“الآ-الآن لم يُشفَوا تمامًا بعد، لذا يجبُ أن نصلَ إلى الميناء بسرعة.”
“إذن، هل تعرفين السبب؟”
“نعم، نحنُ نأكلُ الفاكهة وما شابه مرّةً في الأسبوع بالضبط، أليس كذلك؟”
“صحيح، بسببِ داء الإسقربوط.”
في الواقع، يمكنُ القول إنّ هذا المرضَ مُشتَقّ من داء الإسقربوط.
داء الإسقربوط. كان يُسمّى ذات يومٍ كابوسَ البحر، وهو مرضٌ مُخيف عذّبَ البحّارة. لكن عندما اكتُشِفَ أنّه يُشفى فورًا بتناوُل الفواكه، تلاشى الخوفُ من داء الإسقَربوط.
بعد ذلك، أصبحَ البحّارةُ يحملون دائمًا فواكهَ مُخلَّلة بالملح على متنِ السفن، وفي تلك الفترة دخلتْ أداةٌ سحريّة إلى سفينة قراصنة كايلوم.
“لا تقولي إنّه داء الإسقربوط؟”
هَزَزتُ رأسي نفيًا على كلام نيريوس.
“أبي، جميعُ المُصابين بهذا المرض هُم جيرالد وباقي النساء.”
تصلّبَ وجهُ نيريوس بشدّة على كلامي.
‘كما توقّعتُ، كان يعرف.’
إن رَكِبَت امرأةٌ أو طفلٌ السفينة، فسيجلبُ ذلك سوءَ الحظّ. كانت تلك خُرافةً بين البحّارة.
لهذا السبب، كان من الصعب على النساء الترقّي داخلَ البحريّة، وكانت الأقلّيّة منهنّ فقط تخرجُ في مهامّ فعليّة.
‘مُضحِكٌ أن تُوجَدَ مثلُ هذه الخُرافة رغمَ أنّ إلهَ البحر كورماري يُصوَّرُ عادةً كمرأةٍ.’
لم تكنِ البحريّةُ وحدَها غيرَ حرّة من هذه الخُرافة.
كذلك القراصنة تَرَدَّدوا في قبول بحّارات نساء، وبهذا المعنى كانت عصابةُ قراصنة كايلوم جماعةً مُختلفة تمامًا.
ليس فقط البحّارات النساء، بل حتّى أنا كطفلة صغيرة، قَبِلوني بكلّ سرور وعامَلوني كفردٍ من العائلة.
في هذه السفينة ذات الأجواء العائليّة، إن كان لهذا المرض المجهول علاقةٌ بالجنس، فقد تتصدّعُ الثقةُ العائليّة المبنيّة حتّى الآن.
‘لكن يبدو أنّ الأمرَ لم يقتصرْ على نيريوس وحدَه.’
عند تصريحي، لم يتغيز وجهُ نيريوس فحسب، بل أيضًا وجوهُ البحّارة الأصحّاء الآخرين.
يبدو أنّ الجميعَ لاحظوا ذلك لكن لم يتفوّهوا به، قلقًا من أن يلومَ أحدٌ البحّارات النساء.
بما أنّهم قد تقاتَلوا قبلَ عودتي بالزمن ومات بقية أفراد العائلة في النهاية وقتها، فقد أصبَحوا حسّاسين تجاهَ بعضهم البعض.
‘آه، ماذا أفعلُ بهؤلاء المُجرمين المُحِبّين؟’
“لكن لو كان يُصيبُ النساءَ فقط، لكنتُ أنا أيضًا قد انهرتُ، أليس كذلك؟ لا، بل ربّما كنتُ مُتُّ أوّلًا لأنّني أضعفُ من أمي و أخواتي.”
“لا تستخدمي كلمةَ ‘الموت’ المُخيفة بتهاوُن يا صغيرة!”
عندما تكلّمتُ بجرأة، أطلقَ نيريوس ضحكةً خافتة كالبالون المُفرَغ من الهواء.
“حسنًا~ جيرارد مُقرَّبٌ من كلارا، فهل أُصيبَ بدلًا منها؟”
“نعم.”
“نعم؟”
“نعم، هذا صحيح.”
كان نيريوس يقولُ ذلك مازحًا، لكن للأسف، كان ذلك هو الجوابَ الصحيح.
من الناحية الظرفيّة، لم يكنْ هناك تفسيرٌ آخر منطقيّ.
“نيريوس، قبلَ أن نُبحرَ هذه المرّة، ألم تشترِ شيئًا باهظَ الثمن ووَضَعتَه على السفينة؟”
“جهاز الحفظ البارد؟”
“نعم، ذلك. لماذا اشتريتَه؟”
“حسنًا…”
بينما كان نيريوس يُجيب، فتحَ عينَيه بشدّة وبحثَ عن كلارا وسطَ الحشد.
“كلارا، لا تقولي…”
“قُ-قبطان، أنا آسِفة.”
أصبَحَت كلارا شاحبةً وتململَت بيدَيها.
“في اليوم الذي انهارت فيه بولاريس، كان جيرالد يلومُ نفسَه كثيرًا، فأعطيتُ نصيبي لجيرالد.”
“…!”
‘هذا كما توقّعتُ…’
على عكس الماضي البعيد الذي بقيَ كأسطورة، لم يَعُد البشرُ في هذا العصر قادرين على استخدام السحر.
بدلًا من ذلك، كان بإمكانهم صُنعُ أشياءَ تُخالفُ قوانينَ الطبيعة باستخدام أحجارٍ عجيبة من الطبيعة كموادّ خام… أي الأدوات السحريّة، وهذا يُسمّى علمَ الأدوات السحريّة.
وكانت الأدواتُ السحريّة في القارّة الغربيّة أغلى ثمنًا مقارنةً بالقارّة الشرقيّة.
جهازُ الحفظ البارد الذي اشتراه نيريوس لم يحفظِ الأشياءَ باردةً فحسب، بل أيضًا حافظَ على نضارتها لأطول فترة ممكنة -بتعديل الزمن ليمرّ ببطء- لذا كان باهظَ الثمن بشكلٍ مُفرِط.
السببُ الذي دفعَ نيريوس لشراء مثل هذا الشيء كان بسبب فاكهةٍ واحدة فقط.
‘هذا بسبب الشمس البيضاء، أليس كذلك؟’
هو مرضٌ مشتقٌ يسمى مرض التنّين الأبيض، إنّه اسمُ وباءٍ نباتيّ مُعدٍ يُصيبُ بساتينَ البرتقال كلّها ويُسبّبُ لها العفن.
يبدأُ من الجذور ويُلوّنُ الشجرةَ تدريجيًّا حتّى الأوراق باللون الأبيض، ثمّ تُنتجُ الأشجارُ المُصابة ثمارًا ذابلةً ومُجعَّدة فقط.
العدوى قويّة أيضًا، لذا لم يكنْ هناك حلّ سوى اكتشافها والتخلّص منها بأسرع وقت ممكن، لكن في يومٍ ما، أثمرَتْ ثمارٌ طازجة بين تلك الأشجار البيضاء.
بالطبع، كانت الأشجارُ التي تُثمرُ كذلك نادرةً جدًّا. سُمّيَت تلك الثمارُ الثمينة بـ’الشمس البيضاء’، ثمرةُ المُعجزة التي تتغلّبُ حتّى على الموت.
أعتقدُ أنّ السببَ في تسميتها بالشمس هو أنّ الثمرةَ كانت برتقالة.
كانت ‘الشمس البيضاء’ مشهورةً بشكلٍ خاصّ بين البحّارة بسبب أصلها.
بما أنّ داءَ الإسقربوط والفواكه، خاصّةً الحمضيّات، لا يُمكنُ فصلُهما، فقد كانت نتيجةُ التغلّب على مرض التنّين الأبيض -الوباء المُعدي غير القابل للعلاج- مَطمعًا لا يُقاوَم.
كيف كان يُمكنُ أن يعرفَ أحدٌ أنّ تلك الثمرة ستقتلُ الجميع؟ لم يَخطر ذلك حتّى في الأحلام.
السببُ الذي جعلَ نيريوس يشتري جهازَ الحفظ البارد هو أنّه علمَ أنّ إحدى البحّارات تشعرُ ببعض القلق من تلك الخُرافة.
كان هذا ليُظهرَ لهنّ أنّه يدعمُهنّ دائمًا.
مشاعرٌ خُصِّصت لأجل العائلة، فإذا بها تكون سبب خنقها.
نعم، لهذا السبب ندمَ نيريوس على هذا اليوم أكثرَ من أيّ شيء وتعذّب.
لم يَستطع حمايتَهم فحسب، بل قتلَهم بيدَيه.
“أنا أمرضُ كثيرًا، لذا يُساعدُني الجدّ إيثان كثيرًا، أليس كذلك؟ في غُرفة إيثان كُتبٌ مُصوَّرة كثيرة جدًّا~ لذا كنتُ أحيانًا أنظرُ فيها سرًّا عندما لا يكون إيثان موجودًا.”
فتحَ إيثان عينَيه بشدّة على كلامي وسأل:
“هل نظرتِ في القواميس؟ لا بُدّ أنّها كانت صعبة.”
“نعم نعم، كما قال الجدّ إيثان، في البداية لم أفهم شيئًا على الإطلاق~ لكن عندما مرضتُ في المرّة الماضية واستيقظتُ، فهمتُ فجأةً المُحتوياتِ التي كانت في رأسي.”
بدأتُ أكذبُ بصوت فتاةٍ بريئة في السادسة من عُمرها.
صراحةً، كان القول إنّني أصبحتُ عبقريّةً بعد أن مرضتُ أكثرَ مصداقيّةً من القول إنّني عُدتُ بالزمن وكنتُ في السادسة والعشرين.
“هناك، ما كان اسمُها -آه، صحيح. هناك ثمرةٌ تُسمّى لامبت. يجبُ حصادُها خلال ثلاثة أيّام من نُضجها.”
“صحيح، لامبت ثمرةٌ جيّدة للصداع، لكن بعد ثلاثة أيّام تمتصّ السمومَ الضارّة الموجودة داخلَ الشجرة…”
التعليقات لهذا الفصل " 9"