استمتعوا
“بعد أن فقدتْ هانا أمَّها، لا بدّ أنّك نسيت منذ زمنٍ بعيدٍ كم كانت تتألّم ألمًا مُبرحًا. لقد لاحظت أنّ هانا بدأتْ فجأةً تتحدّث وتتصرف كالكبار بعد وقتٍ قصيرٍ من مرضها القاسي، لكنّك لم تنتبه إلى أنّ تصرّف طفلٍ بقدرٍ مفرطٍ من النضج يفوق سنَّه ليس أمرًا طبيعيًّا.”
“….”
“أنت لا تملك أدنى تصوّرٍ عن سبب اضطرارها لأن تنضج بتلك السرعة، أليس كذلك؟“
عند تلك الكلمات، صُعقَ الرئيس هونغ صعقةً كاملة، فعجز عن النطق وفتح فمه دون أن يخرج منه صوت.
لم يخطر بباله يومًا أن ينظر إلى الأمر من هذا المنظور.
كان يظنّ فقط أنّ النضج والذكاء أمران محمودان، ولم يفكّر قطّ في سبب ذلك النموّ المفاجئ.
“في هذا المنزل، لا تسمع الطفلة سوى عبارات من قبيل. تصرّفي بما يليق بدم عائلة هونغ، كوني مميّزة عن الآخرين، كوني عاقلة.
أفلا يكون طبيعيًّا أن تُجبَر على التصرّف على نحوٍ لا يناسب عمرها؟ وما هذا ‘دم عائلة هونغ‘ أصلًا؟ هل والدها شخصٌ عظيم إلى هذا الحدّ؟ إنّه لم يفعل سوى أنّه وُلد محظوظًا في عائلة ثريّة، لا أكثر!”
“هونغ إيدو!”
ورغم الصيحة التي دوّت كالصاعقة من فم الرئيس هونغ، لم يرمش إيدو حتى بعينه.
“في طفولة هانا، هناك أمرٌ واحد فقط ينبغي عليها فعله. أن تلتقي بأصدقاء جيّدين، وأن تنمو بصحّةٍ وأمانٍ وسعادة. عدا ذلك، لا يوجد أيّ شيءٍ آخر يجب عليها فعله. ولن أسمح لها بأن تكبر وهي طفلةٌ تضطرّ إلى قول كلماتٍ لا تناسب عمرها، بتاتًا.”
قال إيدو ذلك، ثمّ أضاف كلمةً أخيرةً وكأنّه يبصقها ازدراءً، وغادر الغرفة.
“لن أدعها تعيش كما عشتُ أنا.”
****
حقًّا إنّ هذا أمرٌ حقيرٌ ومقرفٌ لا يُحتمل.
العيش كحفيدةٍ لعائلة هونغ.
كانت هانا تزفر غيظًا وهي تركل الغطاء فوق السرير بعنف.
بل إنّها كانت أشدّ غضبًا الآن ممّا كانت عليه حين عاشتْ كـكيم هانا الفقيرة.
فما جدوى أن تأكل دائمًا أشهى الطعام، وأن تُلفّ جسدها بأفخم الماركات؟
وأبيها شخصٌ لا يُجدي معه الكلام أصلًا!
أشتاق كثيرًا إلى أبي الحقيقي، ذلك الأب الذي، رغم قلّة كفاءته، كان أكثر إنسانٍ في العالم يصغي إلى كلماتي بصدق.
دفنتْ هانا وجهها في الوسادة.
تبًّا.
أن أضطرّ لملازمة بيك دويون إلى الأبد.
مجرّد التفكير في الأمر يثير غضبي ويخنقني ضيقًا.
‘عِشي حياةً عاديّةً، وهادئة.’
أيّ عاديّة وهادئة؟
وأنت يا هونغ إيدو لستَ أبًا عاديًّا أصلًا.
فلماذا تتمنّى ابنةً عاديّة؟
دعني أتجاوز السادسة عشرة فقط.
كنتُ سأنسحب فورًا من برنامج الموهوبين، وأعيش بهدوءٍ في المنزل مع التعليم المنزليّ كما ينبغي.
لكن التفكير في أنّ عليّ قضاء اثني عشر عامًا أخرى على الأقلّ في مكانٍ لا يناسب عمري، كان أمرًا خانقًا إلى حدّ اليأس.
في تلك اللحظة.
“آنسة….”
دخلتْ أوريونغ الغرفة بهدوء، وجلستْ عند رأس سرير هانا.
ربّتتْ أوريونغ على رأسها وأطلقتْ تنهيدةً مشفقة.
“…لا بدّ أنّكِ متضايقة جدًّا….”
“…لا، لستُ كذلك.”
فالأمر ليس ضيقًا، بل غضبًا.
أجابتْ هانا ببرود.
“رغم أنّ رئيس القسم قال ما قاله… لم يكن يقصد ذلك المعنى.”
“….”
“إنّه يهتمّ بكِ كثيرًا، كثيرًا جدًّا. ولهذا—”
“خالتي.”
تنفّستْ هانا بعمق، ثمّ أمسكتْ بيد أوريونغ التي كانت تربّت على رأسها.
هي تفهم نيّتها، لكنّ التوقيت الآن سيّئ.
“أنا بخير. أريد أن أكون وحدي الآن.”
“آنسة….”
“قلتُ ذلك فقط لأنّني لا أحبّ تلك الروضة.”
“!”
“لذا لا داعي لأن تقلقي. وأنا أصلًا لا أرغب بأن أكون عبقريّة.”
قالتْ هانا ذلك ثمّ استدارتْ بجسدها، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أنّها لا تريد متابعة الحديث.
لكنّ عيني أوريونغ، وهي تنظر إليها، كانتا ممتلئتين بعزمٍ أشدّ من ذي قبل.
****
“هنا المكان رائع جدًّا. ليت هانا كانت هنا أيضًا.”
بعد أن قرأتْ الرسالة الواردة من جيهيون، وضعتْ هانا الهاتف جانبًا.
ليتني كنتُ هناك.
الشيء الوحيد المطمئن هو أنّ أمور بيك جيهيون تسير بسلاسة، على الأقلّ.
ذهاب بيك جيهيون إلى مدرسةٍ أخرى بدل تلك المدرسة المليئة بالتمييز العنصريّ، كان خبرًا جيّدًا لهانا أيضًا.
فذلك يعني أنّ احتمال لقائه بهان سويون قد انخفض كثيرًا.
صحيح أنّ المنطقة ما تزال نفسها، لذا لم ينعدم احتمال التقائهما تمامًا، لكنّه تضاءل على أيّ حال.
المشكلة هي أنّ هان سويون، وِفق أحداث العمل الأصليّ، لا بدّ أن تعود إلى كوريا وتلتقي ببيك دويون.
…سيُحلّ الأمر من تلقاء نفسه، أليس كذلك؟
فجأةً، اجتاح القلق قلب هانا.
لا يعقل…
ألن يكون إرسالي لبيك جيهيون إلى مدرسةٍ أخرى قد غيّر مجرى القصة الأصليّة بالكامل؟
أطلقتْ هانا أنّةً مكتومة.
لم أفكّر في هذا.
ظننتُ أنّه يكفي أن أعدّل الأحداث بما يخدمني، ولم أفكّر إطلاقًا في تأثير الفراشة الذي قد ينجم عن ذلك.
كنتُ أعتقد أنّ مصير هان سويون سيسير كما هو مقدّر له، حتّى لو تغيّر مصير بيك جيهيون… لكن ماذا لو أدّى تغييري للأحداث إلى خللٍ ما، وجعل هان سويون لا تأتي إلى كوريا أصلًا؟
ماذا أفعل؟
هل عليّ أن أبحث عنها بنفسي وأجلبها إلى كوريا؟
لكن كيف أعثر على فتاةٍ في أرضٍ تقع خلف المحيط الهادئ، ثمّ أحضرها إلى كوريا؟
قطّبتْ هانا حاجبيها بشدّة.
في تلك اللحظة.
“آنسة، هل لديكِ بعض الوقت؟“
إنّها الخالة أوريونغ.
أخفتْ هانا هاتفها على عجل، وتظاهرتْ بأنّها تؤدّي واجب اللغة الإنجليزيّة.
“نعم!”
جلستْ أوريونغ إلى جانبها وهي تحمل طبق فاكهة.
“آنسة. لقد فكّرتُ في الأمر… إن كنتِ تكرهين الروضة إلى هذا الحدّ… فما رأيكِ أن تصارحي رئيس القسم بذلك بصراحة؟“
“ماذا؟“
منذ تلك الليلة، ساءت العلاقة بين هانا وهونغ إيدو تمامًا.
كانت هانا تؤدّي ما عليها بصمت.
تذهب إلى الروضة كما يأمرها هونغ إيدو، وخلال فترات الاستراحة كانت تجوب أرجاء الروضة بجدّ، هربًا من بيك دويون المزعج.
وبعد عودتها إلى المنزل، كانت تنجز واجباتها وتدرس مع المعلّمين الخصوصيّين كما طُلب منها.
كانت حياةً عاديّةً، هادئةً، بكلّ معنى الكلمة.
مع أنّه لا معنى للحديث عن ‘العاديّة‘ وأنت تُخضع طفلًا في سنّ الروضة للدروس الخصوصيّة، تمتمتْ هانا في سرّها.
ومع ذلك، فإنّ هانا لم تفعل شيئًا لم يكن ‘لا بدّ منه‘.
لم تعد تنزل لتناول العشاء مع رجال عائلة هونغ.
كانت تحيّيهم إن صادفتهم، لكنّها امتنعت عن تحيّة الصباح والمساء.
بعبارةٍ أخرى، لم تعد تتصرّف كفردٍ من العائلة إطلاقًا.
‘إن كنتم تريدون الهدوء إلى هذا الحدّ، فسأكون هادئةً حقًّا. كأنّني غير موجودة.’
عزمتْ هانا أمرها.
إن لم يتصرّف هو كأب، فلن تتصرّف هي كابنة.
يبدو أنّ هذا ما يريدونه أصلًا، فليكن.
كانت تتعب أصلًا من التظاهر بأنّها ابنةٌ لطيفة لشخصٍ لا يكبرها سنًّا بكثير.
كان الأمر نفسه مع الرئيس هونغ.
حافظتْ هانا على تصرّفها المهذّب والمتّزن، لكنّها توقّفتْ تمامًا عن التودّد إليه أو التصرّف كحفيدةٍ مدلّلة.
رغم أنّ خيبة أمله كانت واضحةً على وجهه، لم يكن ذلك يعني لهانا شيئًا.
يصرخ ويتباهى دائمًا، لكن عندما يحين الوقت الأهمّ، يعجز عن قول كلمةٍ واحدة.
قد ترفض طلب طفل، نعم.
لكن أن تمتنع حتّى عن التواصل، وتمضي في قراراتك بعنادٍ مستبدّ؟
كانت هانا قد خابتْ آمالها تمامًا برجال عائلة هونغ.
“آنسة. هل تعلمين… أنا أعرف رئيس القسم هونغ منذ قرابة ثلاثين عامًا.”
“ثلاثين عامًا؟“
حقًّا؟ يا له من سوء حظّ.
نظرتْ هانا إلى أوريونغ بنظرةٍ مشفقة.
ومع ذلك، لم يبدُ الاثنان مقرّبين على الإطلاق.
كانا أشبه بعلاقة عملٍ بحتة.
“نعم. طبعًا، لم نكن مقرّبين يومًا.”
“يبدو ذلك.”
“ههه.”
لا تضحكي.
كنتُ أقولها بجدّ.
“والدتي عملتْ في هذا المنزل طوال حياتها، ولهذا عشتُ أنا أيضًا في ملحقٍ صغيرٍ ملاصقٍ له منذ صغري. كبرتُ وأنا أرى رئيس القسم هونغ باستمرار. ولا يفصل بيني وبينه في العمر سوى عامين.”
“إذًا خالتي أصغر منه بعامين؟“
“لا. أنا أكبر منه بعامين.”
“….”
يا هونغ إيدو…
لو أنّك فقط تجنّبتَ صدمات الزمن قليلًا.
أم لعلّ أوريونغ هي من أحسنتْ تفاديها؟
“على أيّ حال، أنا من الأشخاص الذين رأوا رئيس القسم هونغ عن قرب، ولأطول فترةٍ ممكنة.”
“هذا صحيح… ألا تشعرين بالملل؟“
“وكيف أشعر به؟ لقد كان دائمًا إنسانًا طيّبًا.”
هونغ إيدو…
كان دائمًا إنسانًا طيّبًا؟
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"