‘……هل سأتعرض للمزيد من اللوم حتّى يظنّ أنّني كذبتُ؟’
لم أدرِ ماذا أفعل، وكنتُ أتصبّب عرقًا باردًا، حين اقترب صوتُ رجلٍ من المكان.
وفي تلك اللحظة، تراجعْتُ عنيفًا خطوةً إلى الوراء من فرط الذهول.
آه! ابتعد! لا تقترب وأنا عارية!
رأى الرجلُ ارتباكي فجأة، فانفجر ضاحكًا.
صدحت ضحكته العذبة في الغرفةِ لوقتٍ طويل.
ماذا هناك؟ لماذا تضحك؟ ما المضحك؟
بعد قليل، توقّف عن الضحك وقال:
“لا داعي للقلق، كلّ ملابسي موجودة، لم يكن سوى مزاحٍ بسيط.”
“……ماذا؟ مزاح؟”
“كنتُ فضوليًا لأعرف متى ستتعرفين على صوتي.”
ومع هذا الكلام، أمالتُ رأسي بتساؤل، فأجابَ بصوتٍ لا يزال يختلج بالضحك:
“يؤسفني ذلك. كانت رفقةً قصيرة، لكنّها تركت فيّ ذكريات ممتعة.”
في تلك اللحظة، تذكرتُ فجأةً شيئًا:
الغابة. ضوء القمر. وصوتٌ يقول لي أن أمسك بحزام حقيبتي.
رفعتُ رأسي صائحَةً نحو الرجل:
“آه! أنتَ إذن ذلك…”
“نعم، ذلك.”
“الرجل الغريب الذي التقيتُه في الغابة؟”
“……ألم أكنُ منقذكِ؟”
آه.
سارعتُ لتصحيح كلامي:
“نعم، أنتَ منقذي! بالتأكيد أنتَ!”
اتضح أنّه كان هو من ساعدني على الفرار من الغابة في ذلك اليوم الذي كدتُ أُختطف فيه.
‘لم أتمكّن حينها من شكره، لأنه اختفى فجأةً دون وداع.’
كنتُ أتوق لمقابلته مجددًا لأقدّم له الشكر، لكنني لم أعرف وجهه ولا اسمه، فلم أجد طريقة لذلك.
‘لكن أن ألتقي به هنا هكذا…’
ابتسمتُ بتعجّب وقلتُ في نفسي: ‘العالم حقًا صغير.’
‘……على أيّ حال، بما أنّه ضيفٌ في بيت الدوق، فهو بلا شك من النبلاء.’
عندما التقينا سابقًا، ظننتُه مجرد مسافرٍ عادي يحمل حقيبة.
لكنّه الآن يحتل غرفة ضيافة في القصر بشكل لائق، فاستنتجت أنّه ليس شخصًا عاديًا.
ضممتُ يديّ مجددًا أمامي وقلتُ له بأحترام:
“أرجو أن تقبل اعتذاري عن التأخير، لكن شكرًا جزيلًا على مساعدتك لي في ذلك الوقت.
بفضلكِ لم أصبَ فريسة للوحوش وتمكّنتُ من الخروج من الغابة سالمًا.”
“سعيدٌ بأنّي تأكدتُ من عودتك سالمة.”
ردَّ الرجلُ بلطف.
‘يا للفرحة. على الأقل أستطيع الآن أن أشكره.’
بينما كنتُ أفكّر بذلك، أدركتُ أنّني لا أعرف اسمه بعد.
‘لم يكن من المناسب للمرأة العادية أن تسأل النبيل عن اسمه أولًا…’
لكن تجاهل معرفة اسم منقذي كان أمرًا لا أستطيع تحمّله.
وبينما كنتُ على وشك السؤال عن اسمه بحذر، جذبني شيء لامع في طرف بصري.
‘ما هذا……؟’
توقفتُ عن الكلام واقتربتُ بفضولٍ نحو الضوء.
في الظلام الدامس، كان شيءٌ نحيل يتلألأ وحده.
‘هل هذا… فراء الذئب؟’
لمسته بأطراف أصابعي، فوجدته عالقًا في إطار نافذة مفتوحة.
رفعتُ رأسي، فاحسستُ بهواء الليل البارد يتسلّل من الخارج.
“هل خرج عبر هنا……؟”
نظرتُ إلى الفراء بين يديَّ بإحباط، وكنتُ أرى جماله عن قرب.
كان فراء الذئب أجمل، بلونٍ شاحبٍ يشبه الهلال.
‘ربما يكون شعرُ كاليـوس هكذا أيضًا……؟’
وفي تلك اللحظة، شعرتُ بوجوده خلفي.
أدركتُ فجأة أنّني ما زلتُ في غرفة الرجل، فاستدرتُ سريعًا.
“آه! آسفة، فراء الذئب كان معلقًا هنا.”
وعندما التفتُّ، شعرتُ بنفَسٍ دافئٍ خفيف، فارتعشتُ وتراجعتُ بوجهي للخلف.
“همم، صحيحٌ بالفعل.”
تمتم الرجلُ بصوتٍ منخفض ومثير للاهتمام:
“لونٌ فريد للغاية. على الرغم من أنّ عينيّ لا تراه، إلا أنّه يظهر لعينيكِ…”
توقف قليلًا ثم قال:
“أتذكر قراءة شيءٍ مشابه عن هذا النوع في كتاب قديم. كانت قصةً أسطورية قديمة.”
“هل تعرف شيئًا عنها؟”
كنتُ أعلم أنّ عليّ مغادرة الغرفة، لكن الفضول حيال الذئب أبقاني مكانه.
أجابَ الرجل بعد تفكير:
“إنها قصةٌ غريبة بعض الشيء.”
“لا بأس! إن كنت تعرف شيئًا، أرجو أن تخبرني!”
كنتُ متلهفة للحصول على أيّ خيطٍ عن الذئب.
تنهد الرجلُ وقال:
“حسنًا. لكن الشرح بالكلمات وحدها سيكون صعبًا.”
“ماذا تقصد؟”
“تعالي معي. سيكون أفضل أن ترينه بنفسك.”
—
“هنا……”
“نعم، هذا القاعة المركزية.”
أصطحبني الرجل إلى الطابق السفلي.
كانت هذه أول غرفة واسعة يلتقي بها الداخلون إلى القصر.
إلى جانبها، كان صخب الموسيقى ورقص الحضور في قاعة الباليه لا يزال يسمع بوضوح.
“هل تتبعينني من هنا؟”
سرتُ ببطء خلفه، فقال وهو يقترب منّي:
“مدّي يديك للأمام تمامًا.”
“يداي؟”
امتثلتُ، وبلمس يديّ شعرتُ بحجرٍ باردٍ صلب.
“هذا……”
وبعد تحسسه، أدركتُ أنّه على شكل حيوان.
“كلب؟ أم ذئب؟”
بدت أنيابُه كبيرةً بشكل ملحوظ.
“هذا تمثال الذئب، المعروف بحامي عائلة دوق للايـفانينون.”
“حامي……؟”
“نعم، يُقال إنه يحمي الأرض والعائلة. لكن القصة ليست مشهورة كثيرًا، ربما لم تسمعي بها.”
هززتُ رأسي بالإيجاب:
“لا، هذه المرة الأولى التي أسمع فيها بذلك.”
‘لو ذكر في الكتاب، لكنتُ تذكّرته.’
“لقد اختفى قبل عدة مئات من السنين، وربما نُسيَ تمامًا الآن. أنا علمت به من كتاب قديم.”
“واو……”
سماع “كتاب قديم” جعلني أشعر بمدى غموض الأمر.
“في الكتاب قيل إنّ هذا الذئب يظهر فقط أمام الشخص الذي يختاره.
ربما كنتِ أنتِ.”
طوال حديثه، كنتُ ألمس التمثال بحذر.
كان شكله وحجمه مطابقًا للذئب الفضي الذي رأيته من قبل.
لمستُه، وعاد منظر الذئب الفضي الجميل يتلألأ في ذهني.
‘ذئبٌ يرى من لا يبصر……’
فقدتُ بصري في حادثةٍ قديمة.
لكنّ لحظة رؤيتي لهذا الذئب أعادت إليّ شعور “الرؤية” بطريقةٍ ما.
‘ليتني أستطيع الرؤية مجددًا.’
كأنّه قرأ قلبي، قال الرجل مجددًا:
“كل ما أعرفه عن هذا الذئب هو ما قلتُه لتوّ. لكن ربما نجد مزيدًا من الأدلة في النقوش على التمثال.”
“نقوش؟”
أمسك بيدي وأرشدني إلى قاعدة التمثال.
“هناك شيء محفور. لمسِي لتشعري به.”
لمست أطراف أصابعي النقوش المنقوشة.
“هل هذه…… حروف؟”
“لغة الحكان القديمة. اختفت تقريبًا، لا يستطيع الناس قراءتها.”
لم أفهم الحروف على الإطلاق، فابتسم الرجل وقال بهدوء:
“باختصار، المعنى هو كالتالي.”
وبدأ يفسر لي النص بصوتٍ منخفض:
“نور نيريا،
شفاه نيريا،
عصا نيريا،
عندما يخيّم الظلام على هذه الأرض
سيفتح عينيه أخيرًا.”
بعد الصمت، كرّرتُ بذهول:
“……نيريا؟”
اسمٌ لم أسمع به من قبل، فمالت رأسي بتساؤل.
سألني الرجل:
“لم تسمعي به من قبل؟”
هززت رأسي مجددًا:
“لا، هذه المرة الأولى.”
التعليقات لهذا الفصل " 33"