5
عند سماع صوت ميليسا المشحون بالغضب، أطبقت ماري فمها ولم تعد تجرؤ على المجادلة.
“في الأصل، هذه مسألة تستوجب عقابًا صارمًا، لكن تقديرًا لجهودكما خلال السنوات التي عملتما فيها في هذا القصر، لن أطردكما فورًا.”
تنفّست ماري ودوروثي الصعداء عند كلماتها، لكن حديث ميليسا لم ينتهِ عند هذا الحد.
“لكن عقابًا لكما على ترك موقع العمل من تلقاء نفسيكما والكذب، سأخصم نصف راتبكما لمدة ثلاثة أشهر.”
“سيدتي!”
دوّى صراخ ماري ودوروثي المذعور في غرفة الاستراحة.
“ومن الآن فصاعدًا، ستعملان في الطابق الأول تحت إدارتي المباشرة. ولا تقتربا من غرفة الشاب ولو خطوة واحدة. لا يمكنني أن أترك أشخاصًا مثلكما إلى جانبه.”
“لا، سيدتي، أرجوكِ!”
“ارجوكِ، سامحينا هذه المرة فقط!”
“ألا تستطيعان إغلاق أفواهكما؟! كونا ممتنّتين لأنكما لم تُطرَدا! أحذّركما، إن تكرر هذا الأمر مرة أخرى، فسأجعلكما تقضيان اليوم كله في غسل الملابس فقط!”
كان صوت ميليسا حاسمًا لا يقبل الجدل. ولم تكن هناك خادمة واحدة تستطيع تغيير قرار اتخذته.
وماري ودوروثي، اللتان تعرفان ذلك جيدًا، لم يكن أمامهما سوى الخروج من الغرفة وهما تنتحبان.
حاولتُ الابتعاد قبل أن تخرجا، لكنني تأخرتُ خطوة واحدة.
“أنتِ…”
قالت ماري ودوروثي بصوتٍ مفعمٍ بالعداء حين رأتاي واقفةً عند الباب.
مع أن من هرب أثناء العمل هما!
أليس من المفترض أن تعتذرا لي بدلًا من هذا؟
ساد صمتٌ ثقيل للحظات. لم تقولا شيئًا، لكنني شعرتُ بذلك بوضوح.
كراهيتهما غير المفهومة لي كانت طاغية… ثم—
طَخ!
ارتطم شيءٌ بقوة متعمدة بكتفي. تمايلتُ قليلًا من شدة الصدمة.
بعد أن صدمتا كتفي عن قصد، مرّتا بي ومضتا.
يا إلهي، حقًا… لماذا تصبّان غضبهما عليّ؟
فركتُ كتفي بوجهٍ مذهول.
“أمثال هؤلاء موجودون في كل عالم.”
تمتمتُ، مستحضرةً أشخاصًا من عالمي السابق كانوا يؤذونني بلا سبب.
لم يكن الألم في كتفي هو الأسوأ، بل المرارة التي خلّفها إدراكي مجددًا لواقعٍ غير مرحّب به.
* * *
“…في المرة الماضية كنتِ تضحكين وحدك ضحكة مريبة.”
“ماذا؟”
“والآن، لماذا تتنهدين بهذا العمق؟”
سأل كاليوس من داخل الظلام.
كانت هذه أول مرة يكلمني فيها من تلقاء نفسه منذ بدأتُ هذا العمل.
ظننتُ للحظة أنه ربما يقلق عليّ، لكن…
“إن كان الأمر مزعجًا لكِ، فاخرجي واستريحي.”
قالها ببرود.
“حسنًا…”
بالطبع. كيف لي أن أتوقع منه أن يقلق عليّ؟
“…آه.”
“ما هذا؟ هل تفعلين ذلك عن قصد؟”
“ليس الأمر كذلك…”
لم أستطع إخباره بما جرى في غرفة الاستراحة،
فتلعثمتُ في كلامي.
منذ الشجار مع ماري ودوروثي، لم تتحسن حالتي المزاجية.
مجرد التفكير بأنني سأضطر للعمل مع أشخاص يبدون كرههم لي بهذا الوضوح جعلني أتنهد بلا توقف.
“وإذًا؟”
“العمل متعب فحسب، سيدي.”
وعند إلحاحه، أفلتَ مني ما في قلبي دون وعي.
“ماذا؟”
سأل باقتضاب، ثم صمت.
آه، صحيح… كان في العقد بند يمنع الموظف من إظهار مشاعره أمام صاحب العمل!
سارعتُ لتدارك الأمر.
“أنا آسفة. فقط أشعر بالارتباك قليلًا… آه، المعذرة، خرجت مني دون قصد. لن أتنهد بعد الآن، حقًا.”
تنفّس كاليوس بعمق وكأنه يكبح ضيقه.
“…إذًا لماذا العمل متعب؟”
“لا شيء مهم، سيدي.”
“قولي بسرعة. وإلا سأكمم فمكِ كي لا تتنهدي مرة أخرى.”
لماذا يصرّ على معرفة السبب؟ منذ متى يهتم بأموري؟
أربكني إلحاحه، لكنني لم أستطع إخباره بحقيقة ما جرى مع ماري ودوروثي.
هو أصلًا محبوس في غرفته بسبب مرضه، ولو علم أن الخدم المتبقين غير مخلصين، فقد يجرح ذلك كبرياءه بشدة.
“الأمر هو…”
“هيا.”
لا مفر. سأختلق عذرًا.
“…هناك خدم يلاحقونني بإلحاح رغم أنني غير مهتمة.”
“ماذا؟”
قالها بدهشة، ثم صمت من جديد.
…هل كان العذر سطحيًا أكثر من اللازم؟
تخيلتُ تعبير وجهه، لا بدّ أنه كمن مضغ مئة حشرة دفعة واحدة.
وبعد صمتٍ محرج…
“ظننتُ الأمر أسوأ من ذلك.”
قطع الصمت بضحكةٍ مستنكرة، ثم سُمِع صوته وهو يستلقي على السرير.
تبع ذلك صوت سحب الغطاء، كأنه يستعد للنوم.
همم؟
رغم أنه مجرد عذر، إلا أن ردة فعله كانت مستفزة قليلًا.
“…سيدي، أنت من سأل، فلماذا لا تقول شيئًا الآن؟”
“ألا تتوهمين؟”
“ماذا؟”
قال وهو يتثاءب متعمدًا:
“لا أظن أنكِ بحاجة للقلق من هذا النوع من الأمور. لا بد أنكِ قبيحة.”
…عفوًا؟ ولماذا فجأة قبيحة؟ هل رأيتَ وجهي أصلًا؟
عضضتُ على أسناني.
“…سيدي لم يرَ وجهي أصلًا.”
“لا حاجة للرؤية. ألم تسمعي بالمقولة: ملامح الإنسان تعكس قلبه؟”
قال بنبرة هادئة على نحوٍ غريب.
“من كان قلبه طيبًا، حسُن وجهه، ومن كان خبيثًا، قبُح وجهه.”
كلماته كانت تنغرس في أذني بوضوح.
“وخادمة مثلك تجادل سيدها وتسرح بأفكار مشبوهة أثناء العمل؟ من الواضح أنكِ قبيحة.”
…ماذا قلتَ؟
“مع أن قول هذا عن نفسي محرج…”
قلتُ وأنا أكبح غيظي بصعوبة.
“إحدى الخادمات قالت لي قبل أيام إنني جميلة جدًا.”
وشددتُ على كلمة جميلة.
“تلك الخادمة عليها أن تراجع طبيبًا.”
“حقًا! لم يقل لي أحد في حياتي إنني قبيحة!”
“حسنًا، لا سبيل للتأكد.”
بل وضحك أيضًا!
إنه يستفزني عمدًا.
“…ولِمَ لا؟ يمكنك التأكد بنفسك.”
تحسستُ السرير حتى وجدتُ يده، ثم أمسكتُ بها وسحبتها إلى وجهي.
“تفضل، المس بنفسك!”
“ما بكِ؟!”
انتفض كاليوس مذعورًا وسحب يده.
لكنني أمسكتُ بها مجددًا.
“ألا أعطيك فرصة للتحقق بنفسك؟”
“هل جننتِ؟ ابتعدي!”
وفجأة انضغط وجهي كعجينة؛ كان يدفعه بكفه بقسوة.
“آه! أقسم إن تيلدا قالت إن أنفي مستقيم وشفتي ممتلئتان!”
“ابتعدي!”
دفعني بقوة، فتدحرجتُ من السرير إلى الأرض سقوطًا مهيبًا.
آخ… يا مؤخرتي!
فركتُ موضع الألم وأنا أتأوه.
أما كاليوس، فكان يصرخ وهو يلهث غضبًا:
“أنتِ! لا تقتربي مني مجددًا. ممنوع الاقتراب! هل فهمتِ؟”
يا للعجب.
أنا المظلومة هنا! أردتُ فقط أن أُظهر له الحقيقة بشأن وجهي!
“ألن تجيبي؟”
“نعم…”
وماذا بيدي؟ أنا مجرد خادمة، ولا خيار لي سوى الطاعة.
وهكذا بقيتُ متهمة بالقبح، دون أن أتمكن من تبرئة نفسي حتى النهاية.
* * *
آه… يا مؤخرتي.
مرّ وقت لا بأس به، ومع ذلك ما زال الألم قائمًا.
“هل أصابني كدمة؟ أم تشقّق في العظم؟”
تمتمتُ وأنا أحمل أواني طعام كاليوس الفارغة إلى المطبخ.
“توقفي لحظة.”
التعليقات لهذا الفصل " 5"