“إن كان ذلك يُسبب لكِ الإزعاج حقًّا، فيمكنني أن أُعدَّ لكِ مأوى آخر، ولكن أليس من الأفضل أن تبيتي هنا هذه الليلة على الأقل؟ فالوقت قد تأخَّر كثيرًا الآن”.
تأملتُ كلامه برهةً.
مهما فكَّرتُ، كانت الأمور محيِّرة ومليئة بالتعقيدات، لكنني سرعان ما اضطررتُ إلى الإيماء رأسي موافقةً.
“حسنًا، ليلة واحدة فقط، لا ضير في ذلك على ما أظن”.
كنتُ أعلم في عقلي أن التقرُّب منه لن يجلب لي خيرًا، غير أن الإعياء قد استبدَّ بي تمامًا.
“لقد اتخذتِ قرارًا صائبًا. تفضَّلي بالراحة دون قلق”.
قادني بايك هيدو نحو الباب الرئيسي وقال:
“ادخلي أولاً”.
ما الأمر؟ أليس من المفترض أن ندخل معًا؟
“و إلى أين تذهب يا سيد بايك هيدو؟”
“لا يزال القلق يعتريني. ينبغي لي أن أجول في الجوار قليلاً. لقد شعرتُ للتو بهالة خطرة واضحة”.
لا، أنا أعرف مصدر ذلك الخطر جيدًا.
إنها الهالة التي انبعثت من أودوكشيني بلا شك.
لكنني لم أستطع إخباره بذلك على الإطلاق.
“ألن يفزع صاحب المنزل إذا ذهبتُ وحدي؟”
“قد أبلغتهم مسبقًا، لذا سيستقبلونكِ بترحاب”.
أجابني ثم حياني تحية خفيفة وغادر المكان فورًا.
اختفى في لمح البصر، فلم أجد فرصة لمنعه.
تركني وحيدة أمام منزل شخص غريب تمامًا وانصرف.
“انتظر لحظة… أين ذهب أودوكشيني إذن؟”
فجأة تذكَّرتُ الكائن الذي نسيته تمامًا.
لم يكن موجودًا عندما ذهبنا إلى مكتب الإدارة.
يبدو أنه تُرِكَ في المكان الأصلي عندما انتقلنا عبر الفضاء.
خرجتُ إلى الطريق أمام المنزل ونظرتُ حولي.
رغم أنه وحش، فإنه يظهر لي في هيئة ابن عرس، فازداد قلقي عليه.
“هل يجب أن أعود إلى المكان الذي كان فيه منزلي؟”
لكن حتى وإن كنا في الحي الأسود نفسه، فأنا لا أعرف موقعي بدقة، والظلام حالك أيضًا.
[يا… يا زعيمة…]
في تلك اللحظة، سمعتُ صوتًا زاحفًا ينبعث من ظلام الليل الدامس.
برزتْ عينان صفراوان فجأة من الأرض.
[هذا قاسٍ جدًّا. لقد تخلَّيتِ عني].
“كلا، إنه سوء فهم…”
عاد أودوكشيني إلى هيئة ابن العرس من جديد.
رفعته بكلتا يديّ، فامتدَّ جسده كما لو كان مصنوعا من الجبن.
[اختفيتِ فجأة. بحثتُ عنكِ في كل مكان فلم أجدكِ].
قال أودوكشيني بنبرة متضرِّرة.
يبدو أنه غاضب قليلاً.
“لم أقصد ذلك. المهم أننا التقينا مجددًا، أليس كذلك؟”
[همف].
أجابني بتردد ثم هبط إلى الأرض.
[يا زعيمة].
“نعم؟”
[هل يمكنني أن أطلق طاقتي بحرِّية الآن؟]
انتفضتُ فورًا ومنعته:
“لا، مستحيل، لا تفعل”.
إن فعل ذلك، فسوف يهرع بايك هيدو إلى هنا بعيون مشتعلة.
يبدو أن طاقة أودوكشيني هي عينها “ضرر الرعب”، لذا يستطيع صيادون مثله رصدها.
[إنني أشعر بالضيق الشديد. ولا أعلم إلى متى سأتمكَّن من كبت هذه الطاقة].
ماذا أفعل؟ إذا دخلتُ ذلك المنزل، سيكون هناك آخرون، فسيتوجَّب عليه كتم طاقته أكثر فأكثر.
انتظري، ليس من الضروري أن يبقى أودوكشيني هنا أصلاً، أليس كذلك؟
“إذن، سأرسلك إلى البرج”.
في البرج يستطيع أن يطلق طاقته كما يشاء دون أي مشكلة.
رفع أودوكشيني رأسه وسألني:
[هل سترسلينني وحدي؟ وكيف؟]
“لقد استُدعيتَ هنا بسبب نمط القتال، أليس كذلك؟ فإذا أنهيتُ القتال، أفلا تعود إلى مكانك الأصلي؟”
فكَّر أودوكشيني لحظة ثم أومأ برأسه وقال:
[ منطقي. لكن إذا فعلتِ ذلك، فسيتعيَّن على الرئيسة أن تبدأ كل شيء من الصفر عندما تحتاجين إلى القتال مجددًا].
يعني ذلك أن عليَّ أن أنزف مجددًا.
لكن هذا أمر يمكنني تحمُّله.
“حسنًا، سأصبر على ذلك”.
حملتُ أودوكشيني ووضعته على كتفي، ثم فتحتُ نافذة الحالة.
في زاوية المعلومات الخاصة بي، ظهر رمز برج أحمر اللون.
عندما ضغطتُ عليه، برز أول ما برز بخط أحمر كبير: <D—27>.
كان الوقت ينقص بانتظام.
دفعتُ ذلك جانبًا بعينين مُتعبة.
من بين القوائم التي ظهرت، وجدتُ بندًا بعنوان “القتال”.
عندما ضغطتُ عليه، ظهر الخيار فورًا:
【هل ترغبين في إنهاء القتال؟】
نهض أودوكشيني وقال لي:
[يا زعيمة، إذا احتجتِ إليَّ يومًا، فناديني في أي وقت].
“حسنًا، سأفعل”.
ضغطتُ “نعم” دون تردد.
في تلك اللحظة، اختفى أودوكشيني كأنه سراب.
وفي الوقت نفسه، انطفأ مقياس الضوء الذي كان يومض في زاوية رؤيتي، واختفى أخيرًا جرح راحة يدي.
*نوڤا: ذكرتني بأنمي أتاك لما يجرحون يدهم عشان يتحولون*
فككتُ منديل اليد الذي كنت قد شددته بإحكام.
فقلتُ في نفسي: “آه صحيح، هذا المنديل كان من بايك هيدو. لم أكن أظنُّ أنني سأتمكَّن من إرجاعه يومًا ما. حسنًا، خيرٌ هكذا”.
عدتُ أدراجي إلى أمام المنزل المبنيِّ بالطوب الأحمر القاني.
وحتى وإن كان بايك هيدو قد أبلغهم مسبقًا، فإن مجرَّد طرق الباب تطلَّب مني شيئًا من الشجاعة؛ فليس من اليسير أن يبيت المرء في بيتٍ لا يعرفه على الإطلاق.
“هوووو”.
تنفَّستُ نفسًا عميقًا، ثم رفعتُ يدي وضغطتُ على الجرس.
بعد برهة، سمعتُ من الداخل دويَّ خطواتٍ ثقيلةً مدوِّية، كأنها أقدامٌ تُهزُّ الأرض هزًّا عنيفًا…
فانفتح الباب فجأةً على مصراعيه.
“يا بايك هيدوووو!”
تردَّد صوت رجلٍ جهوريٌّ في الوقت نفسه، وما أن انشقَّ الباب حتى اندفعت مكنسةٌ من بين الشقِّ قبل أن يظهر صاحبها.
“آه!”
تراجعتُ إلى الوراء بحركة غريزية.
“يا لك من وقح! كم مرة أقول لك: إذا كنت ستتناول العشاء خارج البيت فأخبرني مسبقًا!!”
كان رجلاً في أواخر الثلاثينيات من عمره.
“ثم تخرج لتبيت خارج المنزل دون كلمة واحدة؟ لقد أتقنتَ فنَّ إقلاق الآخرين حقًّا! إن كنت ستفعل هذا فاخرج ولا تعُد! اخرج من بيتي!”
كان على وشك أن يلوِّح بالمكنسة وهو يزأر، ثم التقتْ عيناه بعينيّ.
ارتعشتْ حدقتاه ارتعاشًا واضحًا.
“… م، من أنتِ؟”
سألني بصوتٍ مضطربٍ جدًّا.
“أنا… قال السيد بايك هيدو أنه أبلغكم، و أنني سأبيت هنا لليلة واحدة فقط…”
أجبتهُ بصوتٍ لا يقلُّ اضطرابًا عن صوته.
“…”
أخذ ينظر إليَّ تارةً وإلى الجوار تارةً أخرى بحدقةٍ لا تزال ترتجف.
ثم أنزل يده التي كانت تمسك المكنسة، وخدش رأسه بخجل واضح.
“هل أتيتِ وحدكِ؟ وأين ذلك الوغد؟”
“قال أنه سيطوف في الجوار قليلاً”.
“يا لَلْعجب”.
عندما رأيته قد هدأ، سويتُ في وقفتي بهدوء وعدَّلتُ قامتي.
“سمعتُ أن هناك ضيفًا قادمًا، لكنني لم أتوقع أن يرسله وحده”.
تنهَّد تنهُّدةً عميقة، ووضع المكنسة جانبًا عند المدخل.
ثم رفع رأسه ونظر إليَّ.
“سامحيني، لقد أفزعتكِ”.
اعتذر إليَّ بأدبٍ جمٍّ.
“آه، لا بأس”.
أجبتهُ إجابةً خفيفة.
ثم ساد صمتٌ محرجٌ لبضع لحظات.
كان يتفحَّصني بهدوء.
لا عجب، فغريبةٌ تطرق الباب في جوف الليل، فمن الطبيعي أن يحتاط.
لكنه سرعان ما تنهَّد تنهُّدةً قصيرة كمن استسلم للأمر الواقع، ثم فتح الباب على آخره.
“تفضَّلي بالدخول أولاً”.
* * *
قدَّم الرجل نفسه باسم كو يون جيه.
ثم أجلسني إلى مائدة الطعام وأحضر لي كأسًا من الشاي الساخن.
كان الوقت متأخِّرًا جدًّا لجلسة شاي، لكنني لم أستطع رفض كأسٍ دافئة.
كنتُ في أمسِّ الحاجة إلى أي شيءٍ يمنحني شيئًا من الدفء.
“قلتِ أن اسمكِ تشون سيوري، أليس كذلك؟ لا أريد التدخُّل كثيرًا ما دمتِ ضيفة بايك هيدو، لكنني أودُّ أن أعرف على الأقل كيف انتهى بكِ الأمر في هذا البيت”.
دفع جانبًا الأطباق التي كانت على المائدة وهو يتكلَّم؛ كان الطعام قد برد تمامًا، ويبدو أنه أعدَّه لبايك هيدو.
ثم وضع إبريق الشاي المغليِّ على المائدة.
“ليست من عادته أن يأتي بضيوف، فالأمر نادر جدًّا”.
مرَّتْ في ذهني أحداثٌ كثيرة، لكنني اخترتُ أن أقتصر على الجوهر:
“لأن السيد بايك هيدو هو من هدم منزلي، فلم يبقَ لي مكانٌ أذهب إليه فورًا”.
“م، ماذا؟!”
انتفض كو يون جيه في ذعرٍ واضح.
ربما كنتُ موجزةً أكثر من اللازم.
“ما الذي يفعله هذا الفتى وأين يتجوَّل إذن؟”
قالها بوجهٍ قلق، ثم تنهَّد تنهُّدةً عميقة، وأردف:
“مع طباعه تلك، فهو حتماً سيُعوِّضكِ تعويضًا لائقًا. فتفهَّمي الأمر بقلبٍ واسع”.
أما أنا فالقضية قد انتهت بالنسبة إلي، فلم يكن لديّ ما أضيفه.
صبَّ لي كو يون جيه الشاي في الكأس الذي أمامي.
كان طقم الشاي يبدو غريبًا بعض الشيء عن جوِّ هذا البيت، بنقوشه الأجنبية الرقيقة.
ونظرتُ إلى البخار المتصاعد منه، ثم سألتُ ما كنتُ أودُّ سؤاله منذ مدة:
“لكن هذا البيت سليمٌ تمامًا، متينٌ وبُني حديثًا، أليس كذلك؟”
ليس الخارج فقط، بل الداخل أيضًا نظيفٌ وكأنه منزلٌ جديد تمامًا.
“أجل، لم تمضِ عليه سوى بضع سنين”.
“ولماذا تبنون بيتًا في مكانٍ كهذا؟ لا أحد يعلم متى قد يتعرَّض للهجوم”.
سألتهُ في دهشة.
أنا عدتُ إلى هنا لأن بيتي كان هنا أصلاً، لكن بناء بيتٍ جديد في هذه المنطقة كان أمرًا غريبًا.
فالجميع يعلم أن الوحوش التي لم تستطع إدارة التحكُّم القبض عليها تتجوَّل في كل مكان، وقد يتشقَّق الفراغ فوق رأس البيت في أي لحظة.
صحيح أن هناك حاجزًا سكنيًّا أساسيًّا يحمي المسكن، لكنه لا يجدي نفعًا إلا مع الوحوش ذات المستوى المنخفض.
هل لديه قوةٌ خفية؟ ربما هو مستيقظٌ قويٌّ جدًّا؟ إن كان يملك ما يطمئنه كما أملك أنا، فلا غرابة حينها.
لكنه أجاب بصوتٍ صافٍ وصريح، إجابةً لم أتوقعها على الإطلاق:
التعليقات لهذا الفصل " 21"