وبينما أفكّر في ذلك، وصلتُ إلى أمام الدرج المؤدّي إلى الطابق الأوّل.
“أيتها الوغدة اللعينة!”
قبض أحدهم بعنفٍ على مؤخرة عنقي.
ودون أن أستوعب ما يجري، تدحرجتُ بقسوةٍ إلى أسفل الدرج.
“آه…!”
وشعرتُ تحت جسدي المنهار ببرودة أرضيّة الرخام في البهو الأوسط.
“كيف تجرؤين… كيف تجرؤين…!”
وصلني من فوق رأسي صوتُ ماركوس المشحون بالغضب.
‘لا… أمعقول أنّه عاد إلى القصر بهذه الساق؟’
لكن يبدو أنّ إصابته كانت خطيرة فعلًا، إذ سُمِعَ صوتُ عرجه الواضح وهو يقترب.
“لم تكوني لتظنّي أنّكِ ستنجين بعد أن تفعلي بي ذلك، أليس كذلك؟”
كان صوته يرتجف بنفاد صبرٍ تام.
“كيف تجرؤين على استخدام وحشٍ لمحاولة قتلي!
سأجعل ساقيكِ مثل ساقي!”
“…أوه، هل أُصِبتَ في ساقك؟”
“ماذا؟”
أطلق ماركوس صوتًا مذهولًا على سؤالي الذي بدا متصنّع البراءة.
“في الغابة هربتَ بسرعةٍ كبيرة، فظننتُ أنّ ساقك بخير.”
“أنتِ… أنتِ…!”
صرّ ماركوس على أسنانه ثمّ صفعني على خدّي.
وبقوّة الضربة، اندفع رأسي جانبًا.
بصقتُ الدم الذي تجمّع في فمي.
تبًّا، لقد عضضتُ خدّي من الداخل.
“تلاعُبكِ بلسانكِ سينتهي هنا!”
أمسكني ماركوس من ياقة ثوبي ورفعني بعنف.
“ليزي!”
في تلك اللحظة، اندفع أحدهم إلى البهو على عجل.
“يا إلهي، ليزي!”
كان صوتَ رئيسة الخدم وتيلدا.
“يا سيّد ماركوس، ما الذي يحدث هنا؟”
“هذه الخادمة استدرجتني إلى الغابة لتحاول قتلي!
وأمرت ذئبها أن ينهش ساقي!
كدتُ أفقد حياتي!”
لفّق ماركوس الأكاذيب بصوتٍ منفعل.
‘يا له من كذبٍ ينساب كما لو كان يسحب خيوط المعكرونة من القدر.’
ونظرت إليّ ميليسا وسألت:
“ما معنى هذا كلّه يا ليزي؟
هل ما يقوله السيّد ماركوس صحيح؟”
“لا… لم أفعل شيئًا كهذا.
ظهر الذئب فجأةً وعضّ السيّد ماركوس، وهو يدّعي أنّ ذلك بسببي.
وفوق ذلك، كان هو أصلًا يحاول قتلي أوّلًا…”
“اصمتي!
كيف تجرؤين على الكذب!”
صرخ ماركوس ثمّ قذفني إلى الأرض بعنف.
آه…
أيجوز رمي الإنسان مرّتَين هكذا، أيّها اللعين؟
“ليزي، هل أنتِ بخير؟”
أسرعت تيلدا نحوي تسأل بقلق.
‘سأموت…’
لم يكن فيّ طاقةٌ للكلام.
فأمسكت تيلدا بيدي بإحكام.
لكن ماركوس لم يُبالِ، وواصل الضغط عليّ وكأنّه يستجوبني.
“أين أخفيتِ الذئب؟
تكلّمي فورًا!”
“لا أعلم.
قلتُ لك إنّني لا أعرف ذئبًا كهذا.”
نعم، ما دمتَ تصرّ على الكذب، فسأصرّ أنا أيضًا.
ومهما واصل تضييقه، واصلتُ الإنكار.
فهو أيضًا لم يكن يملك دليلًا قاطعًا على ادّعائه.
“لن ينفعكِ الإنكار!
أستطيع بكلمةٍ واحدة أن آمر بإعدامكِ الآن!
والشخص الوحيد الذي كان يمكنه إنقاذكِ هو كاليُوس، لكن ما العمل؟”
هدّدني بصوتٍ غليظ كزمجرة.
“فهو الآن في حكم الميّت.”
وكان لا يزال يعتقد أنّ ما دمّره هو الأعشاب الحقيقيّة.
وحين لم أردّ عليه، أصدر ماركوس أمره لمن كان قريبًا منه.
“اسحبوا هذه الخادمة الآن واقطعوا رأسها.
سأجعلها تعرف أيّ جريمةٍ عظيمة ارتكبت حين تجرّأت على إيذاء نبيل.”
اقتربت خطوات جنديَّين نحوي.
شهقت تيلدا وجذبتني إلى صدرها.
لكن في اللحظة التالية،
توقّف الجنود قبل أن يصلوا إليّ.
“…ما معنى هذا، يا رئيسة الخدم؟
تنحّي فورًا.”
قال ماركوس بصوتٍ بارد.
وأدركتُ أنّ ميليسا كانت قد وقفت أمام الجنود لتحجب الطريق.
“أعتذر، سيّد ماركوس، لكن أرجو سحب الأمر الذي أصدرته للتوّ.”
“ماذا؟”
“إنّ تقرير العقوبة على خدم القصر هو من صلاحيّة سيّد الدار وحده، دوق لايفانيون.”
كانت رئيسة الخدم امرأةً قليلة الكلام، لا تتحدّث إلّا عند الضرورة.
ومع ذلك، كانت هذه المرّة الأولى التي تتقدّم فيها خطوةً لتحميني.
“إن أردت إعدام هذه الفتاة، فانتظر حتّى يعود السيّد.”
فوجئ ماركوس بتدخّلها المفاجئ، وتعذّر عليه الكلام لحظة.
لكنّه سرعان ما استعاد رباطة جأشه وبدأ يزمجر في وجهها هذه المرّة.
“أنا فردٌ من العائلة بالدم مع عمّي!
وعندما لا يكون موجودًا، أكون بمثابة نائبه!
إذًا قراري هو قرار عمّي!”
“آه… هذا ليس صحيحًا.”
لم أستطع الصمت أكثر، فتكلّمتُ بصعوبة.
“فالسيد كاليُوس موجود في هذا القصر بكلّ وضوح…
فكيف يصحّ هذا الكلام؟
مهما عبث الثعلب، يبقى النمرُ ملكًا في عرينه، أليس كذلك؟”
“أنتِ… أيتها الوقِحة!”
“ليزي!”
حاول ماركوس أن يقترب منّي مرةً أخرى وهو يعرج،
لكن صوت رئيسة الخدم القاطع أوقفه في مكانه.
“نحن نتحدّث مع السيّد الآن!
لا تتدخّلي بوقاحة!”
كان في صوتها حدّةٌ صارمة كأنّها تفرض نظامًا عسكريًّا، فتراجع الجميع بلا وعي.
ثمّ تابعت ميليسا كلامها بنبرةٍ باردة هادئة:
“سأقوم أنا بتأديب هذه الفتاة لاحقًا على سلوكها، فدعونا نتوقّف هنا.
إن أعدمتها الآن، فستقع مسؤوليّة ما بعد ذلك كلّه على عاتقك أنت، سيّد ماركوس.
وسيّد الدار يكره أشدّ الكره مَن يتجاوز حدوده.”
“…!”
“وإن علم أنّك استعملت صلاحيّاته دون إذنه، فسيغضب غضبًا شديدًا بلا شكّ.
فهل أنت مستعدّ لتحمّل ذلك؟”
“تبًّا!”
انفجر ماركوس غضبًا لأنّ الأمور لا تسير كما يريد.
وبدا كأنّه يعضّ على أظافره غيظًا، ثمّ فتح فمه بعد برهة:
“…حسنًا، سأنتظر.
وحين يعود عمّي، سأطلب منه بنفسي أن يقتل هذه الخادمة.”
في تلك اللحظة، أطلقت تيلدا الزفير الذي كانت تحبسه، واحتضنتني بقوّة.
وأنا أيضًا، وقد أفلتُّ من الموت المؤكّد، أخرجتُ أنفاسًا متثاقلة من الارتياح.
لكن بدا أنّ ماركوس قد عقد العزم على تعذيبي ما دام الانتظار قائمًا.
فأصدر أوامره للجنود من جديد.
“ازجّوا هذه الخادمة في القبو فورًا.
ولا تعطوها قطرة ماء حتّى آذن أنا بذلك.”
…أيّ قلبٍ حجر هذا!
أعطِني ماءً على الأقل!
أمسكني الجنود الذين كانوا قد اقتربوا، ورفعوني على أقدامي.
وتشبّثت تيلدا بيدي وكأنّها لا تريد تركي.
“لي… ليزي…”
“لا تقلقي يا تيلدا.”
قلتُ ذلك وأنا أفلتُ يدها بهدوء لأطمئنها.
لا يمكنني أن أجرّها معي إلى هذه الورطة.
وسرعان ما قيّدني الجنود من الجانبين واقتادوني.
وبينما كنتُ أُسحَب بعيدًا، انحنيتُ برأسي نحو ميليسا.
“شكرًا لكِ، يا رئيسة الخدم.”
“……”
كنتُ أعلم أنّها لا تستطيع منع أخذي إلى القبو، لذلك تبعتُ الجنود دون مقاومة.
وبينما أنا أُساق بلا حول، سخر ماركوس منّي بصوتٍ متعمّد أن يُسمِعني:
“لا تطمئنّي كثيرًا لأنّكِ نجوتِ الآن.
وما نفع أن تُمدَّد حياةُ ذبابةٍ أيّامًا قليلة؟”
—
طَقّ!
دفعني الحارس داخل الزنزانة، ثمّ أغلق الباب بإحكام وأقفل المزلاج.
كان القبو الذي أدخلوهني إليه للمرّة الأولى رطبًا ومليئًا برائحةٍ خانقة.
وكانت الأرضيّة الحجريّة الخالية من أيّ فراش باردةً وقاسية.
‘كيف يُفترَض أن ينام المرء هنا…؟’
لم أملك إلّا أن أضحك ضحكةً جافّة وأنا أتفقّد حال الزنزانة.
عندها قال الحارس بصوتٍ خافت كأنّه يتمتم:
“لا تفكّري في أيّ حماقة، والتزمي الهدوء.
فقد أمر السيّد ماركوس أن تُجلَدي بالسوط كلّما حاولتِ القيام بأيّ حركةٍ مريبة.”
ثمّ لوّح الحارس بسوطه متعمّدًا أن يضرب به القضبان مُحدِثًا صوتًا مهدِّدًا.
فاهتزّت القضبان طَقًّا ذهابًا وإيابًا.
“إن تصرّفتِ بأيّ شيءٍ مشبوه، فستنالين الضرب فورًا.”
وعند تحذيره هذا، تراجعتُ إلى الخلف بصمت.
التعليقات لهذا الفصل " 43"