، أشكركِ على الإطراء.”
“لم يكن إطراءً بل…!”
زفرتُ بعمق. الآن فقط أدركتُ لِمَ كان عمي يصف إيجيكل بألفاظٍ نابية في مذكراته. شعرتُ برغبةٍ عارمة في سحب الاسم الذي أعطيتُه إياه واستبداله بشتيمةٍ تليق به.
يبدو أن عمي كان يتقبل فكرة كونه مديرًا لهذا الفندق، أما أنا فلا رغبة لي في هذا المنصب أبدًا. يكفيني الصداع الذي تسببه لي أملاك عائلة ليندتيل، ومجرد التفكير في المهام التي تنتظرني في تاون هاوس يجعلني على وشك الإغماء.
والآن، عليَّ أن أتحمل مسؤولية إدارة فندق؟ بل ولا يمكنني الهروب منه؟
وكأن إيجيكل عزم على صب الزيت على نيران غضبي، فأضاف:
“بالمناسبة، ذلك العقد ليس بشريًا، لذا لن ينفعكِ التوسلُ بالقانون. إنه يحملُ ما يسميه البشر ‘أثرًا سحريًا’.”
هل هو عقدٌ مع شيطان إذًا؟ قلبتُ الورقة التي تبدو عاديةً تمامًا بين يدي، لم تكن توحي بشيءٍ من هذا القبيل.
لكن، كما قال، لا أملك دليلاً. حتى لو ادعيتُ تراكب الأوراق، فسيظلُّ مجرد ادعاءٍ من طرفي بلا بينة. كما أن بنود العقد ليست مجحفةً تمامًا رغم غرابتها؛ فمقابل الإدارة، سأحصلُ على أراضٍ تقارب الخمسين فدانًا. أي شخصٍ غريب سيرى أن العقد صيغ لصالحي أنا.
باختصار، حتى بقوة القانون، لا سبيل لإبطاله.
“على كل حال، ستموتين قبل أن تصلي إلى المحكمة لو غادرتِ الفندق.”
“آه… إذًا أخبرني، ما هو السبب؟ هذا العقد لا يذكر شيئًا عن ذلك.”
“ألا يخطر ببالكِ أي شيء؟ غريبٌ فعلاً.”
تحسس إيجيكل ذقنه مفكرًا، ثم قال وكأنه يقترح حلاً عبقريًا:
“إن كنتِ فضوليةً لهذه الدرجة، جربي بنفسكِ. اخرجي من حدود الفندق وانظري: هل ستموتين أم لا؟”
“هل تظنُّ أن هذا الكلام منطقي؟”
“أعتقدُ أنه الحلُّ الأكثر يقينًا، رغم أن الموت هو النهاية. هاهاها.”
“مجنون!”، شتمتُه في سري.
حاولتُ تهدئة غضبي الفائر ورحتُ أحلل الأسباب التي قد تودي بحياتي. الاحتمال الأكبر هو كالتالي:
أن الفندق نفسه هو من سيقتلني.
“بيلفيدير” يمكنه أن يبتلع الأشياء كما يلتهم البشر طعامهم. لا أعرف كيف، لكنه كيانٌ حي بشكلٍ ما. فليس من المستبعد أن يطاردني لينتقم مني. هذا الفندق ليس طبيعيًا بكل المقاييس.
أو ربما ذلك المدير المعتوه سيقرر إبادي لأنني “تجرأتُ على ترك المنصب”. أو قد أنتهي كما انتهى عمي، فأضعُ حدًا لحياتي بيدي تحت تأثير قوىً غامضة. يا له من فندقٍ “مؤثر”، يجعلني أتخيلُ كل هذه السيناريوهات لموتي.
“قد يبدو العيشُ هنا للأبد مملًا، لكنه ليس كذلك تمامًا. حدود الفندق تشمل غاباتٍ وبحيرةً وجزءًا من النهر. سيكون استكشافُها ممتعًا. كم ستعيشين يا آنسة ليندتيل؟ سبعين عامًا أخرى؟ البشرُ غالبًا لا يعمرون كل هذا القدر.”
تحدث إيجيكل وكأن سبعين عامًا ليست سوى طرفة عين. لا أعلم عمره الحقيقي، لكنني أيقنتُ أنه عاش دهرًا. ملامحه التي تبدو في العشرينيات ليست سوى قناع.
توقف عن سرد تفاصيل الأرض، ثم نظر إليَّ بجديةٍ مفاجئة:
“لا تغادري الفندق. أؤكدُ لكِ، هذا هو الخيار الأفضل لكِ.”
حتى لو قال ذلك، لا يمكنني الاقتناع. قبل مجيئي إلى هنا، كنتُ أخوض نزاعًا مع أقاربي على وراثة لقب الكونت. لم أكن متمسكةً باللقب لذاته، لكنه كان حقي الوحيد المتبقي. لو بقيتُ سجينةً هنا، فستذهب كل تلك الحقوق إليهم.
جئتُ لزيارة الفندق بعد سماع خبر موت عمي، فكِدتُ أقتل على يد وحش، واكتشفتُ انتحار عمي، والآن عليَّ أن أرث مكانه!
كيف لي أن أتحمل كل هذه الصدمات في يومين فقط؟ بل إنني لم أرتح منذ شهورٍ بعد احتراق القصر. كنتُ أصارعُ ضيق الوقت والعمل المتراكم حتى في ساعات نومي. يبدو أن عقلي قرر أخيرًا التوقف عن تقبل هذا الواقع.
“ما بكِ يا آنسة ليندتيل؟ وجهكِ شاحب. آه، عذرًا، أقصدُ ‘سيدتي المديرة’.”
نظر إليَّ ذلك الوحش ذو العينين الزرقاوين بابتسامته الدائمة. شعرتُ كأنني حشرةٌ وقعت في شباك عنكبوت؛ مهما تخبطتُ، لن أفلت أبدًا.
دارت الدنيا بي. الصداع الذي لازمي منذ الصباح اشتد، وبدأت الرؤية تتلاشى.
“هل تودين الاحتفاظ بنسخةٍ من العقد؟ من الأفضل أن تكون معكِ لتلتزمي ببنودها. لقد جهزتُ نسخةً مسبقًا…”
وقرٌ أصاب أذني، لم أعد أفهمُ حديث المدير. ارتخت يدي وسقط القلم منها. صرخ المدير بشيءٍ وهو يقترب مني، ثم… أظلم العالم.
وهكذا، أصبحتُ مالكة الفندق الذي تسكنه الوحوش.
***
وضع الرجل يده على جبهة المرأة النائمة. انتقلت حرارةُ الحمى إلى أنامله الباردة. ملامحها التي كانت منقبضةً من الألم استرخت قليلاً حين لامسها بروده. ظلَّ يراقبها بصمت قبل أن يسحب يده.
“ألن تصمدي طويلاً؟ خِلتُ أن الأمر قد يختلف هذه المرة. ففي النهاية، أنتِ ■■■ ■■■ ■■■■■ ■■■■■■.”
ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة. أطفأ شعلة الشمعدان وخرج من الغرفة. وقبل أن يغلق الباب تمامًا، التفت خلفه لمرةٍ أخيرة.
“أرجو أن تصمدي لأطول فترةٍ ممكنة. أحلامًا سعيدة… أيتها المديرة.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"