تجاهلتُ تلك الأصوات المروِّعة، وحاولتُ بكلّ ما أوتيتُ من قوّة أن أنهض من مكاني.
لكن ما إن تحرّكتُ قليلًا حتّى داهمني ألمٌ مبرّح.
لم يكن هذا وقتَ القلق على ماركوس.
فجسدي أنا نفسه كان في حالةٍ يُرثى لها.
‘تبًّا… لا أستطيع تحريك إصبعٍ واحد.
كلّ جسدي يؤلمني…’
ومع ذلك، لم يكن بوسعي الاستسلام.
كان لا بُدَّ أن أعود إلى القصر مهما كان.
‘يجب أن أعود وأطلب المساعدة…’
وبعد محاولاتٍ عدّة، تمكّنتُ أخيرًا من النهوض مستندةً إلى جذع شجرة.
وطبعًا، تَبِعَ ذلك ألمٌ في كلّ أنحاء جسدي.
“أُغخ…”
وفي اللحظة التي أفلتَ فيها أنينٌ من فمي دون وعي،
كان الذئبُ الفضّي قد رمى ماركوس بعيدًا ممّن كان يمسكه بفمه، ثمّ اندفع نحوي.
ثمّ أسندني برأسه حين كدتُ أسقط في أيّ لحظة.
“ش… شكرًا لك…”
رفعتُ بصري نحوه على غير وعي، شاكرةً عينيه الذهبيّتَين اللتين كانتا تحدّقان بي بقلق.
وبعد ذلك، أخذ الذئب يلعق وجهي باستمرار كي لا أفقد الوعي.
وبذلك الملمس الطريّ الدافئ، تمكّنتُ بالكاد من التمسّك بوعيي وأنا واقفة.
وخلال ذلك، كان ماركوس القريب منّا، الذي نجا بصعوبة من أنياب الذئب الحادّة، يلهث بأنفاسٍ خشنة.
“هَع… هَع… ت… تبًّا!”
ومن كونه ما يزال يتمتم بالسباب، بدا أنّه لم يفقد وعيه بعد.
وبعد قليل، سُمِعَ وهو ينهض بصعوبة ويحاول الفرار.
ويبدو أنّ إحدى ساقيه كانت ما تزال سليمة.
ومع صوت جرّ القدم على الأرض، اختفى أثره أخيرًا تمامًا.
وبعد أن غاب، بدأتُ أتحسّس بيدي الأرض التي كان ماركوس يدوس عليها ويحطّم الأعشاب.
وسرعان ما لامستُ حقيبةً مهترئة ونبتةً واحدة عند أطراف أصابعي.
‘لقد حطّمها تمامًا.’
“كِيـنغ…”
يبدو أنّ الذئب أحسّ بأنّ في الأمر ما يدعو للقلق حين رأى تعابير وجهي، فاقترب وأطلق صوتًا حزينًا.
“آه، لا بأس.”
قلتُ ذلك وأنا أمسح على رأسه.
“هذه مزيّفة أصلًا.”
ثمّ زحفتُ إلى جذع شجرةٍ عجوز وأدخلتُ يدي في تجويفٍ فيها.
وكانت الأعشاب التي خبّأتُها هناك سابقًا ما تزال سليمة.
في الحقيقة، بينما كان ماركوس يتشاجر مع الرجال قبل قليل، أخرجتُ الأعشاب من الحقيبة وخبّأتها سرًّا في هذا التجويف.
وبدلًا منها، وضعتُ في الحقيبة نبتةً عاديّةً اقتلعتُها من الجوار.
ويبدو أنّ ماركوس، لمجرّد أنّه رآني أتشبّث بالحقيبة بجنون، صدّق أنّ تلك النبتة هي الأعشاب الطبيّة دون شكّ.
‘كنتُ أخشى أن يلاحظ، لكن الحمد لله.’
وهكذا تمكّنتُ من إنقاذ الأعشاب.
لكن المشكلة تبدأ من الآن.
كيف سأعود إلى القصر بهذه الحالة؟
“لا وقتَ للتلكّؤ…
يجب أن أوصل الترياق إلى كاليُوس بأسرع ما يمكن…”
وفي تلك اللحظة، تقدّم الذئبُ الفضّي نحوي.
ثمّ فجأةً، انبطح على الأرض وخفّض جسده.
نظرتُ إلى تصرّفه الغامض بوجهٍ حائر، ثمّ سألته بحذر:
“هل… تقصد أن أركب على ظهرك؟”
فحرّك ذيله بخفّة، وكأنّه يجيب بنعم.
ابتلعتُ ريقي.
‘أ… أيمكنني حقًّا؟’
لكن لم يكن لديّ وقتٌ للتردّد.
وبعد لحظة تهيّؤ، صعدتُ إلى ظهره بعزم.
وما إن استقررتُ فوقه، حتّى نهض الذئب ببطء.
وتشبّثتُ به بقوّة كي لا أسقط.
“خذني إلى قصر الدوق، وبأقصى سرعة!”
وما إن انتهيتُ من كلامي، حتّى انطلق الذئب يعدو.
كانت الأشجار والأدغال تمرّ من جانبيّ بسرعةٍ خاطفة.
وكان الهواء يصفع أذنيّ مُطلِقًا أزيزًا عاليًا.
“وا… واو…”
ومع هذا الإحساس الهائل بالسرعة، لم يسعني سوى إطلاق صيحة دهشة وأنا منكمشة فوق ظهره.
لم أركض بهذه السرعة في حياتي من قبل.
والأعجب أنّه، رغم أنّ السرعة بدت أكبر من سرعة الحصان، شعرتُ بثباتٍ غريب، ولم يراودني إحساسٌ بأنّني سأقع.
‘حقًّا إنّه كائنٌ روحانيّ.’
وبعد قليل، بدأ الذئب يُبطِئ سرعته تدريجيًّا، ثمّ توقّف في مكانه أخيرًا.
ويبدو أنّنا وصلنا إلى أمام القصر في لحظة.
نزلتُ إلى الأرض وأنا أزفر النفس الذي كنتُ أحبسُه.
“شكرًا لأنّك أوصلتني، لكن من هنا فصاعدًا يجب أن أدخل وحدي.”
“كِينغ…”
وعند كلماتي، أطلق الذئب صوتًا حزينًا كأنّه مستاء.
لكن لم يكن أمامي إلّا أن أدفعه برفقٍ إلى الخلف.
“إن ظهرتَ فجأةً، سيعمّ الاضطراب في القصر كلّه.
ثمّ إنّ…”
‘بعدما فعلتَ بماركوس ذلك أيضًا.’
ثمّ قلتُ له وهو ما يزال يئنّ بتردّد:
“لديّ طلبٌ واحد.
ارجع الآن إلى الغابة، وابحث عن الرجل الذي جاء معي.
اسمه مايكل.”
وبالنظر إلى أنّ الرجال الذين استأجرهم ماركوس لم يعودوا حتّى حين غادرتُ الغابة، فمن المحتمل أنّهم لم يعثروا على مايكل بعد.
“ساعده من فضلك.
قد يكون مطاردًا من الآخرين الآن.”
ويبدو أنّ الذئب فهم كلامي، إذ رمش بعينيه بضع مرّات، ثمّ استدار نحو الغابة فورًا.
وبعدها، اندفع إلى الأمام بسرعة كما فعل عند قدومنا.
وبينما كنتُ أنظر إلى ظهره وهو يختفي في لمح البصر، استدرتُ أنا أيضًا على عجل.
“كاليُوس…”
ففي هذه اللحظة، لم يكن هناك ما هو أهمّ من إنقاذه.
—
قام الطبيبُ الخاص بغلي الأعشاب التي أحضرتُها، ثمّ جلبها إلى الغرفة على الفور.
“لكن… هل هذا حقًّا ترياقٌ غيرُ ضارّ؟
مارستُ الطبّ عشرين عامًا، لكنّني أرى هذا النبات للمرّة الأولى!
إن تناول السيّد الشاب عشبةً خاطئة، فقد تسوء حالته أكثر!”
وعندما حان وقتُ إعطاء الدواء لكاليُوس، قال الطبيب بصوتٍ قَلِق وتردّد.
“لكن إن تركناه هكذا، فسيموت السيّد الشاب!”
وخلال ذهابي إلى الغابة بحثًا عن الأعشاب، كانت حالة كاليُوس قد ساءت أكثر.
فقد أصيب جسده كلّه بتشنّجات، وكان يلهث بأنفاسٍ متقطّعة كأنّ روحه ستخرج في أيّ لحظة.
“أرجوك!”
وأمام إلحاحي، لم يجد الطبيب بُدًّا من إطعام كاليُوس الدواء.
وسُمِعَ صوتُ الدواء وهو ينحدر في حلقه.
“هُه…
لم يبقَ الآن سوى أن نراقب التطوّرات.”
تمتم الطبيب وهو يضع قارورة الدواء الفارغة على الطاولة.
ولم تمضِ فترةٌ طويلة حتّى بدأت أنفاس كاليُوس تستقرّ بشكلٍ ملحوظ.
كما بدأت التشنّجات في جسده تخفّ تدريجيًّا.
“الحرارة تنخفض.”
قال الطبيب بعد أن فحص حالته.
“لا يُصدَّق…
من أين حصلتِ على هذه الأعشاب؟”
وكان واضحًا أنّه مذهول فعلًا لأنّني جلبتُ ترياقًا حقيقيًّا.
وبعد أن غادر الطبيب، بقيتُ إلى جوار كاليُوس.
ولم يبقَ الآن سوى انتظار أن يستعيد وعيه.
“… آنسة ليزي، لِمَ لا تحاولين أن ترتاحي قليلًا؟
سأبقى أنا إلى جانبه.”
“لا، سأبقى قليلًا بعد.”
ورغم محاولة براندن إقناعي، لم أغادر مكاني.
“لكنّ لون وجهكِ ليس جيّدًا منذ قليل، وأنتِ تتعرّقين عرقًا باردًا باستمرار…
انتظري، ما هذا الكدم في معصمكِ؟”
سأل بصوتٍ مصدوم، وقد لاحظ الكدمة في معصمي.
“يا إلهي!
جسدكِ كلّه مليء بالكدمات!”
“أُغخ…”
وحين أمسك براندن بذراعي ليفحص الكدمات، أفلتَ منّي أنينٌ رغماً عنّي.
“آنسة ليزي، ماذا حدث لكِ؟
ماذا جرى في الغابة بالضبط؟”
وسألني بعدما أدرك أنّها ليست إصاباتٍ عاديّة.
“ذلك…”
“يجب أن تتلقّي علاجًا فورًا!
أمسكي بيدي وانهضي بسرعة!”
وأمام إلحاح براندن، لم يكن أمامي خيار سوى النهوض.
“إذًا سأذهب إلى غرفة التمريض قليلًا.”
“سأرافقكِ!”
“لا، ابقَ إلى جانب السيّد الشاب.
لا نعرف متى سيفيق…”
وبعد أن أجبرتُ براندن على الجلوس إلى جوار السرير رغم إصراره على مرافقتي، خرجتُ من الغرفة وحدي.
كنتُ في الغابة قبل قليل لا أستطيع الحركة من شدّة الألم، أمّا الآن فكنتُ أتحرّك على نحوٍ مقبول.
ومع ذلك، كان أدنى ضغطٍ على مواضع الكدمات يسبّب ألمًا شديدًا.
‘آه…
يبدو أنّ الاعتناء بالآخرين بهذا الجسد كان مستحيلًا فعلًا.’
وبما أنّ كاليُوس قد تجاوز أخطر مرحلة، فربّما لا بأس بأن آخذ قسطًا قصيرًا من الراحة كما قال براندن.
‘سأتلقّى العلاج ثمّ أغمض عينيّ قليلًا…’
التعليقات لهذا الفصل " 42"