“أبي، متى سنعود إلى القصر الإمبراطوري؟ ألا تظن أن صاحب الجلالة قد يكون يبحث عنا؟”
“ربما لا يزال الأمر على ما يرام.لكن إن قضينا الليلة هنا، فعلينا أن نرسل رسالة إلى القصر…….”
“……هل سنبيت هنا؟”
“إن، إن اضطررنا…….”
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة التي كنا نستريح فيها أنا وأبي،ودخلت الخادمات وهنّ يحملن صينية.
كانت الصينية مكدّسة بأنواع مختلفة من الحلويات،كأنها جبلٌ صغير من السكر.
هل يكون الجد قد أوصى بذلك على وجه الخصوص؟
رتّبت الخادمات الحلويات بعناية على طاولة الشاي،ثم انحنين باحترام وقلن:
“إن احتجتم إلى أي شيء، نرجو أن تنادونا يا آنسة إيفي.ما عليكم سوى قرع الجرس، وسنأتي فورًا.”
“نعم، شكرًا لكم.”
ابتسمت الخادمة ابتسامة لطيفة،
ثم غادرت الغرفة.
تناولتُ قطعة بسكويت،وأدخلتها فمي على الفور.
‘إنهن يبتسمن لي بلطف.’
شارلوت أيضًا،وتلك الخادمة ذات الشعر القمحي التي جاءت لاصطحابي من قبل.
يبدو أنه ليس كل الخادمات يكرهْنني.
هززتُ رأسي موافقةً،وحشوتُ وجنتيّ بالبسكويت.
كان أبي يراقبني بصمت،ينظر إليّ وأنا آكل.
“…….”
“……هم؟”
بعد ترددٍ قصير،مددتُ إليه البسكويت الذي في يدي.
كان بسكويتًا تتوسطه قطعة شوكولاتة،
كنتُ أنوي أكله بعد أن أفرغ فمي.
لكن، هذا لأبي.
لأنني أحب أبي.
“لو كنتَ تشتهي، كان عليك أن تقول…….”
“لا، لم أكن أنظر لأنني أريده…….”
“لا بأس، لا تكذب أمامي يا أبي.كانت عيناك عيني شخصٍ يريد الأكل.تفضل، كُلْه، بسرعة.”
أخذ أبي البسكويت مني على حين غرة.
نظرتُ إليه بترقّب،أحثّه بعينيّ على أن يأكله.
ظلّ أبي يحدّق في البسكويت قليلًا،ثم رفع رأسه،وتحدث بحذر.
“إيفي.”
“نعم؟”
“هل تكرهين البقاء هنا؟”
“هم؟ طبعًا.”
“……إجابتك خرجت بهذه السرعة؟”
……طبعًا؟
نظرتُ إلى أبي بوجهٍ مذهول.
ساد الصمت بيننا لحظة.
أسرعتُ أمضغ البسكويت وأبتلعه،
ثم قلت:
“أنا أحب العيش معك، نحن الاثنين.”
“لكن إن عشتِ معي،لن تأكلي مثل هذا البسكويت كل يوم.”
“مع ذلك، أحب العيش معك.”
“إن عشتِ هنا،ستأكلين طعامًا فاخرًا كل يوم،وترتدين ملابس جميلة كالأميرات…….”
“أبي،أنا لا أحتاج طعامًا فاخرًا،ولا ملابس أميرات.”
“……لماذا؟”
“لأن هذه الأشياء ليست مهمة.أنت أيضًا، أليس أبي،يعتبر إيفي أهم من الطعام الفاخر؟”
“بالطبع!”
“وأنا كذلك ،تمامًا مثلك يا أبي.”
“لكن يا إيفي،هذا وذاك…….”
“أنا أحب الحساء الذي تطهوه بيدك
أكثر من أي طعام فاخر،وأحب الفستان الذي تشتريه لي بنفسك من السوق
أكثر من أي ثوب أميرة.”
والأهم من ذلك،أن هذا المكان مليء بأشخاص غير لطفاء معي ومع أبي.
الخادمات اللواتي كنّ يتهامسن عند رؤيتي،والنبيل الذي افتعل شجارًا معنا قبل قليل.
في نصف يومٍ فقط،سمعتُ كلماتٍ سيئة لم يكن ينبغي لي سماعها.
لي،ولأبي.
ولهذا أكره هذا المكان.
قريتنا لم تكن غنية،لكن جميع أهلها كانوا لطفاء معنا.
أما هنا،فليس كذلك.
‘أنا أحب الأماكن اللطيفة.’
حين هززتُ رأسي بإصرار،ابتسم أبي باستسلام،وقضم البسكويت.
حدّقتُ فيه،ثم قلت:
“وفوق ذلك،لدينا عمل يجب إنجازه في العاصمة، أليس كذلك؟علينا العودة.”
“صحيح، كلامك صائب يا إيفي.لدينا ما يجب فعله.آه، كيف لابنتي أن تكون بهذه الفطنة؟”
“آه! أبي!فتات البسكويت يتساقط!”
لم أكن أكره جدي.
رغم أنني ما زلتُ أشعر ببعض الغربة معه،إلا أنه عائلتي.
والد أمي،جدي.
الناس لا يعرفون كم تعني لي كلمة “عائلة”.
لذلك،كان وجودي مع جدي دافئًا.
أشعر بقلبٍ دافئ ووخزٍ لطيف في راحتيّ.
لكن،هذا لا يعني أنني أريد العيش هنا.
لا سبب يدفعني لترك الأشخاص اللطفاء،
لأقيم في مكانٍ يعجّ بأشخاص لا يعرفون اللطف.
‘على الأقل، بالنسبة لي.’
بالنسبة لي،كان الأمر كذلك.
****
“إيفي، هل الطعام شهي؟”
سألني جدي،وهو يضع قطعة لحمٍ كبيرة وسميكة في طبقي.
“نعم؟ نعم…….”
هززتُ رأسي وأنا أنظر إلى قطعة اللحم الكبيرة التي أضيفت إلى طبقي.
كانت القطعة الخامسة بالفعل.
لم أكن قد أكلت سوى قطعتين، ومع ذلك،كان جدي يختار أجمل قطع اللحم ويضعها في طبقي بلا توقف.
ولأنني لم أكن أجيد تقطيع اللحم، قام هو بتقطيعه لي بنفسه.
وبذلك، لم يكن عليّ سوى غرز الشوكة وأكل القطع الجاهزة.
أكلتُ حتى انتفخ بطني.
وخلال ذلك، أجبتُ بجدٍّ على أسئلة جدي
عن “حياتي في الريف”.
لكن لسببٍ ما…….
“إذًا، كنتِ تذهبين إلى السوق وتبيعين أشياء؟”
“لم أبع أنا، كنت أساعد العمة هيلاري في عملها.”
في كل مرة أجيب فيها،كان أبي ينتفض بجانبي.
“…….”
“……هاها، كُلي جيدًا يا ابنتي.”
حين نظرتُ إليه،ابتسم أبي ابتسامة متكلفة،ووضع قطعة من السمك في طبقي.
أكلتُ السمك مع قطعة ليمون صغيرة.
بعد ذلك،واصل جدي سؤالي عن كيف كنت أعيش.
أجبتُه بصدق، لكنني بالطبع لم أذكر حادثة ذهابي إلى السوق وإفسادي “تجارة أبي”.
هذا سرّ لا يمكن البوح به!
[ومن يعترف بمثل هذا الإحراج أصلًا؟ أن يُتداول عن سيفٍ أسطوري أنه يعجز حتى عن تقطيع البطاطا…….]
‘كان هناك ظرف قاهر!’
[نعم نعم، كما تشائين.]
‘هل اتركك هنا؟’
[…….]
سكتَ إكس.
وبفضله،تمكنتُ من متابعة العشاء بهدوء
وأنا أتبادل الحديث مع جدي.
أما أبي،فكان يبدو غير مرتاح، يبتسم ابتسامة جامدة كالدُّمى.
لم يكن يأكل إلا قليلًا.
يبدو أن تناول الطعام مع جدي مزعجٌ له حقًا.
‘من الجيد أنني أعطيته بسكويتًا سابقًا.’
لولا ذلك،لكان جائعًا حتى بعد العشاء…….
كان أبي يحاول الابتسام كلما التقت أعيننا.
لكنني كنت أعرف.
هذا العشاء كان ثقيلاً عليه.
وبعد أن انتهى الطعام،وبينما كانت الخادمات تستعد لتقديم الشاي والحلوى….
“إيفي.”
ناداني جدي بصوتٍ جاد.
“نعم؟”
التفتُّ إليه بسرعة.
“أرى أن بقاءكِ هنا هو الأفضل.”
“……ماذا؟”
……هاه؟
هل أخطأتُ السمع؟
حين سألته بدهشة، مسح جدي فمه بالمنديل وقال مجددًا:
“الريف لا يليق بكِ. حتى لو أقمتِ في العاصمة حاليًا، ستعودين إلى الريف في النهاية، أليس كذلك؟ وهل يمكن لمكان كهذا أن يضيف شيئًا إلى تعليمك؟ ماذا يملك الريف أصلًا؟”
ثم تابع دوق سيوربولد بصوتٍ حاسم:
“وماذا يمكن لنيل أن يمنحكِ حقًّا،
حتى لو بذل أقصى ما لديه في تربيتكِ؟
قال إنه لم يدعكِ تذوقين الجوع،
ولكن… من يضمن ذلك؟”
نظرتُ إلى جدي بوجهٍ شارد.
……لماذا يقول هذا؟
وماذا يعرف عني وعن أبي؟
سمعتُ ضحكة أبي المتكلفة،لكن جدي واصل حديثه بلا توقف:
“الأمر واضح.لا بدّ أنه لم يُطعمكِ كما يجب،ولم يعتنِ بكِ على النحو اللائق.
لا أستطيع أن أرى حفيدتي تعيش على هذا الحال.الأفضل لكِ أن تبقي هنا، يا إيفي..”
التعليقات لهذا الفصل " 24"