ربّما رجلٌ ثريّ أراد أن يُهيّئ طابقًا كاملًا في منزلٍ بالمدينة لابنته في المستقبل. لكن بما أنّ تركه خاليًا سيكون إهدارًا، فقد قرّر أن يسمح للمسؤولة باستخدامه مؤقّتًا.
وذاك الرجل الثريّ المجنون نفسه، الذي سئم من سلسلة الخدم اللصوص، أعطى المسؤولة الجديدة كيسًا مملوءًا بالذهب، كتلميحٍ صامت يقول. خذي هذا، ولا تطمعي في المزيد.
كانت تستميت في اختراع أيّ روايةٍ تجعل هذا الوضع أكثر منطقًا.
جزءٌ منها كان فقط يحاول طرد آيدن كاشيمير من ذهنها. كانت تريد أن تنسى — أن تنسى بحقّ — تلك العلاقة التي انتهت.
وكأنها تنتقم من أحد، التقطت حبّة عنبٍ وقرّبتها من فمها… ثم توقّفت.
كان الطعم والقوام مختلفَين تمامًا عمّا اعتادت عليه. أخرجت البذرة بعناية، ومدّت يدها إلى حبّةٍ أخرى.
مارك آديرينش أراد منها أن تأكل هذا العنب…
وحين لم يتبقَّ من العنقود سوى نصفه، سُمِع طرقٌ على الباب الأمامي.
“توصيل!”
مسحت يديها بمئزرها، وخرجت لتجد ساعي بريدٍ يحمل حقيبةً ضخمة على جانبه.
رفعت الطرد قليلًا، ثمّ أنزلته، تحسّست وزنه لتخمّن ما بداخله.
وبحسب الحجم والثقل، بدا واضحًا أنّه كتاب.
كتاب؟ أيُّ نوعٍ من الكتب؟
عادت ليلي إلى غرفة الجلوس وفكّت الغلاف. وكما توقّعت، كان هناك كتابٌ واحدٌ في الداخل، ومعه ملاحظةٌ نصف مطويّة.
“لقد نسيتُ واجبًا آخر من واجباتكِ. في كلّ أسبوع، ستتلقّين كتابًا من دار النشر. رجاءً اقرئيه وقرّري إن كان يستحقّ أن يُضاف إلى مكتبة السيّد. مجالات اهتمامه هي العلوم الإنسانية، والفلسفة، والجغرافيا. إن لم يندرج الكتاب ضمن هذه الفئات، فتخلّصي منه…”
تحوّل صوتها إلى نبرةٍ مُنزعجةٍ وهي تقرأ الرسالة القصيرة بصوتٍ مرتفع.
من هذا الذي كتب تعليمات العمل بتلك الدقّة البالغة… ثمّ ‘ينسى‘ فجأةً مهمةً أساسية مثل إدارة مجموعة الكتب؟
وضعت الملاحظة جانبًا ورفعت الكتاب — لكنّها شعرت فورًا بشيءٍ غريب.
قلبته بيديها وتفقّدته بدقّة.
كان بسيطًا أكثر من اللازم بالنسبة لمكتبة نبيل.
لا أوراق مذهّبة على الغلاف، ولا جلد يغلّفه، ولا حتى لوحة تزيينية واحدة.
تصفّحته بسرعة، فلم تجد فيه أيّ رسوماتٍ ملوّنة.
كان بوضوحٍ نسخةً رخيصةً موجّهةً للطبقة الوسطى، لغرض التسلية.
النصّ مكتظٌّ لتوفير الورق، والصفحات خشنة الملمس.
والمحتوى لا يمتّ بصلةٍ إلى اهتمامات مارك آديرينش المذكورة — لا فلسفة، ولا إنسانيات، ولا جغرافيا.
من المؤكّد أنّ من طلب هذه الكتب كان قد حدد المجالات المطلوبة… فكيف وصل هذا إذًا؟
كلّ هذه التفاصيل الغريبة أعادت شكوكها بشأن العنب إلى السطح.
ثمّ، أخيرًا، انفجرت ليلي ضاحكة.
“ها… هاها… سموك، أكنتَ تحاول فعلًا إخفاء هويتك؟ بصراحة، لا يبدو ذلك أبدًا.”
ما الذي يريده منّي؟ لقد منحني هذه البيئة المثالية الهادئة، عاملني كما تُعامل الجواهر، ثم ماذا؟ ماذا سيحدث حين يملّ من كلّ هذا؟
ماذا لو اكتشف في النهاية أنّ ليلي دينتا تلك كانت محقّة منذ البداية — وأنها لم تكن تستحقّ كلّ هذا العناء؟
هل كان يحاول أن يجعلها تتعذّب وحدها؟
أرادت ليلي أن تكرهه — أن تغلّف إحباطها في غضبٍ وتوجّهه نحوه.
لكنّها لم تستطع.
أمالت رأسها إلى الخلف، تحدّق في السقف بعينين بدأت تشتعلان بحرارة، وزفرت تنهيدةً طويلة.
إن واصلتَ فعل هذا… فإنني…
وفاضت دموعها أخيرًا.
حتى حين فركت عينيها بقوّة، كانت الدموع تتدفّق من جديد.
ألصقت كمّها بوجهها لتخفيها.
شعرت كأنها حمقاء.
حمقاء لأنها تتذكّر ذلك الوعد المكسور بكلّ هذا الوضوح.
حمقاء لأنّ آيدن يحاول بطريقةٍ ما أن يجد طريقًا إليها مجدّدًا.
حمقاء لأنها تبكي على كلّ ذلك، وما زال ينقصها الشجاعة لتعود إلى القصر.
أما أستطيع فقط أن أتظاهر بأنني لا أعلم؟
كان هذا أغبى ما خطر ببالها.
يمكنني أن أسايره — أن أتصرّف كأنني لم ألاحظ شيئًا.
أن أبقى قيّمةً حتى يملّ من لعبته… لقد أنقذ حياتي. أليس أقلّ ما يمكنني فعله أن أردّ له بعض الجميل؟
ومسحت دموعها وهي تشهق بخفّة، ثمّ التقطت الكتاب.
“العدسة الذهبية…”
لم تسمع بهذا العنوان من قبل.
وبنظرةٍ سريعة، بدا كأنّه رواية مغامراتٍ ذات طابعٍ دينيّ، لكنها لم تكن واثقة.
توقّفت لحظةً قصيرة، ثمّ نهضت بكتفين مثقلتين، ومشت ببطءٍ لتغلي الماء وتُعدّ بعض الشاي.
كانت أوراق الشاي تُطلق عبيرًا مترفًا على نحوٍ مؤلمٍ للقلب، مما جعل عينيها تدمعان من جديد.
وبعد وقتٍ طويل، أنهت إعداد الشاي، وغسلت يديها، وفتحت الكتاب.
***
لم ترفع ليلي رأسها ثانيةً إلا بعد أن غدت غرفة الجلوس معتمةً، ولم تعد تستطيع تمييز الكلمات على الصفحة.
ظنّت أن قراءة الكتاب الذي أرسله أمرٌ سخيف، لكنها اكتشفت أنه وسيلة فعّالة لقضاء الوقت.
فما دامت تقرأ، فهي قادرةٌ على النسيان.
نهضت تبحث عن شمعة.
“يُفترض أنها… هناك — آه!”
حتى بعدما اصطدمت فخذها بقوةٍ بزاوية الأثاث الذي لم تلمحه، لم تتوقف.
عندما عثرت على عود ثقابٍ وحامل شمعة، عادت إلى الطاولة، أشعلت اللهب، واحتست الشاي البارد دفعةً واحدة.
ثمّ، دون أن تمدّد كتفيها المتصلّبتين، دفنت أنفها مجددًا في صفحات الكتاب.
***
كان يوليوس شايفرتز واقفًا وسط أنقاضٍ مدمّرة.
الكوخ الذي كان يومًا بسيطًا لكنه مجهّز جيدًا، بدا الآن وكأنّ عاصفةً اجتاحته.
حتى المصلّى الذي وُضع فيه الأثر المقدّس لم يسلم من الخراب — فقد كان خاتمه الحامي مطروحًا على الأرض بين شظايا الخشب.
أدار رأسه نحو النافذة المحطّمة، يتفحّص الأفق.
ما من أثرٍ للمرأة.
“كم مضى؟ عشرة أيام؟ خمسة عشر؟ شهر؟“
كان الفصل قد تسلّل إلى بدايات الخريف.
الخُضرة بدأت تذبل، والأيام أقصر بشكلٍ ملحوظ.
وفي كلّ ذلك الوقت، ظلّ يوليوس وحيدًا في هذا المبنى المنعزل — بلا زيارة، بلا ذكر، كأنه نُسي من العالم.
تحطّم آخر لوح زجاجٍ كان متشبّثًا بإطار النافذة بصوتٍ مدوٍّ.
عندها فقط، حين دوّى الصوت في أذنيه، أدرك يوليوس أنه فقد السيطرة.
شبك يديه المرتجفتين معًا.
كانت البقع التي لطّخت ذراعيه من قبل تنتشر بسرعة، تبتلع ساعديه بالكامل.
عقله بدأ يتعفّن من جديد.
كان عليه أن يُهدّئ الغضب.
راح يتخبّط في الغرفة بحثًا عن مكانٍ يجلس فيه، لكن لم يبقَ شيء.
حتى السرير انشقّ إلى نصفين وانهار على نفسه.
وفي النهاية، جثا على الأرض وحاول أن يستحضر صوت الطبيبة الروحية الذي أرشده ذات يوم، وبدأ يتأمل.
تنفّس بهدوء. واجه مشاعرك. اعلم أنها ليست أنت — إنها أشياء منفصلة، موضوعية.
واجه يوليوس الخوف الذي بداخله.
قد لا يستعيد مجد العرش أبدًا.
قد يُحكم عليه بالبقاء هنا إلى الأبد — لا يموت، لا ينام، واقفًا بعينين مفتوحتين إلى الأبد…
كان ذلك الخوف ينهش عقله مع مرور كلّ لحظة.
وسرعان ما نسي التأمّل تمامًا، وانغمس في الهوس.
[لا… لا…]
وحين عاد إلى وعيه، اكتشف أنه كان يخدش الأرض بأظافره.
لكنّ اليد غير الماديّة لا تترك علامات.
ولا تنكسر أظافرها.
فقط الظلال المتبدّلة في الغرفة كانت تشير إلى المدّة التي قضاها على هذه الحال.
— أيها الأحمق!
[آه… آهـــه…]
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 60"