الفصل 26
لكن نيل لم يكن كذلك.
كان نيل رويس بطبعه أحمقا قليلًا وطيبَ القلب، لذا فقد رأى أنّ عدم إبلاغ الأب الحقيقي بوفاة ابنته يُعدّ خروجًا عن مقتضيات الأخلاق.
وبفضل ذلك، استطاع سيوربولد أن يعرف.
خبر وفاة ابنته، وخبر ولادة حفيدته.
لكن ذلك كان كلّ شيء.
لم يكن بوسعه أن يذهب ليقيم جنازة ابنته، ولا أن يذهب لرؤية حفيدته.
لأنّه حين رحلوا، أقسم ألّا يراهم مجددًا أبدًا……
يا له من قسمٍ أحمق!
لو كان ممكنًا، لكان سيوربولد قد أعاد الزمن إلى ذلك اليوم.
وقد عاش وهو يحمل هذا الندم ثماني سنواتٍ كاملة.
وبعد ثماني سنوات، التقى أخيرًا بحفيدته.
‘كلام نيل صحيح.’
حين تلقّى رسالة نيل التي أخبره فيها بأنّه صعد إلى العاصمة، تعمّد سيوربولد تعقّبه، ووضع من يراقبه، ثم وقف منتظرًا في ذلك الزقاق، في ذلك اليوم تحديدًا.
آملًا أن يلتقي بحفيدته مصادفة.
آملًا أن تتقاطع طرقهما صدفة، ولو ليرى وجهها مرةً واحدة……
وهكذا، وبعد طول انتظار، التقى بحفيدته.
لكن، ما الذي فعله الآن بحفيدته التي أحبّها؟
لم يفارق مخيّلته وجه إيفي وهي تغادر المكان وقد ارتسم عليه جرحٌ عميق.
تردّد نيل قليلًا، ثم فتح فمه بحذر.
“سأحاول تهدئة إيفي.لكنني لست واثقًا من أنني سأستطيع، فهي كما ترى، تشبه آيرين كثيرًا…….”
كان ذلك صحيحًا تمامًا.
كانت حفيدته نسخةً مطابقة لابنته.
حتى إنّه حين ألبسوها الفستان الذي كانت آيرين تحبّ ارتداءه في طفولتها، خُيّل إليه أنّ آيرين قد عادت من جديد.
“هيا يا أبي.لنعد إلى القصر الإمبراطوري، فقد يكون صاحب السمو في انتظارنا.”
حتى نبرتها الحازمة كانت تشبه آيرين تمامًا.
وإن كانت قد ورثت عن آيرين عنادها أيضًا، فلن تتراجع إيفي عن قرارها، ولن تغيّر رأيها أبدًا.
حين وصل إلى هذه الفكرة، ضاق صدره.
مسح سيوربولد ذقنه بكفٍّ جافّة، ثم نظر إلى نيل.
“نيل.”
“نعم…… يا حماي.”
“……أعلم أنّني أخطأت.وسأعتذر لك أيضًا.لذا، رجاءً، هدّئ قلب إيفي.أعد قلبها إلى مكانه.”
“سأحاول، لكن لا أعلم إن كان ذلك ممكنًا…….”
“على الأقل، حاول أن تقنعها بالبقاء هنا هذه الليلة فقط.سأرسل رسالة إلى القصر الإمبراطوري بنفسي.لذا…….”
تابع سيوربولد كلامه بصوتٍ مثقل.
“أرجوك، امنحني فرصةً لأكفّر عن خطئي.
أعتبر هذا طلبًا…….”
***
“ها هو فستانكِ، يا آنسة إيفي.”
قالت شارلوت ذلك وهي تقدّم لي فستاني بحذر.
كان الفستان مطويًا بعناية، وكأنّ الخادمات قد كوينه للتو، إذ لم يكن فيه أي تجعّد.
تناولت الفستان المطويّ كأنه جديد، ثم انحنيتُ قليلًا شاكرةً.
“شكرًا لكِ، يا آنسة شارلوت.وأيضًا، شكرًا جزيلًا لكِ على كلّ ما فعلتِه اليوم!”
“هوهو، لا داعي للشكر.كان من واجبي أن أخدمكِ، يا آنسة إيفي.لكن، هل حدث معكِ أمرٌ أزعجكِ اليوم؟”
“……نعم؟”
“إن لم يكن هناك شيء، فتجاوزي سؤالي براحتكِ.لكن لديّ ابنة أخت في عمركِ تقريبًا،ولهذا أستطيع أن أعرف ما يشعر به الأطفال في مثل سنّكِ من تعابير وجوههم.”
ابتسمت شارلوت بهدوء، ثم أخرجت من جيبها قطعة حلوى مغلّفة بعناية.
“خرجتِ من مائدة الطعام مبكرًا،يبدو أنّ هناك ما أزعجكِ، أليس كذلك؟”
لم أستطع الإجابة بسهولة.
لم أستطع أن أقول فورًا”نعم!”,ولا أن أنفي قائلة “لا.”
كان قلبي مجروحًا جدًا لأكذب،وفي الوقت نفسه، لم أجرؤ على الاعتراف صراحةً.
“……هاها.”
في النهاية، اخترتُ أن أبتسم ابتسامةً محرجة.
ابتسمت شارلوت بدورها، وكأنها تفهمني تمامًا.
وقدّمت لي قطعة الحلوى قائلة:
“لا أعلم ما الذي حدث،لكنني أتمنى أن لا تصيبكِ إلا الأمور السعيدة دائمًا، يا آنسة إيفي.”
عانقتُ الفستان بقوة، ثم تناولت قطعة الحلوى من يدها.
“شكرًا جزيلًا…….”
“هذا سرّ، لكن……هذه الحلوى تجعل المزاج أفضل.إن أكلتِها، ستنسين كلّ ما يزعجكِ.”
“حقًا؟”
“بالطبع.شارلوت لا تكذب.”
“هووب.”
في العاصمة توجد أشياء عجيبة حقًا.
‘حلوى تُنسيك كلّ ما يحزنك!’
حسنًا، يوجد تنانين وسحر أصلًا،فربما لا يكون من الغريب أن توجد حلوى كهذه.
وضعتُ الحلوى في جيبي، ثم ابتسمت لها ابتسامةً مشرقة.
“شكرًا لكِ، يا آنسة شارلوت.لن أنسى هذا الجميل.إن التقينا مجددًا يومًا ما…….”
حينها سأطعمكِ شيئًا لذيذًا!
لكنني ابتلعت بقية الجملة في داخلي.
“إيفي! إيفي!! ايفييي!!!”
لأن صوتًا مألوفًا جدًا وصلني من بعيد.
“أبي؟”
هذا الصوت الأحمق قليلًا، لا بد أنه صوت أبي!
في هذا الإمبراطورية، لا يملك هذا الصوت سوى شخصٍ واحد.
التفتُّ نحو نهاية الرواق،فرأيت أبي يركض نحوي لاهثًا من جهة قاعة الطعام.
“إيفي!ههك، ههع، هك، ا-انتظري لحظة.”
“أبي، لا تقل إنك تعبت لأنك ركضت؟”
“ههك، ههع، لا، لستُ متعبًا، لستُ…….”
“بل متعب جدًا.آنسة شارلوت، أليس أبي يبدو متعبًا جدًا؟”
“يبدو متعبًا قليلًا، هوهو.”
“أرأيت؟ قلتُ لك.”
لم يستطع أبي حتى الاعتراض، واكتفى باللهاث.
جلستُ على الأرض وانتظرتُ حتى يستعيد أنفاسه.
“هل انتهيتَ؟”
“نعم، نعم…….”
“إذًا لنعد إلى القصر الإمبراطوري.صاحب السموّ الأمير سيكون قلقًا.كما أنّ التأخر كثيرًا ليس من اللائق.”
“أ-الأمر في الحقيقة، يا إيفي!”
نهض أبي فجأة، ثم ضمّني إلى صدره بقوة.
هاه؟
……ما الذي يفعله؟
رفعتُ رأسي أنظر إليه بوجهٍ حائر.
“……ما هذا؟لا تقل إنك ستقترح البقاء يومًا إضافيًا،أو النوم هنا ليلةً أخرى،
أو إرسال رسالة للأمير لنخبره أننا سنتأخر…….”
“هذا! هذا هو بالضبط!يا لك من ابنة
عبقرية يا إيفي!”
شدّني أبي بقوة حتى لا أهرب.
كان تصرّفه يدل على أنّه توقّع هروبي تمامًا.
هيك!
تخبّطتُ بذراعيّ وساقيّ بكلّ قوتي،لكن ذراعي أبي القويتين لم تتزحزحا قيد أنملة.
‘……هكذا إذًا؟’
إن كان الأمر كذلك، فلا خيار سوى الحلّ الأخير.
استنشقتُ نفسًا عميقًا، ثم صرختُ بأعلى صوتي وأنا لا أزال بين ذراعيه:
“لااااا!!!”
***
“حقًا، حقًا لن أطلب منكِ العودة إلى هنا مجددا مرةً أخرى.لن أقرّب رأسي من قصر دوق فيرديناند بعد الآن.”
“…….”
“صدقيني، لذا يا إيفي…….”
“…….”
“ليلة واحدة فقط!ليلة واحدة هنا، حسنًا؟
ننام ليلةً واحدة، ثم نفطر صباحًا ونغادر.
وبعدها، لن أطلب منكِ العودة إلى هنا أبدًا.”
قال أبي ذلك وهو يرتمي عرضًا فوق السرير ذي الأغطية الناعمة السميكة.
“متى سننام مجددًا في سريرٍ كهذا؟
أليس كذلك؟صحيح يا إيفي؟أباك يريد حقًا أن ينام في هذا السرير……أشعر أنّ أمنيتي ستتحقق إن نمتُ هنا ليلةً واحدة فقط.”
نظرتُ إلى أبي وهو يتدحرج فوق الفراش.
وبصراحة……
يبدو فعلًا كمن يرغب في النوم هنا.
‘حقًا.’
شبكتُ ذراعيّ، ونظرتُ إليه بنظرةٍ ذات مغزى.
التعليقات لهذا الفصل " 26"