“بل إن الأمر لا يقف عند كونه رخيصًا فحسب، وإنما يكاد يكون مجانيًّا تمامًا. أليس هذا المكان مثاليًّا لتحقيق حلم امتلاك بيتٍ خاص؟”
“مهما يكن الأمر، فهذا مبالغ فيه بعض الشيء…”
“في هذا الزمن الذي نعيشه، لم يعد بإمكان الراتب العادي أن يؤمِّن للمرء حتى غرفةً واحدة”.
وضع كأسه على الطاولة بصوتٍ مسموع، ثم استطرد:
“وحتى لو استطاع المرء أن يجمع ما يجمع ويشتري شيئًا ما، فإنه ما لم يكن في منطقة آمنة تمامًا، فهو معرَّضٌ للخطر على أي حال. انظري إلى اليوم فقط: ألم تشاهدي في الأخبار ذلك الشقُّ الطارئ؟ لا أحد يدري أين ومتى يفتح مثل هذا الشقُّ. إذا حلَّ سوء الحظ، انقطعت خيوط الحياة بنفس الطريقة سواء أكنتَ في مكانٍ أم في آخر. فإذا كان الأمر كذلك، أليس العيش في بيتٍ فسيح أفضل من غرفةٍ ضيِّقة؟”
كان كلامه صحيحًا إلى حدٍّ كبير؛ فالمناطق الصالحة للسكن محدودة جدًّا، فارتفعت أسعار العقارات ارتفاعًا جنونيًّا، ولم يعد باستطاعة عامة الناس اقتناء بيت.
ومع ذلك، فإن حيّ الظلام* كان مكانًا خطيرًا إلى درجة لا تقاس بغيره، فلم يقنعني تفسيره تمامًا.
*هذا اللي كنت اناديه الفصول السابقة هيكتانغ دونغ و معناه حي الظلام*
فتحتُ فمي متردِّدةً:
“لكن ألا يمكنكما، بما أنك تعيش مع صاحب رتبةٍ عالية مثل بايك هيدو، أن تحصل على بيتٍ أفضل في منطقة أخرى؟”
أجابني وهو يقطب حاجبيه في استغراب:
“ذلك الوغد هو الذي اقتحم بيتي بنفسه واستقرَّ فيه دون استئذان. وأنا نفسي أتساءل حتى الآن: لماذا يُصرُّ على البقاء في بيتي؟”
ثم عقد ساقيه وأضاف:
“إن سنحت لكِ الفرصة، فاسأليه بدلاً مني من فضلك”.
ما أن سمعتُ ذلك حتى ازداد فضولي ولم أستطع كبح السؤال:
“وما علاقتك بالسيد بايك هيدو؟”
في البداية ظننتُ أنهما اقارب، لكن وجهيهما لا يتشابهان البتة.
وعلاوةً على ذلك، علمتُ رغمًا عني أن بايك هيدو بلا أهل.
ولا يبدو أنهما صديقان أيضًا؛ فالفارق العمري كبير، إذ أن بايك هيدو في جيلي تقريبًا، بينما يبدو كو يون جيه في أواخر الثلاثينيات على الأقل.
“أنا وذلك الفتى… في سالف الزمان…”
كان على وشك أن يقول شيئًا، لكنه توقَّف فجأة.
تردَّد لحظة، ثم استأنف الكلام:
“حسنًا، لنقل أنها علاقة قدريَّة مريرة. ولو أمكنني لما رأيته مجددًا”.
يقول ذلك، ومع ذلك يعيشان معًا، فلا بد أن بينهما قربٌ ما.
أردتُ أن أعرف التفاصيل، لكنه لم يبدُ مستعدًّا للخوض أكثر.
رفعتُ كأسي الذي كاد يبرد، وشربتُ من الشاي رغم مرارته الطاغية؛ فلم أشأ أن أترك ما قُدِّم لي من ضيافة.
“على أي حال، سأريكِ غرفتكِ الآن. لقد تأخَّر الوقت كثيرًا”.
“آه، نعم”.
هممتُ بالنهوض من مقعدي، غير أن صوت “كلاك” خفيفًا صدر من الجانب في تلك اللحظة.
التفتُّ أنا وكو يون جيه معًا نحو مصدر الصوت.
كانت هناك يدٌ صغيرة بيضاء تمسك بحافة الجدار عند مدخل المطبخ، وأصابعها الصغيرة تتحرَّك حركةً خفيفة حتى من بعيد.
ما أن ركَّزتُ النظر حتى برز من خلف الجدار وجهٌ صغير أبيض ناصع.
وجهٌ مألوف جدًّا.
“إيون يو؟”
كانت الطفلة التي التقيتها في الشقِّ ظهر اليوم تنظر إليَّ.
“… أختي؟”
اتسعت عيناها اللتان كانتا نصف مغمضتين عندما رأتني.
“جونغ إيون يو، ألم تنامي بعد؟”
وبَّخها كو يون جيه بنبرةٍ مألوفة وهو يكتشفها.
“أتدرين كم الساعة الآن؟ الساعة الواحدة بعد منتصف الليل! الواحدة! كفِّي عن السهر هكذا، وإلا بكيتِ لاحقًا عندما لا يطول قامكِ…”
“أختي!!”
لم تكترث إيون يو لتوبيخه المتتابع كالرصاص، بل ركضتْ نحوي فرحةً و عانقتني بقوة.
كنتُ أعلم أنها تعرف بايك هيدو جيدًا، لكن يبدو أنها تعيش هنا أيضًا في هذا البيت.
احتضنتُها بدوري، مسرورةً بلقائنا من جديد.
“ماذا؟ أتعرفان بعضكما؟”
سأل كو يون جيه في دهشة.
“إنها الأخت الكبيرة ساعدتني داخل الشقِّ”.
“كنتما معًا هناك؟”
نظر إليَّ بنظرةٍ متسائلة.
و رفعت إيون يو التي التصقت بذراعي وجهها وسألتني:
“لماذا أتيتِ إلى هنا يا أختي؟”
قبل أن أجيب، بدأتْ تقفز وتسأل بلا توقف:
“هل جئتِ لزيارتي؟ لماذا رحلتِ بهذه السرعة آنفًا؟ هل ستبيتين هنا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 22"