في تلك اللحظة، لمع في رأسي ذكرى خاطفة كالبَرق.
‘الشخص الذي اصطدمتُ به اليوم في الممرّ!’
لا بُدَّ أنّ ذلك الشخص كان هو ماركوس.
‘إذًا هو مَن أخذ الثمرة التي أسقطتُها خِلسةً.’
قبضتُ بيدٍ مرتجفة على الحقيبة التي تحوي الأعشاب الطِّبِّيّة وشددتُ عليها.
ورُبَّما كان قد تنصّت أيضًا على الحديث الذي دار بيني وبين مايكل.
وكأنّه يُثبِت شكوكي، تابع ماركوس كلامه بصوتٍ مملوء بالسخرية.
“في الأيّام القليلة الماضية لم يَعُد كاليُوس يظهر، فتساءلتُ إن كان قد حدث شيء.
لكنّ الطبيب الخاص ركض على عجلٍ إلى غرفة كاليُوس،
ثمّ تسقطين أنتِ شيئًا كهذا على الأرض.”
دَغُرُرُ.
تدحرج شيءٌ كان قد رماه إلى قدمي واصطدم بحذائي.
“ثمرة شجيرة الشوك الأزرق.
أمرتُ الخَدَمَ بالتحقيق، فقالوا إنّها سامّة، أتعلمين؟”
كان في نبرة ماركوس يقينٌ قويّ واضح.
“ومن تسمَّم بهذه الثمرة لا بُدَّ أن يكون كاليُوس.
أليس كذلك؟
وإلّا لما جئتِ إلى هنا خصيصًا تبحثين عن الترياق.”
بدا أنّ التذرّع بأيّ كلامٍ آخر لن يُجدي نفعًا.
فقد كان ماركوس، على ما يبدو، قد أحاط بكلّ الملابسات ثمّ لحق بي إلى هنا.
‘… ماذا أفعل الآن؟’
بعفويّةٍ، ضممتُ الحقيبة التي فيها الأعشاب إلى صدري وحميتها.
لأنّ ماركوس الذي أعرفه سيحاول انتزاع هذه الأعشاب أوّلًا بلا شكّ.
‘يجب أن أحمي الحقيبة مهما كان الثمن!
ويكفي أن أصمد حتّى يعود مايكل.’
مايكل أكبر من ماركوس بأربع سنوات، وبُنيته أكبر بكثير،
لذلك سيتمكّن من إخضاعه بسهولة.
لكنّ ماركوس، وكأنّه يسخر من أفكاري، سأل فجأةً:
“أين مايكل؟
أنا رأيتُكما تخرجان من القصر معًا بالتأكيد.”
ما إن سمعتُ ذلك حتّى اجتاحني شعورٌ مشؤوم.
‘صحيح…
لو كان يعلم أنّ مايكل معي، لما جاء إلى هنا وحده.’
وكما توقّعتُ تمامًا، أطلق ماركوس صفيرًا مفاجئًا.
فِيِيك!
وعندها بدأت خطواتٌ أخرى تخرج من بين الأشجار.
“واو، هذا السيّد الصغير مذهلٌ فعلًا؟
أجلَبَ ثلاثةَ رجالٍ فقط للتخلّص من امرأةٍ واحدة؟”
وصلني صوتُ رجلٍ مجهول بنبرةٍ فظّةٍ مستهترة.
ومع الرنين المعدني الذي كان يُسمَع أحيانًا، أدركتُ أنّهم مُسلّحون.
“إلى أيّ حدّ تربّى مدلّلًا حتّى لا يقدر وحده على التخلّص من امرأةٍ كهذه؟”
وعندها ضحك الرجال الآخرون بخبثٍ موافقين.
فانفعل ماركوس وردّ عليهم بحدّة:
“ما هذا الهراء؟
ليس تلك الخادمة مَن عليكم التخلّص منها، بل الرجل الذي جاء معها!
إنّه في الجوار قطعًا!
فابحثوا عنه حالًا!”
وعلى نبرته المتعجرفة المتسلّطة، أبدى الرجال انزعاجهم صراحةً وقالوا:
“لم تقل إنّ علينا أن نبحث بأنفسنا، أليس كذلك؟
يا له من إزعاج.”
“بهذا سيستغرق الأمر وقتًا أطول.”
“تبًّا!
سأدفع لكم الأجر الإضافي أيضًا، أليس هذا كافيًا؟!”
صرخ ماركوس وهو لا يَكاد يضبط غضبه.
“سأعطيكم ما تشاؤون من المال، فاعثروا عليه فورًا!
وتصرّفوا كما قلتُ لكم تمامًا.
ليبدُ الأمر وكأنّه تعرّض لِقُطّاع طرقٍ في الغابة مصادفةً.
هل فهمتم؟”
وبدلًا من جواب، سُمِعَت شتائمهم على نحوٍ مقتضب.
ثمّ تفرّقت خطواتهم من حولنا بعد أن بصقوا على الأرض بامتعاض.
“أيّها الأوغاد الوضيعون، كيف يجرؤون على نسيان مقامهم!”
وعندما اختفى كلّ أثرٍ لهم، راح ماركوس يضرب الأرض بقدمه ويفجّر غضبه.
‘… هذا سيّئ.’
وقد أدركتُ ما يجري، فعضضتُ على أسناني بقوّة.
كان مايكل وحده.
ولا يُعقَل أن يواجه ثلاثةَ رجالٍ مُسلّحين بمفرده.
‘حاولتُ إنقاذ كاليُوس، فانتهى بي الأمر بتعريض مايكل للخطر أيضًا.’
لا أعلم أين هو الآن، لكن أتمنّى أن يكون قد وجد حصانًا وفرّ بسلام.
وبوجهٍ متصلّبٍ جامد، اقترب ماركوس منّي ببطء.
“يقولون إنّ كاليُوس يحرص عليكِ كثيرًا، أليس كذلك؟”
قالها فجأةً وكأنّه يفتح موضوعًا لا علاقة له بما يجري.
“ويقولون أيضًا إنّ مَن أصرّ على إبقائكِ وعدم طردكِ بعد انتهاء التوظيف المؤقّت كان كاليُوس نفسه.”
وكان في صوته ازدراءٌ فاضح موجّه إليّ.
“لهذا استغربتُ.
تساءلتُ لماذا يُبقي إلى جانبه عمياء لا ترى شيئًا.
لكن يبدو أنّ وجهكِ لا بأس به، ويبدو أنّ كاليُوس استمتع قليلًا، أليس كذلك؟”
“… حتى وان كنتَ ابنَ أُخ الدوق، فلن أتحمّل إهانتكَ للسيد الصغير.
إن تفوّهتَ بمثل هذا الكلام عنه مرّةً أخرى، فلن أسكت.”
“يا لوقاحتكِ!”
بدا أنّ كلماتي أصابت أعصاب ماركوس في الصميم، فرفع صوته فجأةً.
“وإن لم تسكتي، فماذا ستفعلين؟
إن قضيتُ عليكِ هنا، فمن سيعرف ماذا قلتُ عن ذلك الوغد أصلًا؟”
سال العرق البارد على ظهري، واجتاحني شعورٌ أشدّ سوءًا.
فلو كان ماركوس، فلن يكون غريبًا أن يؤذيني حقًّا.
كان عليّ أن أهرب من هنا بأيّ ثمن.
‘لكن إلى أين؟
وكيف؟’
وفي تلك اللحظة، تقدّم ماركوس نحوي بخطواتٍ ثقيلة.
تراجعتُ وأنا أضمّ الحقيبة إلى صدري بقوّة.
“هاتِ ذلك!”
ثمّ أمسك ماركوس بالحقيبة بعنفٍ وجذبها.
تشبّثتُ بها بكلّ ما أملك من قوّة.
وكأنّي أقول إنّني لن أفرّط بها أبدًا.
“لا!
لن أُعطيكَ إيّاها!”
وحين صرختُ في وجهه، انطلقت فجأةً قدمٌ نحو صدري.
“كيف تجرؤين على التمرّد عليّ!”
ولأنّني لم أكن مستعدّةً للهجوم، سقطتُ أرضًا على الفور.
ثمّ تتابعت ركلاتٌ قاسية بلا رحمة.
“أيتها الوضيعة!
وضيعة!”
ولكي أتجنّب الأحذية التي كانت تهوي عليّ، انكمشتُ على الأرض وضممتُ جسدي كالدودة.
ومع ذلك، ظللتُ أحتضن حقيبة الأعشاب بإحكام.
تسلّل إليّ خوفٌ بأنّني قد أموت ضربًا فعلًا.
“يا للغباء!
أتظنّين أنّ هذا سيغيّر شيئًا؟
لا أحد هنا سيساعدكِ!”
قالها ماركوس ببرود.
“أمّا ذلك الوغد مايكل، فغالبًا قد تمّ التخلّص منه الآن نظيفًا.
وسيكون جثّةً لوليمة الوحوش البريّة!”
ومع استمرار الركل، بدأ وعيي يتلاشى شيئًا فشيئًا.
وحتى ذراعاي اللتان كانتا تعانقان الحقيبة بدأتا تضعفان.
“من تمسّككِ المحموم بتلك الحقيبة، فهمتُ الأمر
أكثر.”
قال ماركوس وهو يلهث غضبًا، وكأنّ الضرب لم يُفرغ ما في صدره.
“إن لم آخذ هذا، فسيموت كاليُوس على حاله، أليس كذلك؟
لهذا لا يمكنني أن أترككِ ببساطة.”
وفجأةً، خطف ماركوس الحقيبة من بين ذراعي في لحظة.
“لا… تَفعل.”
ورغم مقاومتي الأخيرة، سمعتُه يفتّش في الحقيبة بحثًا عن الأعشاب.
ثمّ تلا ذلك صوتُ رمي الأعشاب على الأرض، ودعسِها بالأحذية بلا رحمة.
وبعد أن حطّم الأعشاب، رمى ماركوس بالحقيبة الفارغة على الأرض.
“يا للخسارة.
تعبتِ في العثور على الأعشاب، وانتهى بها الأمر هكذا.
يبدو أنّ سيّدكِ الصغير قد انتهى أمره الآن، أليس كذلك؟”
سخر ماركوس منّي وأنا في قمة اليأس.
سْرِنغ.
ثمّ سُمِعَ صوتُ سحب سيفه من غمده.
“لكن لا تحزني كثيرًا.
سأرسلكِ معه، لتواصلي خدمته هناك أيضًا.”
أغمضتُ عينيّ بإحساسٍ أكيد بالنهاية.
منتظرةً النصل الذي سيهبط على عنقي بعد قليل.
“……”
…… هاه؟
لكن مهما انتظرتُ، لم يحدث شيء.
بل لم أسمع سوى خطواتٍ متراجعة متعثّرة، وكأنّ ماركوس قد فزع.
ثمّ في اللحظة التالية.
“آآآآآخ!”
انفجر صراخه، ممزّقًا الأذن من شدّته.
وعلى ذلك الصوت، رفعتُ رأسي بسرعة.
“هَه!”
وانكشف أمامي مشهدٌ لا يُصدَّق.
وحشٌ أبيض هائل، كاشفٌ عن أنيابه الحادّة، كان يهدّد شخصًا لا أراه.
“ذ… ذئبٌ فضّي!”
صرختُ عندما أدركتُ ما هو ذلك الوحش.
لكن يبدو أنّ الذئب الفضّي لم يسمع صوتي، إذ بدأ يمزّق ماركوس بلا رحمة.
وحين غرس أنيابه وراح يهزّ رأسه بعنف، أطلق ماركوس صرخاتٍ مرعبة.
وسُمِعَ أيضًا صوتٌ يوحي بأنّ شيئًا ما قد انكسر.
“آآه!
ساقي… ساقي!”
آه، إذًا لقد قُطِعَت ساقه.
لا بُدَّ أنّ الألم لا يُحتمل.
وعلى صراخ ماركوس، طارت الطيور المذعورة من فوق الأشجار.
ولأوّل مرّة، شعرتُ أنّ عدم قدرتي على رؤية ما أمامي أمرٌ مُطمئن.
التعليقات لهذا الفصل " 41"